تاريخ التواطؤ بين النقابات العمالية الأميركية وإسرائيل
لا مكان للحياد
- مراجعة لكتاب جيف شوركي «لا محايدين هناك: العمال الأميركيون والصهيونية، والنضال من أجل فلسطين»، الذي يستعرض جذور التحالف التاريخي بين القيادات النقابية الأميركية والحركة الصهيونية، ويبيّن كيف دعمت النقابات الأميركية المشروع الصهيوني مالياً وسياسياً منذ بدايات الهستدروت، مروراً بالحروب العربية–الإسرائيلية، ووصولاً إلى رفض القيادة النقابية اليوم لأي تضامن مع فلسطين. وعلى الرغم من تصلّب القيادة، يكشف الكتاب عن تاريخ طويل من المقاومة داخل القواعد العمالية، من العمال العرب في ديترويت إلى عمال الموانئ في كاليفورنيا، ما يضع الحركة العمالية الأميركية أمام سؤال وجودي بعد حرب غزة: في أي صف تقف؟
«أعتقد أنه لا توجد منظمة أخرى في العالم دعمت إسرائيل مالياً ومعنوياً أكثر من اتحاد العمل الأميركي ومؤتمر المنظمات الصناعية والمنظمات التابعة له».
جورج ميني، رئيس الاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (1952 - 1955).
في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023، صوّت مجلس العمال المركزي في أولمبيا، بولاية واشنطن، بالإجماع على قرار يعارض «من حيث المبدأ أي تورّط نقابي في إنتاج أو نقل الأسلحة الموجّهة لإسرائيل»، ويحثّ الاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (أكبر نقابة أميركية)، على دعم «وقف فوري لإطلاق النار في غزة». كان ذلك استجابة لنداء أطلقه ائتلاف من النقابات الفلسطينية، عقب 7 تشرين الأول/أكتوبر، يدعو نقابات العمّال في جميع أنحاء العالم إلى رفض تصنيع أو نقل الأسلحة والمعدات إلى الكيان الإسرائيلي. وقد استجابت له نقابات كثيرة حول العالم، لا سيما في بلجيكا وإسبانيا والهند وتركيا وأستراليا. لكن القرار الذي اتخذته النقابة الفرعية في أولمبيا لم يعجب القيادة النقابية العليا، فبعد 5 أيام، أعلن ممثل قيادة اتحاد العمل أن القرار «باطل ولاغٍ» لأنه يخالف السياسة الرسمية للاتحاد الوطني. وسارعت رئيسة الاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية، ليز شولر، بإصدار مذكرة تؤكد فيها أن «الاتحاد الوطني هو الهيئة الوحيدة التي يمكنها إصدار موقف أو إجراء رسمي بشأن القضايا الوطنية أو الدولية»، وهو ما كان بمثابة توبيخ للهيئات المحلية لمنعها من التضامن مع فلسطين. وعلى الرغم من دعوة الكثير من النقابات الفرعية والقطاعية مثل عمال البريد ومصانع السيارات إلى اتخاذ موقف من حرب الإبادة في غزة، رفضت القيادة النقابية العليا أي تفاعلٍ مضادٍ لإسرائيل.
يفتتح جيف شوركي كتابه «لا محايدين هناك: العمال الأميركيون والصهيونية، والنضال من أجل فلسطين» (Haymarket Books 2025)، بهذه المفارقة السياسية للبحث عن جذور الموقف النقابي الأميركي المختلف بشأن فلسطين عن غالبية مواقف النقابات العمالية في العالم. في وسائل الإعلام الرسمية، تسود تحليلات سطحية عن أسباب هذا الموقف منها رغبة النقابات في الحفاظ على علاقة جيدة مع الإدارة الديمقراطية في عهد بايدن، أو الاعتقاد السائد بين بعض قادة النقابات بأن الهجوم الإسرائيلي على غزة كان عملاً مبرراً «للدفاع عن النفس»، والخوف من اتخاذ إجراءات قد تكون غير قانونية بشأن قضية «تبدو بعيدة». لكن السبب الأهم والأعمق لهذا الرفض هو التحالف الذي دام أكثر من 100 عام بين القيادات النقابية الأميركيين والحركة الصهيونية، حيث ساعد المسؤولون النقابيون الأميركيون في بناء «دولة إسرائيل» ودعمها عن طريق التبرّع بمئات الملايين من الدولارات من خزائن النقابات للاستعمار الصهيوني، وممارسة الضغط على المسؤولين الأميركيين لتوفير المساعدات الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل، وفي بعض الأحيان مقاطعة الشحنات الأجنبية للدول العربية التي كانت في حالة مواجهة مع إسرائيل، شأنهم شأن جماعات الضغط الأخرى.
