معاينة france elections

من يصوّت لليمين؟ ومن يصوّت لليسار؟
الطبقة العاملة في الغرب تزداد تشرذماً

من يصوّت لليمين اليوم؟ ومن يصوّت لليسار؟ ولماذا تزداد الطبقة العاملة تشرذماً؟ لم تعد الإجابة عن هذه الأسئلة تكمن في توزيع الدخل وحده، بل في تحوّلات أعمق أعادت تشكيل العلاقة بين الاقتصاد والديمقراطية نفسها، وفق ما توصّل إليه تقرير «اللامساواة العالمي لعام 2026» الصادر عن مختبر اللامساواة، والذي عمل عليه نحو 37 باحثاً وباحثة بإشراف من لوكاس تشانسيل وريكاردو غوميز كاريرا ورويدا مشرف وتوماس بيكيتي. 

ففي ديمقراطيات الغرب، انهار الاصطفاف الطبقي التقليدي الذي ساد طوال القرن العشرين وكان يضع الفقراء وذوي التعليم المحدود في صف اليسار، وأصحاب الدخل المرتفع والتعليم العالي خلف اليمين. ومع توسّع التعليم وتحوّل البنية الاجتماعية، تباعد الدخل والتعليم بدل أن يتحرّكا معاً، ما أدّى إلى تفكك التحالفات التاريخية للطبقة العاملة وظهور اصطفافات انتخابية هجينة ومعقّدة. وبات من المألوف أن يصوّت أصحاب التعليم العالي على الرغم من دخولهم المتواضعة للأحزاب اليسارية، فيما يتجه ذوو الدخل المرتفع والتعليم المحدود نحو اليمين، في مشهد يعكس تشظي الانقسام الطبقي القديم.

ولا يقتصر هذا التحول على البنية الاجتماعية، بل يظهر بوضوح على خرائط التصويت، حيث اتسعت الفجوة بين المدن الكبرى والبلدات الصغيرة إلى أعلى مستوياتها منذ قرن. فقد أدّى التفاوت في الخدمات العامة وفرص العمل والقدرة على مواجهة صدمات التجارة، إلى تمزيق التماسك الجغرافي الذي كان يسمح ببناء تحالفات وطنية واسعة لإعادة التوزيع. ومع هذا التشقق، باتت الطبقة العاملة موزّعة بين أحزاب متنافرة أو بلا تمثيل فعلي، ما أضعف قدرتها على التأثير السياسي وفتح المجال أمام تصاعد نفوذ رأس المال. 

لا تمثّل هذه التحولات انحرافاً عابراً، بل إعادة هندسة عميقة للصراع السياسي، تتجه فيها الأنظمة الحزبية نحو نماذج «متعدّدة النخب»، يتواجه فيها «يسار متعلّم» و«يمين ميسور»، بينما تتلاشى القوة السياسية للطبقات الدنيا.

وخلاصة هذا المسار واضحة: اللامساواة ليست نتيجة السياسة فحسب، بل شرطها البنيوي. وما لم يُعاد بناء أرضية توافق سياسي عابر للطبقات والمناطق، ستظل الديمقراطية منقسمة، عاجزة عن إنتاج التحالفات الضرورية للحدّ من اللامساواة التي تغذّي هذا الانقسام نفسه.

1. انفصال انقسامات الدخل والتعليم في الديمقراطيات الغربية

يمكن تفسير التمثيل الناقص والمستمر للطبقة العاملة بصعود أنظمة سياسية «متعدّدة النخب»، تهيمن فيها مجموعات نخبوية مختلفة—نخب التعليم العالي ونخب الدخل المرتفع—على معسكرات سياسية متقابلة. وتُظهر بيانات تقرير «اللامساواة العالمي لعام 2026» أن هذا التحوّل تبلور تدريجياً في خلال نصف القرن الماضي في 21 ديمقراطية غربية، عبر انفصال متزايد بين انقسامات الدخل والتعليم، وانقلاب في الانقسام التعليمي، وظهور اصطفافات سياسية جديدة تضع نخباً مختلفة في مواجهة بعضها البعض.

ويُعدّ هذا الانفصال بين الدخل والتعليم، بوصفهما محدّدين للتصويت، أحد أبرز التحوّلات في المشهد السياسي الغربي منذ خمسينيات القرن الماضي. ففي العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، كان الاصطفاف السياسي منظّماً حول محور طبقي مباشر: مال ذوو الدخل والتعليم المنخفضين إلى أحزاب اليسار، بينما اصطف أصحاب الدخل المرتفع والتعليم العالي خلف أحزاب اليمين. غير أن هذا النمط بدأ يتفكك تدريجياً، ثم بشكل حاد، في العقود اللاحقة.

