الامتياز الباهظ للدول الغنية: كيف يسرق النظام المالي الدولي موارد الفقراء؟
كل عام، ينتقل ما يقارب 1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من دول الجنوب الفقيرة إلى دول الشمال الغنية على شكل فوائد على ديون وأرباح على الأصول المستثمرة بحسب تقرير اللامساواة العالمي لعام 2026. قد يبدو الرقم صغيراً، لكن يعادل 3 أضعاف ما تقدّمه الدول الغنية من مساعدات دولية. وبكلمات أبسط: في مقابل كل دولار «مساعدة» يصل إلى الجنوب، يخرج منه 3 دولارات نحو الشمال على شكل أرباح وفوائد. هذه التدفقات ليست حادثة عابرة، إنها جزء من هندسة مالية عالمية صُمّمت لتوليد اللامساواة وتجذريها.
تكشف بيانات Nievas & Piketty 2025 الممتدّة على 200 عام أن الاختلالات العالمية في الدخل والتجارة ليست حدثاً عابراً، بل مكوّناً بنيوياً في النظام الاقتصادي العالمي منذ القرن التاسع عشر. فقد استطاعت أوروبا آنذاك تحقيق تدفقات دخل أجنبية إيجابية بشكل مستمر، على الرغم من عجزها التجاري الدائم، وقد بلغت هذه التدفقات نحو 1.5% من الناتج العالمي عشية الحرب العالمية الأولى. حقّقت أوروبا ذلك لأنها كانت تمتلك أصولاً خارجية ضخمة، معظمها في المستعمرات، تقدّر قيمتها بنحو ثلث الناتج العالمي، ما سمح لها بتحويل العجز التجاري إلى فائض دخل عبر العوائد المستخرجة من الخارج.
واللافت أن هذه الديناميكية لم تتوقّف، بل أعيد إنتاجها اليوم بأدوات مالية لا استعمارية مباشرة. إذ تظهر البيانات أن أميركا الشمالية وأوقيانوسيا تمتلكان حالياً وضعية صافية سلبية كبيرة في الأصول الأجنبية، أي إن الأجانب يمتلكون أصولاً فيهما أكثر مما تمتلكه هاتين المنطقتين في الخارج. وفيما تسجّل هاتان المنطقتان عجزاً تجارياً مستمراً، تحققان دخلاً أجنبياً صافياً إيجابياً عاماً بعد عام. والسبب، هو العوائد الفائضة التي تجنيها على أصولها الخارجية؛ إذ تكسب الولايات المتحدة وأوقيانوسيا أرباحاً على أصولها الخارجية أعلى بكثير مما تدفعانه على خصومهما، ما يسمح لهما بالعيش مع ديون وعجز تجاري من دون خسارة صافي الدخل.
باختصار، إنها إعادة إنتاج حديثة لمنطق الحقبة الاستعمارية: ربحٌ ناتج من الامتياز البنيوي، لا من التوازنات الاقتصادية.
1. كم تحقّق الدول الغنية أرباحاً من الدول الفقيرة؟
منذ منتصف القرن العشرين، زاد النظام النقدي الدولي عدم المساواة بتصميمه. ففي جوهره يوجد عدم تماثل بنيوي: تتمتع قلة من الدول المميّزة بقدرة على الاقتراض بتكلفة منخفضة والاستثمار في أصول تحقق عوائد أعلى، ما يضمن لها تدفقات من الدخل. وقد وُصفت هذه الميزة للمرة الأولى في الستينيات باسم «الامتياز المُفرط» للولايات المتّحدة، إذ سمح لها دورها كجهة مُصدِّرة للعملة الاحتياطية الرئيسة في العالم بأن تدفع على التزاماتها أقل مما تكسبه من الخارج. وما بدأ كميزة خاصة بالولايات المتحدة أصبح لاحقاً امتيازاً بنيوياً للعالم الغني. فاليوم، تتمتع أوروبا واليابان واقتصادات متقدمة أخرى بالمزايا نفسها، بينما تواجه الدول الفقيرة العبء المعاكس بدفع فوائد أعلى على ديونها، وامتلاك أصول تحقق عوائد ضعيفة، ونقل جزء من دخلها إلى الخارج كل عام. ما جعل الدول الغنية عبارة عن ريعيات عالمية تستخرج الموارد بشكل منهجي من بقية العالم.
تسجّل اليابان اليوم أكبر الفوائد من هذا النظام المختل، بما يقارب 6% من ناتجها المحلي الإجمالي، وتحقّق الولايات المتحدة نحو 2%، بينما تتمتع منطقة اليورو بميزان إيجابي يبلغ حوالي 1% من ناتجها المحلي. وعلى النقيض، تبقى الاقتصادات الناشئة في وضع غير مواتٍ، إذ تسجّل دول البريكس والصين عوائد سلبية باستمرار بمتوسط 2% من الناتج المحلي الإجمالي، و3% لروسيا.
وعند تجميع الدول حسب الدخل، نجد أن أغنى 20% من دول العالم، التي تضم خُمس سكانه، هي وحدها التي تسجّل عوائد فائضة إيجابية، تعادل حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. بينما سجّل باقي العالم عجزاً يتراوح بين 1% و3% في خلال العقد الماضي. وإقليمياً، تبرز أميركا الشمالية وأوقيانوسيا، وشرق آسيا (باستثناء الصين)، وأوروبا كرابحين رئيسيين، فيما يخسر كلّ من أميركا اللاتينية، وأفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب آسيا وجنوب شرقها، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وروسيا وآسيا الوسطى، والصين.