جذور التحالف
يعود شوركي إلى بدايات القرن العشرين للبحث في جذور التحالف بين الحركة الصهيونية والنقابات العمالية الأميركية. في العام 1897، تأسّست المنظمة الصهيونية بهدف إقامة «وطن يحمي الشعب اليهودي». في المقابل، تأسس «البوند» (الاتحاد العمالي اليهودي العام) كمنظمة ثورية اشتراكية، يعارض الصهيونية ويعتبرها «فانتازيا برجوازية تُحيد الصراع الطبقي». في تلك الفترة هاجر الكثير من «البونديين» الراديكاليين إلى الولايات المتحدة، وخلقوا حيوية جديدة للمؤسسات العمالية اليهودية. وعلى الرغم من الرفض البوندي، ظهر تيّار «عمال صهيون»، كحركة حاولت التوفيق بين المعتقدات الاشتراكية والصهيونية. وقد تبنت هذه الحركة شعارات مثل «غزو العمل» و«غزو الأرض»، وكان هدفها إنشاء طبقة عاملة يهودية جديدة في فلسطين تستبعد العمّال العرب الأصليين بشكل منهجي، ما يوفر أساساً مادياً لإقامة دولة يهودية في نهاية المطاف. وفي سبيل ذلك، أسّست تنظيمها العمالي «الهستدروت»، في العام 1920، كمنظمة استيطانية، فضلاً عن نشاطها النقابي، تمتلك شركات صناعية، وشبكات نقل، وبنكاً للعمال، وصندوقاً للرعاية الصحية، وكلها تستثني العمال الفلسطينيين عمداً لتعزيز «العمل العبري». كما تم دمج ميليشيا الهاغانا شبه العسكرية داخلها، وبالتالي، كانت «الهستدروت» بمثابة نواة لدولة يهودية في فلسطين. ولتحقيق مهمتها، احتاجت إلى استثمارات أجنبية ضخمة. وكانت الحركة العمالية الأميركية هدفاً مبكراً لهذا الدعم. كان دعم النقابات الأميركية للصهيونية العمالية يشبه إلى حد كبير حركة «الأرض الحرة» الأميركية في منتصف القرن التاسع عشر، التي رأت في إزالة الأميركيين الأصليين في الغرب الأميركي «صمّام أمان» لتخفيف التوترات الطبقية في المدن الشرقية عن طريق استبدال الصراع الطبقي بالحرب العرقية العنصرية. في العام 1923، شكّل قادة نقابيون أميركيون يهود - مثل ماكس باين وجوزيف شلوسبرغ - «اللجنة العمالية الوطنية من أجل فلسطين»، لجمع الأموال للهستدروت وأنشطتها التعاونية. وفي غضون سنوات قليلة، انتشر الدعم في صفوف الحركة العمالية الأميركية غير اليهودية، حيث أيد رئيس اتحاد العمال الأميركي، ويليام غرين، حملات جمع التبرعات. وبحلول العام 1928، جمعت حملات التبرّع ما مجموعه 400 ألف دولار للهستدروت. وعندما اندلعت ثورة البراق في فلسطين في العام 1929، ندّد قادة النقابات الأميركية بالثورة، التي رأوها كأعمال شغب معادية للسامية، وانتقدوا المقترحات البريطانية لفرض قيود على الهجرة اليهودية.
