معاينة تراتبية العملات البيئية

يد خفية
تراتبية العملات البيئية
النقود من وسيط تبادل إلى آلية استخراج وتبرير التفاوت

في النظرة الاقتصادية الشائعة عادة ما ينظر إلى النقود كوسيط محايد للتبادل حتى لا يضطر المتعاملون لمبادلة سلع بسلع أخرى، فتصعب عملية التبادل لدرجة الاستحالة. غير أنّ هذه النظرة المثالية للنقود، تتجاهل ما يطلق عليه بعض باحثي الاقتصاد السياسي بـ«تراتبية العملات»، التي تجعل من النقود أكثر من مجرد وسيط، ولكن أداة تحمل في طياتها ديناميات وتوازنات قوة تسمح بنقل القيمة والموارد من البلدان التي تمتلك عملات «طرفية» إلى بلدان تملك عملات «مركزية». 

العملة كأداة لاستنزاف الموارد

في مطلع العام 2024، حين أُعلنت تفاصيل صفقة «رأس الحكمة» في مصر، جرى تصويرها كاستثمار أجنبي مباشر، «الصفقة الأكبر في التاريخ» لإنقاذ الاقتصاد المصري من أزمة السيولة التي كادت أن تعصف به. وفي تونس، لا تزال شروط مؤسّسات التمويل الدولية تُقدّم كطوق نجاة، بينما تُدفع البلاد نحو تكثيف استخراج الفوسفات وتصدير الموارد الأولية بأي ثمن، على الرغم من الاحتجاجات العارمة ضد مناجم ومصانع الفوسفات في مدينة قابس، التي أدّت إلى مستويات غير مسبوقة من تلوث المياه والتربة والهواء، فضلاً عن تأثيرها المدمّر على صحة المجتمعات المحلية.

في تونس أيضاً تلقي الأزمة الاقتصادية بظلالها على الأزمة البيئية، حيث تستمر البلد في تكثيف صادراتها من زيت الزيتون إلى السوق الأوروبي على الرغم من الجفاف وتآكل مصادر المياه لدرجة اللجوء إلى استغلال المياه الجوفية المحدودة بصورة تتخطّى قدرتها على التجديد. ومن الآثار الجانبية لتلك الدينامية أن زيت الزيتون أصبح بعيداً من القدرة الشرائية لعدد متزايد من المواطنين التونسيين. أما في لبنان، فقد تحوّل الانهيار المالي إلى ذريعة للترويج لخصخصة ما تبقى من الملك العام والشواطئ تحت وطأة الحاجة للدولار. منطقتنا هنا ليست استثنائاً، إذ تعاني بلدان عدة في الجنوب العالمي من ديناميات شبيهة تفاقمت بشدة في السنوات الأخيرة.

العملة المركزية لديها في المتوسط 3 أضعاف القدرة الشرائية في بلدان الجنوب بالمقارنة مع بلدانها الأصلية

هذه المشاهد، على الرغم من اختلاف سياقاتها، يمكن اعتبارها أشكالاً من ظاهرة واحدة يسميها الباحثان ماثيو صلاح وجو آمنت «التراتبية البيئية للعملات» (Ecological Currency Hierarchy)، وهي التراتبية التي يعتبرونها آلية لاستنزاف موارد بلدان الجنوب للوفاء بالتزامات ديون مقومة بعملات «المركز».

لطالما جادلت أدبيات «التبادل البيئي غير المتكافئ» (Ecologically Unequal Exchange) بأن الدول الغنية تصدّر التكاليف البيئية لإنتاجها إلى الدول الفقيرة وتستنزف مواردها الحيوية عبر آليات التجارة والاستثمار غير المتكافئة. لكن ما يضيفه صلاح وآمنت في دراستهما الصادرة في العام 2025 هو الربط العضوي بين النظام النقدي الدولي وهذا الاستنزاف، فالنظام النقدي ليس مجرد وسيلة محايدة للتبادل، بل هو هرمية تمنح دول «المركز» استقلالية سياساتية. هذه الدول يمكنها إصدار ديون سيادية بتكلفة منخفضة لتمويل احتياجاتها الاجتماعية والبيئية، لأن العالم يستخدمها لمراكمة احتياطات نقدية ضخمة، خصوصاً في بلدان العالم الجنوبي.

في المقابل، تجد دول الأطراف نفسها محاصرة في «فخ العملة». بما أن عملاتها لا تتمتع بالقبول الدولي نفسه كاحتياطيات، فهي مضطرة للحصول على عملات المركز للمشاركة في الأسواق الدولية. هذا الاحتياج يدفعها لتبني إستراتيجيات تنموية قائمة على التصدير المكثف للموارد الطبيعية في صيغة سلع تنافسية كثيفة الموارد ومنخفضة القيمة. وعندما يتدفق رأس المال الأجنبي إلى الأطراف، فإنه يتركز غالباً في قطاعات الاستخراج، ما يسرّع من وتيرة الاستنزاف البيئي. في مصر، على سبيل المثال، شكّلت الاستثمارات في قطاع النفط والتعدين حوالي 70% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وحتى عندما يأتي الاستثمار في القطاع الصناعي، غالباً ما يكون في صناعات كثيفة الطاقة والموارد ومنخفضة القيمة مثل الأسمنت.

