الأعياد كمواسم تجارية كبرى
الطفل الذي ينتظر هدية ليشعر بقيمته، والأهل الذين يُقاس كرمهم بحجم الإنفاق في الأعياد والمناسبات، ليسوا مجرد مستهلكين تُقاس مكانتهم الاجتماعية بقدراتهم الشرائية، بل هم/نحن ضحايا منطق «السوق» المهيمن، الذي جعل المشاعر تُختزَل في سلع تخضع لسلاسل إنتاج عالمية، وتسوّق كعلامات تجارية، وتحوّل الطقوس والعادات الاجتماعية إلى مواسم استهلاكية، يصمّمها التجّار سعياً وراء الربح لا السعادة.
هكذا، أصبح المجتمع نفسه مكمّلًا للسوق لا العكس، وبات العيد محكوماً بأخلاق المنفعة لا الفضيلة. وعلى الرغم من أن فترة عيدي الميلاد ورأس السنة تمثّل ذروة هذا التحوّل في زمن الرأسمالية، إلا أن الأمر يشمل جميع الأعياد والمناسبات، فكما خلقت السوق سلعاً تبادلية خاصة بهذين العيدين، كالشجرة والزينة وملابس بابا نويل وحبش العيد والبوش دي نويل وسوى ذلك من سلع آتية من ثقافات أميركية وأوروبية، كذلك الأمر في رمضان، شهر الصيام، وعيدي الفطر والأضحى، وغير ذلك من مواسم دينية أو طائفية أو اجتماعية أو وطنية أو خاصّة وشخصية.
في هذا التقرير، نحاول أن نبحث في البيانات المتاحة عن تقديرات لحجم وقيمة هذه السوق المعولمة، وكيف تحوّلت عادات بسيطة ارتبطت بالعيد، كانت مقتصرة على ثياب جديدة للأطفال ونزهات عائلية ومراجيح وهدايا رمزية وحلويات تقليدية وزيارات معايدة، إلى أسواق ربحية ضخمة، مدعومة بالدعاية والإعلان والإعلام والعولمة الثقافية، وتمثّل سلوكيات الأغنياء والمشاهير، بما يفوق قدرة أكثرية الناس على مواكبتها وتقليدها، ما خلق تفاوتاً طبقياً شاسعاً تخفيه مظاهر البهرجة والفخامة.
عيد الميلاد ورأس السنة: ذروة المواسم الاستهلاكية
تمثّل فترة عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية، بين الأسبوع الأخير من تشرين الثاني/نوفمبر والأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير، ذروة المواسم التجارية، إذ يدخل العالم في ما يُعرف بموسم العطلات الشتوية: مدارس وجامعات تُقفل، أعمال مكتبية تتباطأ، عائلات تجتمع، وملايين المهاجرين يحاولون قضاء الأعياد «في البيت».
لكن خلف هذه الصورة الدافئة، تتحرّك ماكينة إنفاق هائلة. زينة، ملابس، هدايا، ألعاب، طعام، حلويات، ضيافة، حفلات، مطاعم، فنادق، سفر ورحلات… كل شيء يصبح جزءاً من موجة واحدة عارمة. وكل احتفاء في العيد، مهما كان بسيطاً أو متواضعاً، يُعبّر عنه بسلعة تُصنّع مكوّناتها من قبل ملايين العمّال والعاملات المُستغلين في آلاف المصانع في بلدان عدّة متباعدة جغرافياً وثقافياً.
لا تتوافر بيانات عالمية شاملة عن حجم الإنفاق في هذه الفترة، نظراً لتعدد تصنيفات الإنفاق وتداخلها. لكن استطلاع لشركة Deloitte لإنفاق الأسر في الولايات المتحدة – وهي أكبر سوق استهلاكية في العالم ومؤشراً على إنفاق الأسر في بقية هذا العالم – يقدّر متوسط الإنفاق الإضافي للأسرة خلال موسم الأعياد في هذا العام بنحو 1595 دولاراً. يشمل هذا المبلغ الهدايا والطعام الاحتفالي والزينة والمطاعم، وأحياناً سفراً داخلياً. ويعني «الإنفاق الإضافي» الأموال التي تضطر الأسرة إلى إنفاقها بمناسبة العيد أو العطلة فوق إنفاقها المعتاد.
غير أن هذا «المتوسط» يخفي أكثر مما يكشف. فهو لا يمثّل سوى أقل من 15% من أسر العالم، وهي الفئة المسؤولة وحدها عن أكثر من 55% من إنفاق الأعياد عالمياً. في حين ينخفض متوسط الإنفاق الإضافي في الاقتصادات متوسطة الدخل إلى ما بين 250 و700 دولار، وفي الاقتصادات منخفضة الدخل إلى ما بين 20 و120 دولاراً. وهنا تكمن خدعة المتوسطات: عندما نقول إن الأسرة تنفق 500 دولار إضافية في العيد، فهذا يعني في الواقع أن هناك من سينام في ليلة العيد بلا عشاء، في مقابل آخر سينفق آلاف الدولارات على أفخم زينة وأشهى طعام وأغلى الهدايا.