خلال ذروة الحرب الباردة، عزّزت الحركة العمالية الأميركية علاقتها مع إسرائيل، التي اعتبرتها حليفاً «ديمقراطياً وقوة مضادة للشيوعية»، وتحوّل الاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية إلى «جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل»
لاحقاً في خلال الثلاثينيات والأربعينيات، تطور الدعم النقابي الأميركي للحركة الصهيونية مدفوعاً بالحرب العالمية الثانية وصعود دافيد بن غوريون. في خلال هذه السنوات، تعزّزت قوة الحركة العمالية الأميركية، وخصوصاً تحت قيادة ديفيد دوبينسكي، الذي ابتعد عن الاشتراكية وتبنّى الليبرالية الإصلاحية. نشأ دوبينسكي «بوندياً» معادياً للصهيونية، ثم أصبح متعاطفاً مع المستوطنين اليهود في فلسطين. في الوقت نفسه، صعد دافيد بن غوريون - الصهيوني المتحمّس والمؤسس المشارك للهستدروت - ليصبح الزعيم السياسي الأول للمجتمع اليهودي. كان بن غوريون يرى نفسه «لينين الصهيوني»، مصمماً على إنشاء دولة يهودية، مدركاً أن ذلك سيتطلب الطرد القسري للسكان العرب. في الوقت نفسه شهدت الثلاثينيات تدفقاً كبيراً للاجئين اليهود الأوروبيين الفارين من النظام النازي، ما أدى إلى تفوّق القطاع الاقتصادي اليهودي على القطاع العربي للمرة الأولى. شنت الهستدروت حملة عنصرية لضمان أن الوظائف الجديدة ستذهب لليهود فقط، ونظّمت أعمالاً ميليشياوية لطرد العمال العرب من وظائفهم. رداً على ذلك، اندلعت الثورة العربية الكبرى في العام 1936، وهي إضراب عام استمرّ 6 أشهر نفذه العمّال الفلسطينيون، تلاه ثورة مسلحة للمطالبة بالاستقلال. ومع تصاعد معاداة السامية في أوروبا وتحوّل الاضطهاد النازي إلى مرحلة الإبادة الجماعية (الهولوكوست)، اكتسب المشروع الصهيوني زخماً هائلاً، حيث تبنى الزعماء الصهاينة رؤية أكثر طموحاً في «برنامج بيلتمور» في العام 1942، داعين إلى تحويل فلسطين بأكملها إلى «كومنولث يهودي». وقد ضغطت النقابات الأميركية، وخصوصاً اللجنة العمالية اليهودية الأميركية من أجل فلسطين، في سبيل دعم هذا البرنامج.
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، مارس القادة النقابيون الأميركيون نفوذهم السياسي في الأمم المتحدة لدعم إنشاء دولة يهودية. فقد استجاب الاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية لدعوات الهستدروت لرفع حظر الأسلحة الذي فرضته الولايات المتحدة وبريطانيا. وفي 14 نيسان/أبريل 1948، قبل شهر من إعلان قيام إسرائيل، نظّم 30 ألف عاملاً في نيويورك إضراباً حاشداً للمطالبة بـ«إنشاء دولة يهودية فوراً». عقب النكبة، فرض القادة الصهاينة «إجماعاً قسرياً» على معظم اليهود الأميركيين وحلفائهم مفاده أن الدولة اليهودية ضرورية لبقاء اليهود. وقد حوّلت اللجنة العمالية الوطنية من أجل فلسطين اسمها إلى «اللجنة الوطنية من أجل عمال إسرائيل»، ما يعكس محاولة لمحو اسم وذاكرة فلسطين وشعبها. وحتى المحاولات التي قام بها عمال من أصول عربية في العام 1949، لإقناع رئيسهم، ديفيد دوبينسكي، بتقديم تبرعات للاجئين الفلسطينيين، لم تسفر عن الكثير. فعلى الرغم من أن دوبينسكي استجاب بتقديم مبلغ زهيد قدره 5,000 دولار، بالمقارنة مع الملايين التي قدمتها النقابة للهستدروت، ألقى باللوم على القادة العرب «المعادين والرجعيين» في معاناة الفلسطينيين.
