return-to-frugality

العودة إلى «البخل» والتواضع والكفاية… بدل الرفاهية

الفيضانات الكارثية التي اجتاحت الوديان والمجاري النهرية في نيبال نهاية آب/أغسطس الماضي لم تكن مجرد كارثة طبيعية عابرة. فقد أدّى انهيار جليدي وصخري في منطقة الهيمالايا إلى تدفقات هائلة من المياه والجليد والطين والحطام، مدمرةً قرى وطرقاً وجسوراً ومشاريع للطاقة الكهرومائية. ومع استمرار عمليات البحث والإنقاذ، تجاوز عدد الوفيات في نيبال الألف، فيما قدّرت الحكومة كلفة إعادة الإعمار والتعافي بما بين 4 مليارات و5 مليارات دولار، أي ما يقارب 10% من اقتصاد البلاد.

كتب وسيكتب الكثير عن أنظمة الإنذار المبكر، وخطط الطوارئ، وقدرات الاستجابة والتكيف. وكل ذلك ضروري. لكن هذه الكارثة تطرح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تتغير طبيعة المخاطر نفسها بسرعة أكبر من قدرتنا على التكيف معها؟

فالإنذار المبكر لا يمنع انهيار جبل، ولا يستطيع وحده حماية بنية تحتية أقيمت في منطقة تتزايد مخاطرها، ولا يستطيع إعادة بناء منزل أو محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية أو مصدر رزق بعد أن تجرفه كارثة مفاجئة. وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات الخطاب المناخي المعاصر: لقد أصبحنا نتحدث كثيراً عن كيفية التكيف مع نتائج تغير المناخ، فيما لا نتحدث بالقدر نفسه عن ضرورة منع الأسباب التي تجعل التكيف أكثر صعوبة وكلفة وأحياناً مستحيلاً.

تؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن هناك بالفعل حدوداً للتكيف، وأن هذه الحدود تصبح أكثر وضوحاً كلما ارتفعت درجة الاحترار العالمي. وفي بعض الأنظمة الطبيعية ظهرت حدود صلبة للتكيف، فيما تزداد القيود المالية والمؤسسية على التكيف في المجتمعات الأكثر فقراً. كما تتراجع فعالية كثير من خيارات التكيف المائي والطاقة والزراعة مع ارتفاع الاحترار. لذلك لا ينبغي أن يتحوّل مطلب زيادة تمويل التكيف إلى بديل عن خفض الانبعاثات. فالتكيف ضرورة، خصوصاً بالنسبة إلى البلدان والمجتمعات الأكثر تعرضاً وأقل مساهمة في الانبعاثات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل معالجة أصل المشكلة.

إن الخطر الحقيقي هو أن نطلب من الدول الفقيرة والصغيرة أن تتكيف بلا نهاية، فيما تستمر الدول والشركات الكبرى في نموذج اقتصادي قائم على استخراج المزيد من الوقود الأحفوري واستهلاك المزيد من الموارد وإنتاج المزيد من الانبعاثات. وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي يبدو غائباً عن كثير من النقاشات المناخية: هل نستطيع إنقاذ المناخ والحياة من دون إعادة النظر في مفهوم الرفاهية نفسه؟

بين أسطورة التحول الطاقي ووهم القدرة على التكيف

يبدو العالم اليوم عالقاً بين أسطورة أن التحول الطاقي وحده قادر على حل المشكلة، ووهم أن قدرتنا على التكيف يمكن أن تلاحق بلا نهاية ارتفاع درجات الحرارة وتزايد شدة الظواهر المناخية المتطرفة.

ليس التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة وهماً، بل هو ضرورة. لكن المشكلة تبدأ عندما نتصور أن استبدال مصدر الطاقة يمكن أن يتم من دون تغيير حجم الاستهلاك، أو من دون إعادة النظر في أنماط الإنتاج والنقل والعمران والاستثمار. فإذا استبدلنا السيارة التي تعمل بالبنزين بسيارة كهربائية، وأبقينا على ثقافة امتلاك أكثر من سيارة، والقيادة وحدنا كرفاهية، والتنقل أكثر، واستهلاك المزيد من المواد والطاقة، فإننا نكون قد غيّرنا التكنولوجيا أكثر مما غيّرنا النموذج المسبب للكوارث.

