معاينة أكره رأس السنة

أكره رأس السنة

نُشر هذا النص للمرّة الأولى في 1 كانون الثاني/يناير 1916، في صحيفة Avanti! الإيطالية الاشتراكية، طبعة تورينو، ضمن عمود «Sotto la Mole»، وتُرجِمه ألبرتو توسكانو إلى الإنكليزية ونُشِر في ViewPoint Magazine في الأول من كانون الثاني/يناير 2015.

 

كلّ صباح، حين أنهض من جديد تحت قبّة السماء، يخيّل إليّ أنّه يومُ رأسِ السنة.

لذلك يشتد نفوري من «رؤوس الأعوام» هذه التي تُلقى علينا كاستحقاقاتٍ ثابتة، تصيّر الحياة والروح الإنسانية كيانا تجارياً، بحساب ختامي، وميزانية، وموازنة لإدارة مقبلة. تسلب إحساسنا بالاستمرارية. ثم نتوهّم أنّ بين عام وآخر انقطاعاً، وأنّ تاريخاً مستجداً يبدأ. نعقِد العزم، ثمّ نندم على تردّدنا، ثم يستمرّ الأمر على هذا النحو إلى ما لا نهاية. هذه، في الغالب، عِلّةُ التواريخ.

يزعمون أنّ التسلسل الزمني عصبُ التاريخ. لا بأس. لكن لا مفرّ من الاعتراف أيضاً بأن ثمة أربعة أو خمسة تواريخ كبرى تبقى مغروسة في رأس كلّ إنسان محترم، وقد نصبت للتاريخ مكائدَ رديئة. هي بدورها رؤوس أعوام، للتاريخ الروماني أو العصور الوسطى أو العصر الحديث.

تغدو هذه التواريخ متطفّلة ومتحجّرة، حتى نُفاجأ بأنفسنا أحياناً عندما نفكّر أنّ الحياة في إيطاليا بدأت في العام 752، وأنّ 1490 أو 1192 جبال اجتازتها الإنسانية في لحظة لتجد نفسها في عالم آخر. هكذا يصير التاريخ المعيّن عقبةً، حاجزاً يصدّنا، يحجب عنا رؤية التاريخ وهو ينساب على المسار الأساسي نفسه، ثابتاً لا يتغيّر، بلا انقطاعات مباغتة، مثل تمزّق شريط السينما وفاصل الضوء المُبهِر.

من هنا كرِهتُ رأس السنة. أريد أن يبدأ عامي كلَّ صباح. كلّ يوم أريد أن أُصارح نفسي، وأن أبعثها من جديد. لا يومَ للراحة مُرتَّباً من قبل. أختار وقفاتِي بيدي، حين تُسكرني الحياة في شدّتها، أُطلق العِنان لحيوانيّتي وأغوص فيها، لأعود منها بقوّةٍ جديدة.

لا روحٌ تُختم وتُوقّع. أريد لكلّ ساعة أن تتجدّد، وهي تُحكِم الخيط بينها وبين ما انقضى. لا يوم ابتهاج بقوافٍ جماعية إلزامية، يُقتسَم مع غرباء لا يعنونني. لأن أجداد أجدادنا، من جيلٍ إلى جيل، احتفلوا، ينبغي أن تُساورَنا رغبةُ الاحتفال. هذا يبعث على الغثيان.

أترقّب الاشتراكية لهذا أيضاً، لأنها سوف تقذف هذه التواريخ في سلة النفايات، التي لم يعد لها أيّ صدى في أرواحنا، وإذا ابتدعت تواريخ جديدة فستكون على الأقل تواريخنا نحن، لا تلك التي نُرغم على قبولها عن أسلافنا شديدي الحماقة من غير أيّ اعتراض.