2. كيف يمتصّ الشمال ثروات الجنوب من دون استعمار مباشر؟
يعود سبب استمرار الامتياز المفرط واتساعه إلى كون النظام المالي والنقدي العالمي مصمّم عمداً لخدمة الاقتصادات المتقدّمة. فدورها كجهات إصدار للعملات الاحتياطية، وتركيب محافظها الخارجية، وفوارق التكلفة بين الأصول والخصوم تؤدي مجتمعة إلى جعلها ريعيات مالية عالمية.
هيمنة العملات، الأساس الأول للامتياز. في خلال العقود الماضية، بقي الدولار الأميركي العملة الرئيسة لإصدار الفواتير التجارية، وتسعير الأصول المالية، واحتياطيات البنوك المركزية. وأصبح اليورو أيضاً لاعباً كبيراً، وإن بدرجة أقل، منذ إنشائه. أما باقي العملات، فتؤدي دوراً هامشياً. وتضمن هذه اللامساواة المؤسسية استمرار الطلب على الأصول المقوّمة بالدولار واليورو، ما يجعل تكاليف الاقتراض منخفضة باستمرار بالنسبة للولايات المتحدة ومنطقة اليورو، فيما تكون الاقتصادات الأخرى أكثر تعرضاً للديون المقوّمة بعملات أجنبية وتقلبات أسعار الصرف.
عدم التماثل في المحافظ عبر الحدود. تمتلك الدول الغنية أصولاً عالية العوائد مثل الأسهم والاستثمار الأجنبي المباشر، بينما تكون خصومها في شكل ديون منخفضة التكلفة. وفي المقابل، تحتفظ الدول الفقيرة بحصص كبيرة من الاحتياطيات الآمنة ولكن منخفضة العوائد، بينما تكون خصومها في شكل ديون مرتفعة التكلفة واستثمارات أجنبية مباشرة داخلة. ما يعني أنه حتى عندما تدّخر الدول الفقيرة وتكدّس أصولاً أجنبية، فإن هذه الأصول تُنتج عائداً قليلاً، بينما تبقى خصومها باهظة التكلفة.
عوائد أعلى على أصول الأغنياء وتكاليف أعلى على ديون الفقراء. تكسب أغنى 20% من الدول بشكل مستمر عوائد أعلى على أصولها في الخارج وتدفع أقل على خصومها. وفي خلال نصف القرن الماضي، انخفضت العوائد على الأصول للجميع، لكن الانخفاض كان أشد في الدول الفقيرة. والأهم هو أن تكلفة الخصوم بقيت مرتفعة أو حتى ارتفعت لهذه الدول. وحدها أغنى 20% شهدت انخفاضاً كبيراً في تكاليف الخصوم. والنتيجة هي تفوق بنيوي للدول الغنية نظراً لأنها «تُحاسَب أقل» على ما تدين به.
هذه الأنماط ليست نتيجة عرضية لقوى السوق بل ناتجة عن هيمنة سياسية ومؤسسية. فالمعايير التنظيمية مثل بازل 3 تزيد الطلب على الأصول «الآمنة»، ما يرسّخ دور سندات الخزانة الأميركية والسندات السيادية الأوروبية. وتساهم وكالات التصنيف، التي تقع غالباً في الاقتصادات المتقدمة، في تعزيز تصور الأمان لديون الدول الغنية والمخاطر لدول الجنوب. كما تكدّس البنوك المركزية في كل أنحاء العالم الاحتياطيات بالدولار واليورو، ما يُعمّق هذا النظام. والنتيجة الأعمق هي أن الاقتصادات الغنية لا تستفيد من الامتياز وحسب، بل تشكلّه وتحافظ عليه عبر التحكم في العملات والقواعد والمؤسسات في قلب التمويل العالمي.
كيف يترجم ذلك؟ عقبات بنيوية أمام تقليص عدم المساواة بين الدول
لا تقتصر الاختلالات المالية الموثقة على كونها اختلالات تقنية، بل تُترجم مباشرة إلى عقبات أمام التنمية. تنقل الدول الفقيرة مواردها باستمرار إلى الدول الغنية، ما يحدّ من قدرتها المالية ومن إمكانات نموها على المدى الطويل. تخصص الـ80% الأفقر من الدول جزءاً كبيراً من ناتجها المحلي الإجمالي لتدفقات دخل خارجة صافية، وهي في الواقع تكلفة تمويل امتياز الدول الـ20% الأغنى.
يبلغ متوسط هذه التدفقات نحو 2% إلى 3% من الناتج سنوياً، وهي موارد يمكن استثمارها في المدارس أو المستشفيات أو البنى التحتية. علماً أن التكلفة ثقيلة بشكل خاص على المناطق منخفضة الدخل، حيث يتجاوز تمويل هذا «الامتياز» في بعض الحالات ميزانيات الصحة.
الخلاصة واضحة: يعمّق النظام المالي الحالي عدم المساواة العالمية عن قصد. وفي نواحٍ عديدة، تعمل هذه التحويلات كصيغة حديثة للتبادل غير المتكافئ، ربما أقل وضوحاً من الاستخراج الاستعماري، لكنها لا تقل تقييداً لمسارات التنمية في الدول الفقيرة.