كما أن التدرج في الحلول، إذا تحول إلى ذريعة لتأجيل التحول الجذري، قد يصبح جزءاً من المشكلة. وقد جاءت الحروب والأزمات الاقتصادية والتوترات التجارية لتبتلع جزءاً كبيراً من الطموحات المناخية، فيما تحولت الحمائية الاقتصادية إلى منافسة على الأسواق والتكنولوجيا والموارد بدلاً من التعاون الذي تتطلبه أزمة مناخية عالمية. 

فقضية المناخ ليست قضية دولة منفردة. إنها قضية نظام بيئي واقتصادي عالمي لا يمكن لأي دولة أن تنجو من نتائجه وحدها.

عندما يفشل التأمين في إنقاذنا

تكشف الكوارث المتزايدة أيضاً حدود الاعتماد على التأمين كحل للخسائر والأضرار الناجمة عن الكوارث المناخية. 

لقد كان للولايات المتحدة تاريخ طويل من التحفظ على ربط تمويل الخسائر والأضرار بالمسؤولية القانونية والتعويضات الدولية واعتبار أن الحل عند شركات التأمين. لكن المشكلة اليوم تتجاوز الجدل القانوني والسياسي، لأن حجم الخسائر بدأ يضع حتى أنظمة التأمين نفسها أمام حدودها. تكفي الإشارة إلى حرائق لوس أنجلوس في كانون الثاني/يناير 2025. فقد قدّرت شركة KCC المتخصصة في نمذجة مخاطر الكوارث الخسائر المؤمن عليها بنحو 28 مليار دولار، في حين وصلت تقديرات أخرى للخسائر الاقتصادية الإجمالية إلى أكثر من 250 مليار دولار. وقدّرت دراسة لاحقة لـ UCLA خسائر الممتلكات ورأس المال بما بين 76 مليار و131 مليار دولار، مع خسائر مؤمّنة تصل إلى 45 ملياراً. والفارق بين هذه الأرقام ليس خطأً بالضرورة؛ فهو يعكس اختلاف ما يدخل في حساب «الخسارة»: الممتلكات، والتأمين، وانقطاع الأعمال، والصحة، وإعادة الإعمار، والخسائر الاقتصادية غير المباشرة وغيرها…الخ لكن النتيجة السياسية واحدة: التأمين لا يستطيع أن يعوض، كما لا يستطيع أن يعيد العالم إلى ما كان عليه قبل الكارثة.

كلما أصبحت الكوارث أكثر تكراراً وشدة، تصبح بعض المخاطر غير قابلة للتأمين أو يصبح التأمين باهظاً إلى درجة يستحيل معها على كثير من الناس تحمله

والأهم أن هذه الأرقام تكشف مشكلة أخرى: كلما أصبحت الكوارث أكثر تكراراً وشدة، تصبح بعض المخاطر غير قابلة للتأمين أو يصبح التأمين باهظاً إلى درجة يستحيل معها على كثير من الناس تحمله.

المياه أيضاً تكشف حدود التكيف

المياه مثال آخر على حدود النموذج الحالي. فالمياه ليست مجرد سلعة يمكن استخدامها بلا حدود وفق القدرة على الدفع. إنها جزء من النظم الإيكولوجية، وشرط للحياة وللزراعة ولصحة المجتمعات واستمرار الأنواع. ومن هنا يجب أن تصبح حماية النظم الإيكولوجية المنتجة للمياه جزءاً أساسياً من سياسات التكيف المناخي، لا مجرد ملحق بالسياسات المائية.

كما أن المياه لا تتوقف عند الحدود السياسية. فالأحواض والأنهار والمياه الجوفية والنظم البيئية المرتبطة بها يمكن أن تكون عابرة للحدود، ولذلك فإن حمايتها تتطلب تعاوناً يتجاوز مفهوم السيادة الوطنية الضيق.

وفي الوقت نفسه، تكشف حرائق لوس أنجلوس حدود البنى التحتية المائية في مواجهة ظواهر لم تُصمّم أصلاً للتعامل مع حجمها. فقد انخفض ضغط المياه وجفّت بعض صنابير الإطفاء خلال الحرائق، ليس لأن لوس أنجلوس «لا تملك المياه» ببساطة، بل لأن شبكات التوزيع المحلية لم تكن مصممة للتعامل مع طلب هائل ومستمر أثناء حرائق واسعة النطاق.