بعد النكبة، وفي خلال ذروة الحرب الباردة، عزّزت الحركة العمالية الأميركية علاقتها مع إسرائيل، التي اعتبرتها حليفاً «ديمقراطياً وقوة مضادة للشيوعية»، وتحوّل الاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية إلى «جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل»، وكان نفوذه أكبر من جماعات الضغط الصهيونية الناشئة مثل إيباك. وبين عامي 1951 و1996، اشترت النقابات الأميركية ما لا يقل عن 19.8 مليون دولار من «سندات دولة إسرائيل»، ووصلت مشتريات النقابات إلى أكثر من مليار دولار بحلول العام 1994. كما قدّمت النقابات الأميركية قروضاً وتبرعات ضخمة للهستدروت، بما في ذلك بناء مرافق حيوية مثل مستشفى سوروكا الطبي في بئر السبع. كما أشاد قادة نقابيون أميركيون، مثل والتر ريثر وجورج ميني، بالهستدروت ووصفوها بأنها نموذج «للاشتراكية الديمقراطية» التي ينبغي أن يحتذي بها العالم الثالث، ما جعل إسرائيل أداة للحرب الباردة ومناهضة الشيوعية. وفي العام 1960، ساعد الاتحاد الأميركي الهستدروت في إنشاء «المعهد الأفرو-آسيوي للدراسات والتعاون العمالي» في تل أبيب، لتدريب قادة نقابيين من آسيا وأفريقيا على غرس «القيم الديمقراطية»، وهو التعبير الذي كان يستعمل للدلالة على مناهضة الشيوعية.
وفي خلال حروب إسرائيل الطويلة مع الدول العربية، وقفت الحركة النقابية الأميركية الرئيسة دائماً في صفها. فعندما شنت إسرائيل هجوماً على مصر في العام 1956، في خلال أزمة السويس، دعمت النقابات الأميركية إسرائيل بقوة، مدعية أن الهجوم كان ىنتيجة مباشرة لسنوات من الاستفزاز من جانب مصر». وفي حرب 1967، أعلن رئيس اتحاد عمال الموانئ الدولي، تيدي جليسون، أن أعضاء نقابته سيرفضون تفريغ أي سفن مصرية أو سورية. كما أصدر الاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية بياناً يدين فيه «المؤامرات السوفياتية»، ويصف عبد الناصر بأنه دمية للاتحاد السوفياتي. وقد أشاد والتر ريثر بـ«دفاع إسرائيل الشجاع والناجح عن النفس». وعقب الحرب، زادت النقابات من دعمها المالي، إذ اشترى الاتحاد الأميركي مليون دولار إضافي من السندات الإسرائيلية.
استعصاء القواعد العمّالية
خلقت حرب فيتنام، وصعود اليسار الجديد، والتحولات العالمية مناخاً جديداً من المقاومة في صفوف القواعد العمالية الأميركية ضد القيادات. فقد شهدت فترة ما بعد حرب فيتنام وحرب 1967 تصاعداً في النقد الموجه إلى الإمبريالية الأميركية، ما أثر على موقف النقابات الأميركية. كان ذلك مدفوعاً بتطور كفاح السود السياسي والثقافي والنقابي. وعلى الرغم من أن القادة السود الأوائل مثل فيليب راندولف وحتى مارتن لوثر كينغ، كانوا متعاطفين تاريخياً مع الصهيونية، إلا أن مجموعات «القوة السوداء»، الناشئة في الستينيات بدأت في إدانة إسرائيل كدولة استعمارية. وقد بلغت التوترات بين العمال الأميركيين وإسرائيل إلى درجة تنظيم إضراب من طرف موظفي «مؤسسة التنمية لإسرائيل» الحكومية التي كانت تبيع السندات الإسرائيلية في أميركا في العام 1971، وبعد فشل المفاوضات، بدأ الكثير من النقابات في سحب تعهداتهم بشراء السندات للضغط على المؤسسة. وقد كان هذا أول استخدام علني للاستثمارات المالية الأميركية كنفوذ ضد ذراع للدولة الصهيونية، لكنه كان يهدف فقط لحل نزاع عمالي داخلي، وليس لدعم الفلسطينيين.