وعندما يهرب رأس المال، تضطر هذه الدول لزيادة معدلات الاستخراج والتصدير لمواجهة الأزمة، كما رأينا في مصر من زيادات مطردة في تصدير الأسمنت كثيف استهلاك الطاقة، فضلاً عن تضاعف حجم تصدير الحاصلات النقدية كثيفة استهلاك المياه مثل البرتقال والبطاطس والبصل والفراولة، وتخصيص متزايد الوتيرة لمساحات شاسعة من أفضل سواحلها. هذا بالإضافة إلى رفع أسعار الفائدة لجذب أموال ساخنة دولارية كحل قصير المدى يزيد من استنزاف موارد العملة الصعبة على المدى المتوسط والطويل، وتكديس الاحتياطيات الأجنبية ما يحرم الاقتصاد المحلي من الاستثمار المنتج ويجبرها على استخراج المزيد من الموارد لسداد الديون المتراكمة وبناء احتياطيات نقدية في الأغلب بإيعاز من صندوق النقد.

يضطر العمّال في الجنوب للعمل 13.5 ساعة للحصول على ما يعادل ساعة عمل واحدة من الشمال عبر التجارة

30 ضعفاً من الاستنزاف لكل دولار

تكشف البيانات المستمدة من قاعدة المدخلات والمخرجات متعدّدة المناطق والممتدّة بيئياً «EXIOBASE 3» عن حجم الكارثة البيئية المخبّأة خلف أرقام الصادرات. ونجد أن الأضرار البيئية المرتبطة بصادرات الدول الأقل دخلاً تبلغ في المتوسط 27 ضعفاً مقارنة بصادرات الدول الغنية لكل وحدة نقدية، ويؤكد ماثيو وآمنت على هذه الدينامية بأن صادرات البلدان ذات العملات الطرفية تحمل كثافة مادية تشكّل 30 ضعفا بالمقارنة مع البلدان ذات العملات «المركزية».  

ولا يتوقف الأمر عند البيئة، بل يمتد الاستنزاف إلى الجهد البشري. على سبيل المثال، يتطلب إنتاج صادرات بقيمة مليون يورو في بلدان الدخل الأدنى والمتوسط حوالي 100,000 ساعة عمل، بينما لا يتطلّب الأمر سوى 7,500 ساعة عمل في الدول الغنية. بعبارة أخرى، يضطر العمّال في الجنوب للعمل 13.5 ساعة للحصول على ما يعادل ساعة عمل واحدة من الشمال عبر التجارة. هذا النزيف في الجهد البشري والموارد الطبيعية هو ما يسمح للدول الغنية بتحقيق «كفاءة إيكولوجية» عبر الاستعانة بمصادر خارجية للإنتاج الملوّث والمكثّف للعمالة. تكشف دراسة حديثة صادرة عن إحدى مجلات نيتشر أن قيمة العمل المستنزفة من الجنوب العالمي بين عامي 1995 و2021 تقدّر بنحو 17 تريليون دولار، وأن 90% من العمل يحدث في الجنوب العالمي على الرغم من حصوله على 21% من الدخل القومي الإجمالي، وأن الأجر في الجنوب العالمي هو حوالي 90% أقل من الشمال العالمي للدرجة نفسها من المهارة.

إنتاج مرتفع وإنتاجية منخفضة

يثبت عدد متزايد من الدراسات والحسابات أن الغالبية العظمى من الإنتاج المادي للبشر يحدث في البلدان الأقل دخلاً، وعلى الرغم من ذلك توصف (وتوصم) عادة تلك الاقتصادات بإنتاجيتها المنخفضة.

تستند المنظومة الاقتصادية السائدة إلى تعريف مضلل للإنتاجية لتبرير هذه المفارقة، إذ يزعم هذا الخطاب المتكرّر أن فقر بلدان الدخل الأدنى ناتج عن «انخفاض إنتاجية» عمّالها ومواردها (القيمة المخلقة لكلّ وحدة من العمل والموارد الطبيعية) بالمقارنة مع نظرائهم في الشمال. لكن الحقيقة هي أن الإنتاجية في الاقتصاد التقليدي تُقاس بالقيم النقدية، لاستحالة مقارنة الإنتاج لمؤلف موسيقي، على سبيل المثال، مع مزارع أو سائق تاكسي إلا عبر النقد. حتى لو كان هناك عاملين أو مصنعين ينتجون السلعة نفسها، يستحيل أيضاً مقارنة إنتاجيتهم عبر إنتاجهم الكمّي إلا من خلال النقود، نظراً للتفاوت الحتمي في الجودة والقيمة المعنوية التي تترجم لقيمة نقدية أو تسويقية. 