وهنا أيضاً يجب الحذر من التبسيط: لا يمكن اختزال تفاقم حرائق كاليفورنيا في «نقص المياه». فالرياح الشديدة والجفاف والغطاء النباتي الجاف والتوسع العمراني في مناطق معرضة للحرائق وعوامل أخرى تتداخل مع تغير المناخ في صناعة الخطر. أما مشكلة المياه فتكشف في المقابل حدود قدرة البنية التحتية على الاستجابة لحجم الكارثة.

وهذا ينطبق أيضاً على الطاقة. فارتفاع الحرارة والجفاف يمكن أن يؤثرا في توافر المياه اللازمة لبعض أنظمة توليد الطاقة، ومنها التوليد الكهرومائي والتبريد في محطات الطاقة الحرارية والنووية. وتؤكد تقارير IPCC أن فعالية بعض خيارات التكيف في قطاعات المياه والطاقة تتراجع كلما ارتفع الاحترار.

المشكلة في المبالغة

من هنا لا أعتقد أن المشكلة تكمن في التنمية بحد ذاتها، ولا في الرفاهية بمعنى تحسين شروط الحياة، ولا حتى في اقتصاد السوق والمنافسة باعتبارهما مفاهيم مجردة. تبدأ المشكلة عندما تتحول التنمية إلى زيادة دائمة في الاستهلاك، والمنافسة إلى احتكار، والاستثمار إلى استنزاف، والغنى إلى تراكم لا حدود له، والرفاهية إلى حق مفتوح في الاستحواذ على الموارد الطبيعية. فالمنافسة موجودة في الطبيعة، لكن الطبيعة لا تعرف المنافسة الاقتصادية التي تستطيع فيها جهة واحدة أن تستحوذ على مورد محدود وتحرم الآخرين منه. والاستثمار ليس المشكلة في ذاته، بل يصبح مشكلة عندما يتحول إلى استنزاف او استقواء. والغنى ليس المشكلة لمجرد وجوده، بل عندما يتحول إلى قدرة غير متكافئة على الاستحواذ على الموارد وإنتاج النفايات والانبعاثات وتحويل كلفة الأضرار إلى الآخرين.

هنا تصبح قضية المناخ قضية عدالة. فمن حق الإنسان أن يشرب الماء، لكن ليس من حقه أن يتعامل مع المياه العذبة كما لو كانت مورداً ترفيهياً بلا حدود، فيجمعها لملء المسابح الخاصة أو المغاطس أو لري ملاعب الغولف، بينما يعاني آخرون من نقص المياه.

تبدأ المشكلة عندما تتحول التنمية إلى زيادة دائمة في الاستهلاك، والمنافسة إلى احتكار، والاستثمار إلى استنزاف، والغنى إلى تراكم لا حدود له، والرفاهية إلى حق مفتوح في الاستحواذ على الموارد الطبيعية

وهذا المثال ليس دعوة إلى إلغاء الرفاهية، بل إلى طرح السؤال الأصعب: أين يجب أن ينتهي حق الفرد في الرفاهية عندما تبدأ حقوق الآخرين وحقوق الأجيال المقبلة؟

الفيضانات الكارثية التي اجتاحت الوديان والمجاري النهرية في نيبال نهاية آب/أغسطس الماضي لم تكن مجرد كارثة طبيعية عابرة. فقد أدّى انهيار جليدي وصخري في منطقة الهيمالايا إلى تدفقات هائلة من المياه والجليد والطين والحطام، مدمرةً قرى وطرقاً وجسوراً ومشاريع للطاقة الكهرومائية. ومع استمرار عمليات البحث والإنقاذ، تجاوز عدد الوفيات في نيبال الألف، فيما قدّرت الحكومة كلفة إعادة الإعمار والتعافي بما بين 4 مليارات و5 مليارات دولار، أي ما يقارب 10% من اقتصاد البلاد.