سوق «سلع عيد الميلاد»: تأثير العولمة الثقافية
الشجرة والزينة وبابا نويل والملابس والأكسسوارات والأطعمة الخاصة بالعيد حصراً… هي رموز وطقوس وتقاليد اجتماعية توحّدت وانتشرت بفعل العولمة الثقافية والتجارية وانتشار شبكات التواصل الاجتماعية، ولم تعد تقتصر على المسيحيين. وقد شكّلت هذه «السلع» سوقاً عالمية موسمية، قدّرت قيمتها بنحو 180 مليار دولار في عام 2023 وفق البيانات المتاحة، ومن المتوقع أن تصل إلى 260 مليار دولار في غضون 10 سنوات.
يعزى نموّ هذه السوق إلى زيادة إنفاق ذوي الدخل العالي والمتوسط على الزينة والهدايا المرتفعة السعر كشكل من أشكال الاستعلاء الطبقي أو التميّز، بالإضافة إلى تزايد تأثير التسويق عبر منصات التجارة الإلكترونية.
موسم العطلات الشتوية: ازدحام الجو
هذه التقديرات لقيمة سوق «سلع عيد الميلاد» لا تشمل الإنفاق الأسري كلّه في مناسبة العيد، ولا سيما أنه بالنسبة للكثيرين في العالم بمثابة موسم «العطلات»، فالموجة الاستهلاكية التي تشهدها السوق لا تنتهي بيوم العيد وعشائه التقليدي، وإنما تمتد إلى أيام بعد رأس السنة، وتشمل الإنفاق على السفر والفنادق والمطاعم واستئجار السيارات وارتياد السهرات والحفلات وإقامة المآدب… وغير ذلك.
يسافر الكثير من الناس لتمضية عطلات عيد الميلاد ورأس السنة مع عائلاتهم وأصدقائهم. ومن المتوقع أن يصل عدد المسافرين من أكبر 40 دولة في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى 309 ملايين مسافر في الفترة ما بين 15 كانون الأول/ديسمبر و4 كانون الثاني/يناير. بزيادة 4% تقريباً عن الفترة نفسها من العام السابق، وفقاً لأرقام منصة بيانات شركات الطيران OAG. ويُعتبر هذا العدد الكبير من المسافرين هذا العام هو الأكثر ازدحاماً في الجو بالمقارنة مع مواسم العيد السابقة.
الإنفاق الالكتروني: فورة الاستهلاك القصوى
يقدّر الإنفاق الالكتروني في موسم الأعياد من 1 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 31 كانون الأول/ديسمبر من هذا العام بنحو 253.4 مليار دولار، بزيادة قدرها 5.3% عن العام الماضي. وهذا رقم قياسي تسجّله المبيعات عبر الإنترنت في موسم واحد، ما يشير الى محورية موسم الأعياد في أسواق تجارة التجزئة، وهذا النمو في الإنفاق لم يحدث بسبب تحسّن الدخل والأجور أو تزايد مستويات الرفاهية، بل بفضل جهود تسويقية حثيثة، إذ تعمد أسواق تجارة التجزئة، ولا سيما التجارة الإلكترونية، إلى جذب المستهلكين عشية الأعياد عبر عروض تنزيلات الأسعار وزيادة الإنفاق الإعلاني لترويج سلع معينة أو علامات تجارية. وفي هذا السياق، يبرز حدثين تجاريين في عز موسم الأعياد: بلاك فرايداي، الذي تقدّر مبيعاته الالكترونية بنحو 11.8 مليار دولار، وسايبر مونداي، الذي تقدّر مبيعاته بنحو 14.2 مليار دولار.
سوق الألعاب والدمى: فرح الأطفال باهظ الثمن
تعدّ الألعاب والدمى المخصصة للأطفال من بين السلع الأكثر مبيعاً على قوائم هدايا الأعياد. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن ما بين 20% و40% من مبيعات الألعاب السنوية تحصل في مناسبة عيد الميلاد.
وفق تقرير Future Market Insights، قُدِّر حجم سوق ألعاب الأطفال بنحو 146.4 مليار دولار في العام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 227.4 مليار دولار بحلول 2035 بمعدل نمو سنوي مركّب حوالي 4.5%.
وتُظهر التقديرات لسوق الألعاب الأوسع الذي يشمل الألعاب التقليدية والإلكترونية أن قيمته في العام 2024 بلغت نحو 206.6 مليار دولار في 2024، ويتوقع أن يرتفع إلى 394.1 مليار دولار بحلول 2033 بنمو 7.4%.
تجارة الهدايا: 475 مليار دولار سنويا
تشمل سوق تجارة الهدايا بالتجزئة فئة واسعة ومتنوّعة من السلع التي تُباع كهدايا من اجل التعبير عن الحب أو التقدير أو الشكر أو الاحتفال… تقدّر قيمة هذه السوق العالمية بنحو 475 مليار دولار أميركي في العام 2024. ومن المتوقع أن تنمو هذه السوق إلى 492 مليار دولار في العام 2025 وصولاً إلى 630 مليار دولار بحلول العام 2032.
لا تنحصر مواسم الاستهلاك في عيدي الميلاد ورأس السنة، فكل عيد أو مناسبة أو لفتة شخصية حوّلتها السوق إلى تجارة مربحة. يظهر استطلاع Ipsos 2024 على سبيل المثال كيف أن سلوك الاستهلاك في البلدان العربية يرتفع بنسبة تصل إلى 40% خلال شهر رمضان، ويرتفع بنسبة 76% في عيد الفطر. وأصبح سعر الأضحية في عيد الأضحى يتجاوز أجر العامل لشهور عدّة في دول مثل مصر أو لبنان وسوريا، ما حوّل الشعيرة إلى شعور بالحرمان الديني والاجتماعي.