عين على الصندوق
حكومة صندوق النقد الدولي ونوّابه
لفَتَت الانتباه ردود فعل عدد من النواب، ولا سيما «التغييريين» منهم، إلى جانب بعض الخبراء الاقتصاديين، على الخطوات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة برفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، وفرض رسم على صفيحة البنزين بقيمة 300 ألف ليرة، بهدف تمويل رفع معاشات موظفي القطاع العام.
المفارقة أنّ الأصوات نفسها التي ارتفعت اليوم اعتراضاً على هذه الإجراءات، هي نفسها التي روّجت، ولا تزال، للاتفاق على برنامج مشروط مع صندوق النقد الدولي بوصفه المخلّص للبنان. وقد سعت هذه الجهات إلى إقناع اللبنانيين بأنّ الصندوق يقف على يسار الحكومات اللبنانية المتعاقبة، مركّزة في خطابها على ما يُعرف بالشروط المُسبقة للإقراض، كإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتعديل قوانين السرّية المصرفية، وغيرها من الإجراءات.
هذا التصور ينطوي على مقاربة تبسيطية لبنية المجتمع، إذ يُختزل إلى فئتين فقط: فقراء وغير فقراء، وكأن لا وجود لأغنياء. وبهذا المعنى، يُعتبر كل شيء «على ما يرام» طالما أن الفقراء لم يزدادوا فقراً
غير أنّ هذا الخطاب أغفل عمداً أو ربّما سهواً ما بعد توقيع أي اتفاق محتمل مع الصندوق من التزامات وشروط لاحقة، وكأنها غير قائمة أو بلا تبعات اجتماعية واقتصادية. واليوم، تعود هذه الأطراف نفسها لتعارض إجراءات الحكومة الأخيرة تحت عنوان الدفاع عن الفئات الشعبية، متناسية، أو ربّما متجاهلة، أنّ خطوات حكومة نواف سلام تنسجم في جوهرها مع التوجّهات التي غالباً ما يتضمّنها أي برنامج مرتقب مع صندوق النقد الدولي.
في نيسان/أبريل 2022، نُشرت «مذكّرة السياسات الاقتصادية والمالية للبنان»، وهي الوثيقة التي تحدّد الالتزامات التي يفترض أن ينفّذها لبنان بعد توقيع أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي، والتي على أساسها تُصرَف دفعات القروض. وقد تضمّنت المذكّرة تعهّداً برفع الضريبة على القيمة المضافة تدرّجياً من 11% إلى 15% في خلال عامين، ضمن حزمة إجراءات ضريبية أخرى لم تشمل زيادات على ضريبة الدخل أو الأرباح أو الثروة. ويعني ذلك عملياً تعزيز اعتماد النظام الضريبي على الضرائب غير المباشرة، أي تلك التي تُجبى من الاستهلاك، ما يحمّل الطبقات المتوسطة والفقيرة العبء الأكبر، في مقابل غياب إجراءات تمسّ المداخيل المرتفعة أو الثروات الكبيرة.
صحيح أن أي برنامج مرتقب لن يكون بالضرورة نسخة مطابقة عن تلك المذكّرة، لا سيما أن بعثة الصندوق التي غادرت مؤخراً أشارت إلى ضرورة تحديث ضريبة الدخل، إلا أنّه من شبه المؤكّد أنّ تبقى زيادة الضريبة على القيمة المضافة في صلب أي التزام مالي مستقبلي.
أمّا في ما يتعلق بتسعيرة البنزين، فقد دعا الصندوق مراراً إلى تعديلها بما يتلاءم مع معدلات التضخّم وانهيار سعر الصرف. كما يشجّع عادةً إجراءات من هذا النوع، كرفع الضريبة على القيمة المضافة أو زيادة الرسوم على البنزين والمازوت، نظراً لسهولة تطبيقها وسرعة جبايتها، مقارنة بإصلاحات أكثر تعقيداً كإعادة هيكلة النظام الضريبي باتجاه تصاعدي.
وفي كثير من الأحيان، تُقدَّم هذه السياسات المالية ذات الطابع التنازلي، أي التي تصيب الفئات الأقل دخلاً أولاً، تحت عناوين بيئية، كترشيد الدعم أو مكافحة التغيّر المناخي، عبر رفع تعرفة الكهرباء أو زيادة أسعار المحروقات بحجة تقليص الأنشطة الملوّثة. غير أنّ أثرها الاجتماعي يبقى موضع جدل.