تكمن المشكلة أن القيم النقدية مرتبطة مباشرة بأسعار السوق المتقلبة والقدرة على فرض أسعار مرتفعة لبعض السلع وأسعار منخفضة لسلع أخرى.

فإذا كان 5 عمال ينتجون سلعاً بقيمة 10,000 دولار، تُعتبر إنتاجيتهم 2,000 دولار لكل عامل. ولكن إذا تضاعف سعر هذه السلعة في السوق لسبب خارجي، ستظهر إنتاجيتهم وكأنها تضاعفت من دون أن يتغيّر حجم إنتاجهم. هنا يكمن المنطق الدائري فيُنظر إلى الأسعار المرتفعة كدليل على الإنتاجية، بدلاً من أن الإنتاجية هي نتيجة للأسعار المرتفعة والقدرة الاحتكارية. تسيطر الدول الغنية على سلاسل القيمة وتمارس ممارسات شبه احتكارية ترفع أسعار منتجاتها، بينما تُجبر الدول الفقيرة على إنتاج سلع تنافسية منخفضة القيمة تتحكّم الأسواق الدولية في أسعارها، فضلاً عن خفض قيمة عملاتها المستمر بضغط من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي بحجة «تشجيع الصادرات»، ما يجعل صادراتها أرخص والجهد المبذول فيها أقل قيمة.

صادرات البلدان ذات العملات الطرفية تحمل كثافة مادية تشكّل 30 ضعفا بالمقارنة مع البلدان ذات العملات «المركزية»

نحو «فك ارتباط» نقدي وبيئي

إن اضطرار بلدان الجنوب العالمي للحصول على عملات المركز لسداد ديونها أو تمويل وارداتها مرتفعة القيمة أو بناء احتياطات ضخمة من النقد الأجنبي، يعد واحدة من آليات الاستغلال التي تدفعها لاستنزاف بيئتها ومبادلة مواردها وجهد عمّالها بأبخس الأثمان. 

ولا يمرّ المخرج من هذا النزيف المستمر عبر مناشدات أخلاقية للشركات والبلدان الكبرى، لكن عبر ما أسماه سمير أمين «فك الارتباط» (Delinking). لم يقصد أمين بفك الارتباط العزلة عن العالم، بل استعادة السيادة على الموارد والبيئة، أو ما يسمّيه أمين التنمية المتمركزة حول الذات (autocentric development)، عبر كسر احتكار المركز لوضع آليات التبادل التجاري وفقاً لأولوياته، وبالتبعية لآليات التقييم الاقتصادي للسلع والموارد الطبيعية والعمل والعملات. وبما أن السلع التي تصدرها بلدان الجنوب تتميّز بمرونة سعرية منخفضة، أي أن زيادة أسعارها لن تؤدّي إلى هبوط مماثل في الطلب، فإن الطريق مفتوح لتشكيل «تحالفات سلعية بيئية» عابرة للحدود، تفرض أسعاراً تعكس التكلفة الإيكولوجية والاجتماعية الحقيقية للسلع. يمكن أيضاً لتحالفات مستوردين ومقترضين أن تتفاوض على أسعار أفضل للسلع المستوردة، وأيضاً على شروط أفضل للتمويل وإعادة الهيكلة، مع إدارة جيدة للنقد تقطع الطريق على صندوق النقد في مطالبه المستمرة بتخفيض قيمة العملات لدرجة أن العملة المركزية لديها في المتوسط 3 أضعاف القدرة الشرائية في بلدان الجنوب بالمقارنة مع بلدانها الأصلية.

إن تقليل الصادرات الملوثة والمكثفة للموارد لا يعد تراجعاً اقتصادياً، بل إستراتيجية عادلة للانتقال الأخضر في الجنوب بعيداً من تعريفات أنصار حرية التجارة لهذا الانتقال، الذي يتمحور حول استثمارات وقروض ضخمة من أجل تحول جزئي لاستخدام الطاقة الشمسية والرياح بالتزامن مع تصاعد استهلاك الطاقة الأحفورية والاستخراج والتلوّث واستهلاك الموارد المحلية بشكل يفوق قدرتها على التجديد. يحتاج الجنوب العالمي بشكل عاجل إلى إستراتيجية لا تكثف الاستخراج والاستنزاف والتلوّث المحلّي لكي تحتفل بلدان الشمال العالمي بتقليل انبعاثات الكربون، كنتيجة لنقل الانبعاثات وتكثيف التدمير البيئي إلى الجنوب العالمي. فبدلاً من استنزاف التربة والمياه والهواء لتغذية استهلاك مسرف في الشمال مقابل حفنة من «العملات الصعبة» التي تتبخر في سداد فوائد الديون من دون حتى أن تكفي لذلك، يمكن لبلدان العالم الجنوبي تقليص حجم الاستخراج مع الحفاظ على عوائدها النقدية، بل وزيادتها.