فمن جهة، أصبح التعليم مؤشّراً متزايد القوة على دعم اليسار. منذ تسعينيات القرن الماضي، بات الـ10% الأعلى تعليماً  يميلون إلى الأحزاب اليسارية أكثر من الفئات الأقل تعليماً. ومن جهة أخرى، ظلّ مستوى الدخل مرتبطاً على نحو وثيق بدعم اليمين، إذ لا يزال الـ10% الأعلى دخلاً يفضّلون الأحزاب المحافظة أو اليمينية. ويعكس هذا التباعد نشوء أنظمة حزبية «متعدّدة النخب»، يتقابل فيها «يسار متعلّم» ذو أولويات اجتماعية وثقافية، و«يمين ميسور» تحرّكه مصالح اقتصادية واضحة.

ويرتبط هذا التحوّل البنيوي بتوسّع التعليم وتعقّد البنية المهنية. فالكثير من أصحاب الشهادات العليا ذوي الدخول المتواضعة نسبياً، كالعاملين في التعليم والصحة والقطاع العام، يميلون إلى اليسار، بينما يتجه ذوو التعليم المحدود والدخول المرتفعة نسبياً، كالعاملين لحسابهم الخاص أو في قطاعات النقل، نحو اليمين. ونتيجة لذلك، تحوّلت أحزاب اليسار من تمثيل الطبقة العاملة الصناعية إلى تمثيل شرائح وسطى وعليا متعلّمة، تستقطب «المهنيين الاجتماعيين–الثقافيين» والنخب الحضرية، الذين تتجاوز أولوياتهم قضايا إعادة التوزيع لتشمل المناخ وحقوق الأقليات والمساواة الجندرية. في المقابل، انجذبت الشرائح الأقل تعليماً بصورة متزايدة نحو الأحزاب المحافظة.

وعلى الرغم من هذا التحوّل في الانقسام التعليمي، بقي انقسام الدخل أكثر استقراراً نسبياً، إذ ظلّ الناخبون الأعلى دخلاً يميلون، في الغالب، إلى اليمين. غير أن هذا النمط لم يكن ثابتاً تماماً، إذ تراجع تأثير الدخل في بعض السياقات مع صعود القضايا الثقافية محوراً للتنافس السياسي. وتشكّل الولايات المتحدة مثالاً لافتاً، حيث بات جزء من الفئات الأعلى دخلاً أكثر ميلاً للحزب الديمقراطي، في انعكاس جزئي للاصطفافات التي سادت بعد الحرب، وانتقال نحو تحالف يساري يضم شرائح ذات دخول مرتفعة.

وتكشف هذه التجزئة المتقاطعة بين الدخل والتعليم أن الناخبين يُستقطبون اليوم وفق مسارات متباعدة، ما يعقّد بناء تحالفات سياسية واسعة مؤيّدة لإعادة التوزيع، ويحدّ من القدرة السياسية على مواجهة اللامساواة المتفاقمة.

سياسياً، تعني هذه التحوّلات أن اليسار لم يعد قادراً على بناء تحالف توزيعي عريض كما في السابق. فقاعدته الانتخابية باتت منقسمة بين نخب متعلّمة ذات أولويات ثقافية واجتماعية، وشرائح أقل تعليماً انجذبت إلى اليمين بدوافع اقتصادية وهوياتية. ومع انفصال الدخل عن التعليم، لم يعد هناك محور اجتماعي واحد قادر على توحيد الطبقة العاملة خلف مشروع واضح لإعادة التوزيع. وهكذا، لم تُفضِ هذه التحوّلات إلى إعادة اصطفاف متماسك، بل إلى تفكك سياسي أضعف القدرة على مواجهة اللامساواة، ومهّد لصعود أنظمة حزبية تتواجه فيها نخب مختلفة، فيما تبقى المصالح التوزيعية للطبقات الدنيا بلا حامل سياسي فعّال.