وعلى الرغم من أن الاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية دعم بالإجماع إسرائيل في خلال حرب 1973، كانت الحرب فرصة لبروز أول عمل تضامني كبير من أجل فلسطين في تاريخ النقابات الأميركية. عندما اكتشف العمّال العرب الأميركيون في ديترويت أن النقابة المحلية اشترت سندات إسرائيلية بأكثر من 300 ألف دولار بأموال اشتراكاتهم، شكّلوا «التجمع العمالي العربي». ونظموا إضراباً في مصنع «دودغ مين»، حيث يشكّلون ما يصل إلى 25% من القوة العاملة، ما أدى إلى توقف الإنتاج. وطالبوا النقابة بتصفية السندات. وعلى الرغم من أن قيادة النقابة، ندّدت بالعمّال المتضامنين ودافعت عن السندات، نجح التجمع في إقناع بعض الفروع المحلية ببيع استثماراتها الإسرائيلية. ومع ذلك حافظت قيادة الاتحاد الأميركي للعمل، على دعمٍ قوي لإسرائيل، ظهر بوضوحٍ في خلال اجتياح بيروت في العام 1982، عندما نشرت إعلاناً بصفحة كاملة في جريدة نيويورك تايمز بعنوان مكتوب بأحرف كبيرة: «الاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية ليس محايداً، نحن ندعم إسرائيل». وحتى عندما وقعت مذبحة صبرا وشاتيلا، رفض رئيس الاتحاد، لين كيركلاند، إدانة إسرائيل.
عندما اكتشف العمّال العرب الأميركيون في ديترويت أن النقابة المحلية اشترت سندات إسرائيلية بأكثر من 300 ألف دولار بأموال اشتراكاتهم، شكّلوا «التجمع العمالي العربي». ونظموا إضراباً في مصنع «دودغ مين»، حيث يشكّلون ما يصل إلى 25% من القوة العاملة، ما أدى إلى توقف الإنتاج
لكن بموازاة تصلب القيادة، كانت القواعد العمالية الأميركية تخوض نقاشات جذرية بشأن حدود الدعم لإسرائيل، في مقابل «خيانة المظلومية الفلسطينية». وقد ظهر ذلك بوضوح أكبر في خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993) التي أدّت إلى ظهور تيار تضامن فلسطيني غير مسبوق داخل النقابات الأميركية. صدم القمع العنيف للانتفاضة الرأي العام الأميركي، ما جعل مقارنات بين إسرائيل ونظام الفصل العنصري (الأبارتايد) في جنوب أفريقيا أمراً سائداً في الخطاب العام. كان هذا التوازي مزعجاً بشكل خاص لقيادة النقابات الأميركية، التي انضمت متأخراً إلى حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات من جنوب أفريقيا في العام 1986. وعلى الرغم من أن لين كيركلاند استنكر المقارنة بين إسرائيل وجنوب أفريقيا واصفاً إياها بأنها «افتراء نرفضه ونستاء منه قطعاً»، سمح التنوّع العرقي والثقافي المتزايد داخل الحركة العمالية الأميركية، بعد حركات الحقوق المدنية، بظهور أصوات مؤيدة لفلسطين. فقد شكل النقابيون اليساريون في كاليفورنيا «اللجنة العمالية للشرق الأوسط» بهدف بناء دعم واعٍ داخل الحركة العمالية للشعب الفلسطيني، وكشفت اللجنة عن الروابط بين الهستدروت ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وقد أفرزت هذه الجهود بروز تحالف نقابي واسع ينتقد إسرائيل ويدعو إلى إنهاء الاحتلال.
عمّال من أجل فلسطين
دفعت نهاية أسطورة أوسلو في العام 2000، واندلاع الانتفاضة الثانية التي كانت أكثر دموية وتميزت بالمزيد من العسكرة، وكذلك مناخات ما بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، التي استغلت في خلالها إدارة بوش الابن خطاب «الأمن القومي» لتبرير حروبها في المشرق، إلى ظهور مجموعات عمّالية أكثر جذرية في التضامن مع فلسطين والعمّال الفلسطينيين، أبرزها مجموعة «عمال مدينة نيويورك ضد الحرب»، التي ربطت بين حرب بوش على الإرهاب وزيادة القمع الإسرائيلي على الفلسطينيين، مشيرة إلى أن كلاهما يستخدم «الأمن القومي» لتبرير الاحتلال والعدوان. فضلاً عن انخراط قطاعات عمالية في «حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات» منذ العام 2005، على الرغم مما واجهته الحركة من معارضة شديدة من قيادة النقابات العمالية واللجنة العمالية اليهودية، التي استخدمت تكتيكات دعائية لتشويه سمعتها، مثل ادعاء أن مقاطعة إسرائيل «معاداة للسامية» وتضر بالعمال اليهود والأميريكيين.
