IMF building

كيف يكرِّس صندوق النقد الدولي اللامساواة عبر السياسات الضريبية

شهد خطاب صندوق النقد الدولي خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً ملحوظاً نحو تبنّي لغة «أكثر تقدّمية» فيما يتعلّق بالعدالة الضريبية، بدءاً من الدعوة إلى فرض ضرائب أعلى على الأغنياء في تقرير «الراصد المالي» لعام 2013، وصولاً إلى الانفتاح النسبي على ضرائب الثروة خلال جائحة كوفيد-19. ومع ذلك لم يترجم هذا الخطاب في برامجه وتوصياتها إلى الدول، إذ لا تزال سياساته الفعلية تميل إلى تكريس أنماط ضريبية تراجعية تؤدي إلى تعميق اللامساواة بدلاً من الحدّ منها. 

هذا ما يستخلصه تقرير صادر عن Oxfam بعنوان «Time to Walk the Talk». يفكّك التقرير هذا التناقض من خلال مقارنة ما يقوله الصندوق بما يوصي به فعلياً للدول، عبر تحليل جميع تقارير مشاورات المادة الرابعة الصادرة بين كانون الثاني/يناير 2022 ونيسان/أبريل 2024، وتشمل العيّنة 187 تقريراً تغطّي 125 دولة من مختلف مستويات الدخل (غير خاضعة لبرامج قروض)، وتتضمّن 1,049 إجراءً ضريبياً.

لا يعكس هذا التناقض مجرّد خلل تقني في تصميم السياسات، بل يشير إلى أولوية واضحة تُمنح لتعبئة الإيرادات على حساب العدالة التوزيعية. وفي ظل تفاقم أزمة اللامساواة عالمياً، يصبح هذا التناقض أكثر من مجرد إشكالية نظرية، بل عاملاً فعلياً في إعادة إنتاج التفاوت الذي يدّعي الصندوق معالجته.

1. اتجاه عام نحو الضرائب التراجعية

تكشف تقارير المادة الرابعة أن نصائح صندوق النقد الضريبية تميل في مجملها نحو التراجعية، أي نحو نقل العبء الضريبي بعيداً من الفئات الأكثر ثراءً وعلى حساب بقية المجتمع. فعلى الرغم من أن 41% من التوصيات تتعلّق بضرائب مباشرة على الدخل والثروة، تظل نسبة كبيرة من النصائح موجّهة نحو فرض ضرائب غير مباشرة تقع أعباؤها بشكل غير متناسب على ذوي الدخل المحدود، مثل ضرائب الاستهلاك وضرائب الكربون التي تمثل حوالي 33% من إجمالي النصائح. بالحصيلة لا تزال 28% من التوصيات تصاعدية في مقابل 31% تراجعية. 

1

2. إصلاحات سطّحية بدل تغيير بنيوي

لا يقتصر الأمر على طبيعة الضرائب، بل يمتدّ إلى نمط التدخّل نفسه. يركّز الصندوق بشكل أساسي على تحسين إدارة الأنظمة الضريبية القائمة بدلاً من تغييرها. وتشكّل الإجراءات المؤسّسية نحو 23% من توصياته، تليها ضريبة الدخل الشخصي بنسبة 16%، بينما تشكّل كل من الضرائب البيئية وضريبة القيمة المضافة 14% لكل منهما، وتأتي في المرتبتين الرابعة والخامسة ضريبة دخل الشركات وضريبة الممتلكات، اللتين تمثلان 12% و10% على التوالي من إجمالي النصائح الضريبية. 

أيضاً تتركّز 91% من النصائح على إصلاحات ضمن النظام القائم، لا على إدخال سياسات جديدة أكثر تصاعدية تستهدف إعادة التوزيع ومعالجة اللامساواة.

ويظهر هذا التوجّه بوضوح في الغياب شبه التام للتوصيات المتعلقة بضرائب صافي الثروة، فقد قدّم الصندوق 11 توصية سياسية فقط تتعلق بضرائب صافي الثروة، وهو ما يشكل 1% فقط من إجمالي النصائح، بينما استهدفت 2% فقط ضرائب أرباح رأس المال. ويعكس ذلك استمرار تردّد الصندوق في استهداف صافي الثروة والدخل الخاص بالأفراد الأثرياء، بذريعة أن هذه الضرائب قد تكون مشوهة ولها عائد منخفض. 

2

3. ضرائب جديدة لكن على حساب الفقراء

حتى في الحالات التي يقترح فيها الصندوق إجراءات ضريبية جديدة، فإنها غالباً ما تتركّز في مجالات مثل ضرائب الكربون (41 من أصل 92) وضريبة القيمة المضافة (19 من أصل 92). وهذه الضرائب، بطبيعتها، تفرض عبئاً أكبر على الفئات ذات الدخل المنخفض، ما يجعلها أدوات تراجعية تسهم في تعميق اللامساواة بدل الحدّ منها.

3

4. اللامساواة كفكرة لاحقة

على الرغم من الحضور القوي لخطاب اللامساواة في تقارير الصندوق، يكاد هذا البعد يغيب عن توصياته الفعلية. إذ إن 49 تقريراً فقط من أصل 187 تقريراً للمادة الرابعة تتضمن إشارة صريحة إلى الأثر التوزيعي للسياسات الضريبية.  ويثير هذا الغياب الواضح لإطار اللامساواة فيما يتعلق بالضرائب الشكوك حول مدى جدية صندوق النقد في ترجمة قلقه الخطابي إلى نصائحه الثنائية للدول. وهذا يقود إلى الاستنتاج بأن توصيات الصندوق الضريبية مدفوعة في المقام الأول بالحاجة إلى تعبئة الإيرادات وتنفيذ الضبط المالي، في حين أن الآثار المتعلقة باللامساواة لهذه النصائح إما تأتي كفكرة لاحقة أو كأمر عرضي.

4

5. نظام مزدوج بين الشمال والجنوب

تتعمّق هذه الإشكالية عند النظر إلى توزيع النصائح بحسب مستويات الدخل. تتلقى الدول ذات الدخل المرتفع عموماً توصيات من صندوق النقد تميل نحو الإجراءات التصاعدية، التي تشكل 52% من إجمالي النصائح المقدمة لهذه الدول، في المقابل تميل نصائح الصندوق الضريبية نحو الإجراءات التراجعية بالنسبة إلى الدول ذات الدخل المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث تبلغ 57% من إجمالي النصائح للفئة الأخيرة و59% للفئة الأولى.

ويعني هذا الطابع التراجعي للنصائح الضريبية للدول في الجنوب العالمي أن معظم الإجراءات التي ينصح بها صندوق النقد من المرجح أن تزيد من اللامساواة في هذه البلدان، من خلال تحميل الجزء الأكبر من العبء الضريبي على ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، مع ترك الأكثر ثراءً دون تأثر.

5

6. تجاهل أكبر حيث الحاجة أكبر

والمفارقة أن هذا التوجه يترافق مع تراجع واضح في الاهتمام بقضايا اللامساواة في الدول الأكثر حاجة إليها. فبينما تتضمن 34% من تقارير الدول الغنية نقاشاً حول اللامساواة، تنحصر النسبة بنحو 25% فقط من تقارير الشريحة العليا من الدول المتوسطة الدخل، وتنخفض هذه النسبة إلى 8% فقط في الدول المنخفضة الدخل، على الرغم من أن مستويات التفاوت فيها أعلى.

ويصبح هذا الانحياز الواضح أكثر إثارة للاستغراب بالنظر إلى أن أزمة اللامساواة أكثر حدة في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل.

6

7. أبعاد مهمّشة: الجندر مثالاً

يمتد هذا القصور ليشمل أبعاداً أخرى من اللامساواة، مثل اللامساواة بين الجنسين، التي نادراً ما تحضر في التوصيات الضريبية، وغالباً بشكل سطحي لا يمس البنية الضريبية نفسها. والدليل أن 10% فقط من تقارير المادة الرابعة تتناول هذا الأمر، وفي معظم الحالات، يقتصر هذا التناول على بضع جمل، على الرغم من أن استراتيجية تعميم مراعاة النوع الاجتماعي لصندوق النقد قد تمت الموافقة عليها من قبل المجلس في تموز/يوليو 2022.

وتقتصر الإشارات المتعلقة بالنوع الاجتماعي في تقارير المادة الرابعة على موازنة النوع الاجتماعي والجهود المبذولة لزيادة مشاركة النساء في سوق العمل. وبالتالي، تركز على الحوافز الضريبية للنساء في سوق العمل، والاعتمادات الضريبية لرعاية الأطفال وتقليل أو إلغاء العقوبة الضريبية على صاحب الدخل الثاني. وهذا قد يشير إلى أن صندوق النقد الدولي لم يدرك بعد أن فرض ضرائب تصاعدية على الدخل والثروة هو أيضاً عنصر أساسي لمعالجة اللامساواة بين الجنسين.

7

    ڤيڤيان عقيقي

    مديرة التحرير التنفيذية لـ«صفر».