1

2. عودة الانقسامات الإقليمية في الصراع السياسي

إذا كان انفصال الدخل عن التعليم قد فكّك الاصطفافات الاجتماعية التقليدية، فإن أثر هذا التفكك لا يظهر في البنية الاجتماعية وحدها، بل يُعاد إنتاجه مكانياً على خرائط التصويت. فقد عادت الجغرافيا لتفرض نفسها بوصفها أحد المحاور المركزية للصراع السياسي. ولم يعد الاختلاف بين الناخبين مسألة موقعهم في السلم الطبقي فحسب، بل أيضاً موقعهم في المكان: مدينة كبرى أو بلدة صغيرة، مركز مزدهر أو طرف متروك. ويُظهر تقرير «اللامساواة العالمي لعام 2026» كيف تعمّقت هذه الانقسامات الإقليمية في العقود الأخيرة، ولا سيما في فرنسا، مع مؤشرات مشابهة في دول متقدّمة أخرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا.

يتجلّى هذا التحوّل في تجارب معيشية متباعدة. ففي المراكز الحضرية الكبرى، حيث تتوافر فرص العمل المتنوعة، والجامعات، والخدمات العامة، يعيش جزء متزايد من السكان في اقتصاد متصل بالعولمة وقطاعات المعرفة. في المقابل، تواجه البلدات الصغيرة والمناطق الريفية تقلّصاً في الوظائف، وضعفاً في الخدمات العامة، وتعرّضاً أكبر لصدمات التجارة، ما يراكم شعوراً بالتهميش وفقدان السيطرة. ولم تعد هذه الفوارق المكانية خلفية اجتماعية محايدة، بل تحوّلت إلى خطوط انقسام سياسي واضحة.

في فرنسا، وصلت الفجوات السياسية بين المراكز الحضرية الكبرى والبلدات الصغيرة إلى مستويات لم تُشاهد منذ قرن. ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت المدن تميل بقوة نحو اليسار، بينما فضّلت المناطق الريفية الأحزاب المحافظة. وبعد الحرب العالمية الثانية، تراجعت هذه الفجوة مع صعود الانقسام الطبقي كمحور أساسي للصراع السياسي. غير أن هذا التوازن بدأ يتفكك منذ تسعينيات القرن الماضي، مع عودة الجغرافيا إلى الواجهة: إذ باتت المدن الكبرى، باقتصاداتها المتنوّعة ومستويات التعليم المرتفعة، أكثر ميلاً لليسار، في حين انجذبت المناطق الريفية والبلدات الصغيرة بصورة متزايدة نحو اليمين.

ونتيجة لذلك، أصبح الناخبون من الطبقة العاملة منقسمين سياسياً على أساس مكاني. يميل العمّال المقيمون في المدن إلى أحزاب يسارية أو بيئية، بينما يتجه نظراؤهم في الأرياف والبلدات الصغيرة نحو أحزاب محافظة أو هوياتية، أو ينسحبون من العملية السياسية كلياً. وقد أضعف هذا التفتت القدرة الجماعية للطبقة العاملة على التأثير السياسي، وساهم في تعميق اللامساواة.

ويتبلور هذا الانقسام في فرنسا في نظام ثلاثي: كتلة ليبرالية–تقدمية متمركزة بين الناخبين الأعلى دخلاً في المراكز الحضرية الثرية؛ وكتلة اجتماعية–بيئية تستمد دعمها من سكان المدن الشباب والمتنوعين؛ وكتلة وطنية–هوياتية تهيمن على المناطق الريفية والأطراف الحضرية. ويؤدي هذا التوزّع إلى تفتيت الطبقات العاملة، لا على أساس مهني أو طبقي فقط، بل على أساس مكاني أيضاً.

ولا تقتصر تداعيات هذا التحول على الحالة الفرنسية. فالانقسامات الإقليمية، شأنها شأن انفصال الدخل عن التعليم، تعقّد بناء تحالفات وطنية واسعة مؤيّدة لإعادة التوزيع، عبر تقسيم الناخبين العاملين وفق خطوط جغرافية متباعدة. وهكذا، تعود الجغرافيا—التي كانت لفترة طويلة قوة صامتة—لتصبح عنصراً حاسماً في التنافس السياسي، تعيد تشكيل الطريقة التي تُترجم بها اللامساواة الاجتماعية إلى سياسات عامة.