لا مجال للحياد في هذه القضية! لقد تحوّلت فلسطين منذ 7 أكتوبر وما تلاه من أهوالٍ، إلى رمزٍ لكل من يؤمن بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وهي المبادئ الأساسية التي حركت الحركة العمالية الدولية تاريخياً
في المقابل، واصلت النقابات الصغيرة المتضامنة مع فلسطين خوض معارك قطاعية، مثل محاولة الفرع المحلي للاتحاد الدولي لموظفي الخدمات في كاليفورنيا التصويت على سحب الاستثمارات من شركة كاتربيلر، التي تبيع جرافات استخدمها الجيش الإسرائيلي لهدم منازل الفلسطينيين وقتل الناشطة راشيل كوري في العام 2003، وعلى الرغم من أن المحاولة لم تنجح بسبب تدخل قيادة الاتحاد الوطنية، إلا أنها أكسبت الفروع المحلية خبرة في مواجهة القيادة. وعلى النقيض من القيادة الوطنية، أظهرت القواعد العمالية في اتحاد عمال الموانئ والمستودعات، تضامناً قوياً مع الشعب الفلسطيني، عندما رفض العمال شحن أو تفريغ السفن الإسرائيلية في أوكلاند في العام 2010 ومرة أخرى في عامي 2014 و2021. كما نجحت الكثير من النقابات المستقلة، مثل عمال الكهرباء المتحدون، وجمعية المدرسين المساعدين في ويسكونسن، وبعض اتحادات المعلمين، في تمرير قرارات لدعم حركة المقاطعة العالمية أو الضغط على القيادة الوطنية لإنهاء الدعم لإسرائيل. وفي أيار/مايو 2021، دفعت انتفاضة حي الشيخ جراح في القدس، والتي تضمنت إضراباً عاماً هائلاً شارك فيه مئات الآلاف من الفلسطينيين، مجلس العمل المركزي في سان فرانسيسكو إلى إصدار قرار لدعم حركة المقاطعة العالمية، لكن رئيسة الاتحاد العمالي الوطني، ليز شولر، تدخلت مرة أخرى، مذكرة المجلس بأن عليه الالتزام بسياسات الاتحاد الوطني المعارضة لحركة مقاطعة إسرائيل، ما أدى إلى إلغاء القرار.
في خاتمة الكتاب يثبت جيف شوركي أنه لا مجال للحياد في هذه القضية! لقد تحوّلت فلسطين منذ 7 أكتوبر وما تلاه من أهوالٍ، إلى رمزٍ لكل من يؤمن بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وهي المبادئ الأساسية التي حركت الحركة العمالية الدولية تاريخياً. وطرح على الحركة العمالية الأميركية السؤال الوجودي: ىفي أي صف أنت؟». ربما تقرر النقابات الأميركية ما إذا كانت ستلتزم بالنمط التقليدي للقيادة المتنفذة، أو تبني نهجاً مختلفاً يؤكد على النضال الطبقي والأممية المناهضة للإمبريالية، كما فعل هاري بريدغز، رئيس اتحاد عمال الموانئ والمستودعات في الثلاثينيات عندما رفض تحميل الخردة إلى اليابان تضامناً مع الصين. لكن الطريق الثاني أكثر طموحاً، حيث التضامن المتنامي مع فلسطين يتزامن مع طفرة في التنظيم العمالي في الولايات المتحدة، وحيث الأجيال الشابة من العمال هم أكثر المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، ما يجبر الحركة العمالية على مواجهة تحالفها الطويل الأمد مع الصهيونية.