من أين يأتي العالم بكهربائه؟

تكشف الحرب واضطرابات مضيق هرمز هشاشة نظام الطاقة القائم. فالطلب العالمي على الكهرباء مرشّح للنمو بنسبة 3.6% في 2026، مدفوعاً بالصناعة والتبريد والأجهزة والسيارات الكهربائية ومراكز البيانات. وفي الوقت نفسه، رفعت الخسارة المؤقتة لنحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية أسعار الغاز، ودفعت دولاً إلى العودة مؤقتاً نحو الفحم الحجري الأكثر تلويثاً.
لكن عام 2026 يحمل تحوّلاً تاريخياً أيضاً: للمرة الأولى، يُتوقع أن تنتج مصادر الطاقة المتجددة مجتمعة كهرباء أكثر من الفحم الحجري. إذ ستزيد الطاقة الشمسية نحو 600 تيراواط/ساعة خلال سنة واحدة. مع ذلك، لا تعني هذه القفزة أن العالم تجاوز الوقود الأحفوري، فالفحم الحجري والغاز لا يزالان يؤمّنان معاً أكثر من نصف الكهرباء، فيما يُتوقع أن ترتفع انبعاثات قطاع الكهرباء بنحو 1% هذا العام.
المفارقة واضحة: التكنولوجيا النظيفة تتقدّم بسرعة، لكن الحروب والمصالح الأحفورية وضعف الشبكات والتخزين تعيد إنتاج التبعية لمصادر الطاقة الملوّثة.

ارتفاع الطلب العالمي 

ارتفع الطلب العالمي على الكهرباء بنسبة 3% في 2025، ويُتوقع أن يتسارع نموّه إلى 3.6% في 2026، ثم 3.8% في 2027. وبذلك، سيرتفع الاستهلاك العالمي من نحو 28,600 تيراواط/ساعة في 2025 إلى 30,700 تيراواط/ساعة في 2027، أي إضافة نحو 2,100 تيراواط/ساعة خلال عامين.

يُتوقع نمو الطلب بنسبة 5.5% في 2026 في الصين، و7% في الهند، في مقابل نحو 2% في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

global-electricity

الحرب تعيد الفحم إلى الواجهة

لا تفسّر صدمة النفط أو الحرب نمو الطلب على الكهرباء، بل تقف وراءه عوامل هيكلية: التصنيع، انتشار الأجهزة، التبريد ومضخّات الحرارة، السيارات الكهربائية، ومراكز البيانات.

أدت اضطرابات مضيق هرمز إلى فقدان مؤقت لنحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، فبلغت أسعار الغاز في آسيا وأوروبا أعلى مستوياتها منذ أزمة 2022–2023، ودفعت بعض الأسواق الحسّاسة للأسعار إلى تقليص الاستهلاك وإجراءات التقشّف الطاقي.

لأن الغاز أصبح أغلى، تحولت محطات في آسيا وأوروبا نحو الفحم الحجري، لذلك يُتوقع أن يبقى إنتاج الكهرباء من الغاز شبه ثابت في 2026، مقابل ارتفاع التوليد بالفحم.

2026: الطاقة المتجددة تتجاوز الفحم للمرة الأولى

بقي الفحم الحجري حتى 2025 أكبر مصدر منفرد للكهرباء، لكن الطاقة المتجددة اقتربت منه كثيراً.

في 2026، يُتوقع أن تنمو الكهرباء المتجدّدة بأكثر من 8% وأن تتجاوز للمرة الأولى مجمل الكهرباء المولدة من الفحم.

سترتفع حصة الطاقة المتجددة من 33% في 2025 إلى نحو 37% في 2027، لتصبح أكبر مجموعة مصادر في مزيج الكهرباء العالمي.

لكن الفحم والغاز مجتمعَين سيبقيان مصدر أكثر من نصف الكهرباء تقريباً؛ ولذلك لا يعني تقدّم الطاقات المتجددة أن التحول بعيداً من الوقود الأحفوري قد اكتمل.

global-electricity

حين يرتفع سعر الغاز… يحرق العالم فحماً أكثر

ستضيف الطاقة الشمسية نحو 600 تيراواط/ساعة في 2026، أي ما يعادل تقريباً نموها القياسي المسجّل في 2025.

بهذا النمو، تتجاوز الشمس طاقة الرياح، وتصبح ثاني أكبر مصدر متجدّد للكهرباء بعد الطاقة الكهرومائية.

لكن زيادة حصة الفحم بسبب غلاء الغاز والظروف المناخية سترفع انبعاثات قطاع الكهرباء بنحو 1% في 2026، قبل أن تستقر تقريباً في 2027.

المفارقة أن العالم يضيف طاقة نظيفة بسرعة قياسية، لكنه يضيفها إلى نظام يتوسّع إجمالاً، لذلك قد تنمو الطاقات المتجدّدة من دون أن ينخفض استخدام الوقود الأحفوري بالسرعة المطلوبة.

المشكلة لم تعد كلفة إنتاج الشمس والرياح وحدها، بل من يملك الشبكات، وأين تُوجَّه الاستثمارات، ومدى توافر التخزين والمرونة وقدرة الدول الفقيرة على تمويل التحول.

global-electricity

    مارك أيوب

    باحث في مجال الطاقة، طالب دكتوراه في إيرلندا، وزميل في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت.