صندوق النقد يعرف أنّ الفقراء يدفعون الثمن الأكبر للتضخّم، ومع ذلك يطلب منهم التكيّف
يعترف صندوق النقد الدولي أن أزمات غلاء المعيشة تضرب الأسر الأفقر بصورة أشدّ، وأن المساعدات النقدية قد تعجز عن الوصول إلى جميع المحتاجين، فيما تستمرّ تداعيات ارتفاع الأسعار لسنوات. ومع ذلك، يتمسّك في تقريره الأخير «آفاق الاقتصاد العالمي» بسياساته التقليدية، أي السماح بانتقال ارتفاع أسعار الحاجات الأساسية إلى المستهلكين لدفعهم إلى خفض استهلاكهم، وحصر المساعدات بالفئات الأكثر هشاشة ولفترات مؤقّتة، والتقشف في الإنفاق العام، حتى لو ترك ذلك الأسر تتحمّل جزءاً أكبر من كلفة الأزمات.
يعترف صندوق النقد الدولي بأن أزمات غلاء المعيشة الناتجة من الحروب واضطرابات إمدادات الطاقة والغذاء تصيب الأسر الأفقر بصورة أشدّ، لأنها تنفق الحصّة الأكبر من مداخيلها على حاجات أساسية يصعب الاستغناء عنها.
80% من إنفاق الأسر الفقيرة في البلدان النامية يخصّص للغذاء والنقل والسكن والطاقة.
ومع ذلك، يوصي بالسماح بانتقال ارتفاع الأسعار إلى المستهلكين لدفعهم إلى خفض استهلاكهم، وحصر التدخّلات بتأمين تحويلات نقدية مؤقّتة وموجّهة للفئات الأكثر هشاشة.
الأسعار ترتفع لسنوات والمساعدات تبقى مؤقّتة
يفضّل صندوق النقد الدولي التحويلات النقدية التي تستهدف الأسر الأكثر هشاشة على دعم أسعار الغذاء والطاقة، لكنه يكشف في الوقت نفسه محدودية هذه المقاربة:
فهو يعترف بأن البلدان النامية تفتقر غالباً إلى أنظمة قادرة على تحديد الأسر المحتاجة والوصول إليها.
ويقرّ بأن آثار صدمات الأسعار قد تستمرّ سنوات، إذ تبقى أسعار الحاجات الأساسية أعلى بنحو 7% بالمقارنة مع أسعار السلع والخدمات الأخرى، حتى بعد 3 سنوات من بداية الأزمة.
مع ذلك، يشترط أن تظلّ المساعدات مؤقّتة، وألّا تعوّض الارتفاعات الدائمة في الأسعار، وأن تُحدّد وفق متوسّط خسائر الأسر الفقيرة.
وبذلك، قد تبقى أسر محتاجة خارج الحماية، فيما تتحمّل الأسر المشمولة الفرق بين المساعدة وكلفة معيشتها الفعلية.
حماية الموازنة والأسواق على حساب القدرة الشرائية
يرفض صندوق النقد الدولي الدعم الواسع للأسعار، لأنه يعتبر أن انخفاض الأسعار التي يدفعها المستهلكون يضعف الحافز إلى تقليص الاستهلاك.
لكن الحاجة إلى الغذاء والطاقة والنقل والسكن لا تتراجع تلقائياً مع انخفاض القدرة الشرائية. فعندما ترتفع أسعار هذه الحاجات من دون حماية كافية للمداخيل، تضطر الأسر إلى تقليص الإنفاق عليها، وخصوصاً تلك التي لا تملك ادخارية، حتى لو لم تتراجع حاجتها الفعلية إليها.
هكذا، تصبح الأولوية لتقليص كلفة التدخّل الحكومي والحفاظ على آليات السوق، بينما تتحمّل الأسر التي لا تشملها المساعدات، أو التي لا تكفيها، جزءاً أكبر من كلفة الأزمات.
مكافحة التضخّم عبر كبح الاستهلاك، ولو على حساب الفقراء
تكتمل مقاربة صندوق النقد الدولي بالدعوة إلى استخدام السياسة النقدية لضبط التضخّم، عبر رفع معدّلات الفائدة لكبح التضخم، بدلاً من الاعتماد على التدخّل الواسع لخفض الأسعار.
لكن رفع الفائدة يرفع كلفة الاقتراض، ويضغط على الاستهلاك والاستثمار، وقد يزيد أيضاً كلفة السكن.
يعترف الصندوق بأن الإيجارات ترتفع في المتوسط بنحو 1% إضافية خلال أزمات غلاء المعيشة التي تترافق مع رفع الفائدة، فيما يتحمّل المستأجرون، الذين يتركّزون أكثر بين الفئات الأقل دخلاً، العبء الأكبر. ومع ذلك، يعتبر أن هذه الآثار التوزيعية تقع خارج المهمة الأساسية للمصرف المركزي المتمثّلة في استقرار الأسعار.
تكشف خيارات الصندوق عن أولويات اقتصادية لها نتائج طبقية: يُطلب من الأسر التكيّف مع ارتفاع الأسعار، وتُقيّد الحماية الاجتماعية بكلفة الموازنة، ويصبح كبح الطلب أداة أساسية لمكافحة التضخّم، فيما تغيب عن المقاربة المطروحة مساءلة أوسع لتوزيع الأرباح والثروات.
المصدر: صندوق النقد الدولي، تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، 13/10/2026.