لنعد إلى رئيس الحكومة وتصريحاته المدافعة عن هذه الإجراءات. يذهب نواف سلام أوّلاً إلى اعتبار أنّ الضريبة على القيمة المضافة ذات مفعول «تصاعدي»، بحجّة أنّ الأغنياء يستهلكون أكثر، وبالتالي يدفعون أكثر. ثم يردّ على الاتهامات بتحميل الفئات الفقيرة كلفة الزيادات، بالتأكيد أنّ هذه الفئات تستفيد من برنامج «أمان» الداعم للأسر الأكثر فقراً.
يكاد هذا المنطق يطابق حرفياً الخطاب الذي يعتمده مسؤولو صندوق النقد الدولي في الدفاع عن السياسات التي يفرضونها حول العالم. إذ يرفض الصندوق توصيف الضريبة على القيمة المضافة كضريبة تنازلية، أي كضريبة تتحمّل عبئها النسبي الطبقات المتوسطة والفقيرة أكثر من الأثرياء، ويزعم أنها قد تكون «محايدة» أو حتى «تصاعدية» إذا ما نُظر إليها ضمن الإطار المالي الأشمل، أي وفق كيفية استخدام إيراداتها، ولا سيّما في تمويل شبكات الأمان الاجتماعي الموجّهة إلى الفئات الأكثر فقراً.
وفق هذا المنظور، تصبح الحصيلة النهائية إما إيجابية أو حيادية: فالفقراء يتلقّون دعماً نقدياً يعوّضهم عن أثر السياسات التقشّفية، مثل رفع الضريبة على القيمة المضافة، ما يحول دون تدهور أوضاعهم المعيشية. غير أنّ هذا التصور ينطوي على مقاربة تبسيطية لبنية المجتمع، إذ يُختزل إلى فئتين فقط: فقراء وغير فقراء، وكأن لا وجود لأغنياء. وبهذا المعنى، يُعتبر كل شيء «على ما يرام» طالما أن الفقراء لم يزدادوا فقراً، أو تحسّنت أوضاعهم قليلاً، بغض النظر عمّا إذا كانت الطبقات الوسطى تتآكل، أو ما إذا كان الأثرياء يحقّقون مكاسب كبيرة في ظل النظام نفسه.
في هذا السياق، يبدو أنّ الحكومة ورئيسها يتبنّيان المقاربة ذاتها: قراءة المجتمع من زاوية الحدّ الأدنى للفقر، لا من زاوية العدالة الضريبية وإعادة توزيع الدخل والثروة.
خطوات حكومة نواف سلام تنسجم في جوهرها مع التوجّهات التي غالباً ما يتضمّنها أي برنامج مرتقب مع صندوق النقد الدولي
لكن ينبغي التشديد على أنّ هذه الإجراءات ليست طارئة ولا مستغربة إذا ما أُخذ في الاعتبار أنّ إحدى المهمّات الأساسية لهذه الحكومة هي التوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. ففي حال إبرام الاتفاق، يصبح من الطبيعي توقّع سياسات من هذا النوع، سواء لجهة توسيع قاعدة الضرائب غير المباشرة أو تعديل أسعار السلع الأساسية والخدمات.
من هنا، فإنّ الاعتراض على هذه الخطوات بمعزل عن سياقها الأوسع يبدو انتقائياً. فنواب «التغيير» وبعض الخبراء الذين لم ينفكّوا عن الترويج لفكرة الصندوق «اليساري»، مدعوين أيضاً إلى مصارحة الرأي العام بأنّ الاتفاق مع صندوق النقد لا يقتصر على الشروط المسبقة المرتبطة بإعادة هيكلة المصارف أو إصلاح مصرف لبنان. بل إنّ جوهر أي برنامج مع الصندوق يمتدّ إلى السياسات المالية والضريبية والإنفاقية التي ستُعتمد لاحقاً، والتي تمسّ مباشرة بنية النظام الاقتصادي والاجتماعي.
يمكن النظر إلى الإجراءات الأخيرة، على ما تنطوي عليه من كلفة اجتماعية، بوصفها نموذجاً أولياً لما قد يحمله أي اتفاق مرتقب مع الصندوق. وإذا كان النقاش جدّياً حول خيارات الخروج من الأزمة، فيفترض أنّ يكون شاملاً وصريحاً، لا أنّ يُختزل في عناوين تقنية حول القطاع المصرفي، فيما تُترك تبعات السياسات المالية اللاحقة خارج دائرة النقاش العام.