يكشف هذا التحول أن خطاب اليسار لم يعد يُقرأ بالطريقة نفسها عبر الفضاءات الاجتماعية المختلفة. فما يُستقبل في المدن الكبرى بوصفه تقدّماً اجتماعياً أو دفاعاً عن الحقوق، قد يُنظر إليه في البلدات الصغيرة والأرياف كخطاب نخبوي أو منفصل عن التجربة المعيشية اليومية. وبدلاً من أن يعمل الخطاب اليساري كأداة توحيد، بات في كثير من الأحيان عاملاً إضافياً في تعميق الانقسام. ويفتح هذا الفراغ السياسي المجال أمام اليمين—ولا سيما اليمين الشعبوي—لإعادة تأطير السخط الاجتماعي بلغة الهوية والانتماء المكاني، بدلاً من لغة الصراع الطبقي، وتحويل التهميش الجغرافي إلى رأس مال انتخابي. 

3. التمثيل السياسي للطبقة العاملة منخفض وفي تراجع

مع تفكّك القاعدة الاجتماعية لليسار وانقسام الطبقة العاملة مكانياً، لم يبقَ هذا التحوّل محصوراً في أنماط التصويت، بل ترسّخ داخل مؤسسات السلطة نفسها، حيث بات التمثيل البرلماني يعكس مصالح النخب أكثر مما يعكس التركيبة الاجتماعية للناخبين. 

وثمّة مفارقة مركزية في الديمقراطيات الحديثة: فعلى الرغم من أن مبدأ الاقتراع العام يَعِد بصوت سياسي متساوٍ، ظلت الطبقة العاملة ممثلة تمثيلاً ناقصاً باستمرار في مؤسّسات السلطة، وقد تعمّق هذا البعد من اللامساواة في العقود الأخيرة.

توثّق البيانات التي يستعرضها تقرير «اللامساواة العالمي لعام 2026» التراجع طويل الأمد في تمثيل الطبقة العاملة داخل البرلمانات في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. وتبيّن انخفاض نسبة النواب الذين كانت مهنتهم الأخيرة قبل دخول السياسة وظيفة يدوية أو من ذوي الياقات الزرقاء، بالمقارنة مع إجمالي عدد النواب في كل بلد. صحيح أن تمثيل الطبقة العاملة كان منخفضاً دائماً، لكنه تدهور أكثر في خلال العقود الأخيرة.

ويُبرز هذا الانفصال بين التركيبة الاجتماعية للهيئات التشريعية وتلك الخاصّة بالناخبين بُعداً أساسياً من اللامساواة السياسية وهو اتساع فجوة التمثيل الوصفي، إذ يعيد تآكل التمثيل السياسي تشكيل الأولويات السياسية. فالنواب القادمون من أصول طبقية عاملة أكثر ميلاً للدفع نحو إعادة التوزيع وتقوية حقوق العمال وحماية الفئات الضعيفة، فيما يضيّق غيابهم نطاق النقاش في السياسات تاركاً اللامساواة البنيوية من دون معالجة.

وتشير البيانات أيضاً إلى أن تركز تمويل الحملات السياسية بين أصحاب الدخول المرتفعة يعزّز هذه المعادلة، إذ يهيمن أغنى 10% على أغلبية التبرّعات في دول مثل فرنسا وكوريا الجنوبية. إن قوة التأثير المالي للنخب تُعمّق اللامساواة السياسية وتحدّ من أفق السياسات التوزيعية، ما يعني أن الخيارات الاقتصادية لا تُحسم في صناديق الاقتراع وحدها، بل أيضاً عبر شبكات النفوذ المالي.

والنتيجة هي نظام سياسي يوجّه السلطة والموارد نحو قمّة التوزيع، في وقت تتراجع فيه القدرة التمثيلية للغالبية العاملة، ما يهدّد بتحويل الديمقراطيات إلى أنظمة تُدار فيها اللامساواة سياسياً بقدر ما تُنتَج اقتصادياً.

ما يطرحه هذا المسار ليس أزمة تمثيل عابرة، بل مأزقاً سياسياً بنيوياً: كيف يمكن إعادة بناء قوة تمثيلية للطبقة العاملة في سياق تشظّت فيه اجتماعياً، وتباعدت مكانياً، وتراجعت مؤسسياً؟ ومن دون مشروع يعيد وصل العمل والنقابات والتمثيل البرلماني ضمن أفق توزيعي ملموس، يخاطر اليسار بأن يظل محصوراً في تمثيل نخب متعلّمة، بينما يُترك السخط الاجتماعي ليُعاد تنظيمه خارج السياسة التوزيعية، أو ضدّها.

2