كتب وسيكتب الكثير عن أنظمة الإنذار المبكر، وخطط الطوارئ، وقدرات الاستجابة والتكيف. وكل ذلك ضروري. لكن هذه الكارثة تطرح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تتغير طبيعة المخاطر نفسها بسرعة أكبر من قدرتنا على التكيف معها؟

فالإنذار المبكر لا يمنع انهيار جبل، ولا يستطيع وحده حماية بنية تحتية أقيمت في منطقة تتزايد مخاطرها، ولا يستطيع إعادة بناء منزل أو محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية أو مصدر رزق بعد أن تجرفه كارثة مفاجئة. وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات الخطاب المناخي المعاصر: لقد أصبحنا نتحدث كثيراً عن كيفية التكيف مع نتائج تغير المناخ، فيما لا نتحدث بالقدر نفسه عن ضرورة منع الأسباب التي تجعل التكيف أكثر صعوبة وكلفة وأحياناً مستحيلاً.

تؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن هناك بالفعل حدوداً للتكيف، وأن هذه الحدود تصبح أكثر وضوحاً كلما ارتفعت درجة الاحترار العالمي. وفي بعض الأنظمة الطبيعية ظهرت حدود صلبة للتكيف، فيما تزداد القيود المالية والمؤسسية على التكيف في المجتمعات الأكثر فقراً. كما تتراجع فعالية كثير من خيارات التكيف المائي والطاقة والزراعة مع ارتفاع الاحترار. لذلك لا ينبغي أن يتحوّل مطلب زيادة تمويل التكيف إلى بديل عن خفض الانبعاثات. فالتكيف ضرورة، خصوصاً بالنسبة إلى البلدان والمجتمعات الأكثر تعرضاً وأقل مساهمة في الانبعاثات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل معالجة أصل المشكلة.

إن الخطر الحقيقي هو أن نطلب من الدول الفقيرة والصغيرة أن تتكيف بلا نهاية، فيما تستمر الدول والشركات الكبرى في نموذج اقتصادي قائم على استخراج المزيد من الوقود الأحفوري واستهلاك المزيد من الموارد وإنتاج المزيد من الانبعاثات. وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي يبدو غائباً عن كثير من النقاشات المناخية: هل نستطيع إنقاذ المناخ والحياة من دون إعادة النظر في مفهوم الرفاهية نفسه؟

بين أسطورة التحول الطاقي ووهم القدرة على التكيف

يبدو العالم اليوم عالقاً بين أسطورة أن التحول الطاقي وحده قادر على حل المشكلة، ووهم أن قدرتنا على التكيف يمكن أن تلاحق بلا نهاية ارتفاع درجات الحرارة وتزايد شدة الظواهر المناخية المتطرفة.

ليس التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة وهماً، بل هو ضرورة. لكن المشكلة تبدأ عندما نتصور أن استبدال مصدر الطاقة يمكن أن يتم من دون تغيير حجم الاستهلاك، أو من دون إعادة النظر في أنماط الإنتاج والنقل والعمران والاستثمار. فإذا استبدلنا السيارة التي تعمل بالبنزين بسيارة كهربائية، وأبقينا على ثقافة امتلاك أكثر من سيارة، والقيادة وحدنا كرفاهية، والتنقل أكثر، واستهلاك المزيد من المواد والطاقة، فإننا نكون قد غيّرنا التكنولوجيا أكثر مما غيّرنا النموذج المسبب للكوارث.

كما أن التدرج في الحلول، إذا تحول إلى ذريعة لتأجيل التحول الجذري، قد يصبح جزءاً من المشكلة. وقد جاءت الحروب والأزمات الاقتصادية والتوترات التجارية لتبتلع جزءاً كبيراً من الطموحات المناخية، فيما تحولت الحمائية الاقتصادية إلى منافسة على الأسواق والتكنولوجيا والموارد بدلاً من التعاون الذي تتطلبه أزمة مناخية عالمية. 

فقضية المناخ ليست قضية دولة منفردة. إنها قضية نظام بيئي واقتصادي عالمي لا يمكن لأي دولة أن تنجو من نتائجه وحدها.

عندما يفشل التأمين في إنقاذنا

تكشف الكوارث المتزايدة أيضاً حدود الاعتماد على التأمين كحل للخسائر والأضرار الناجمة عن الكوارث المناخية. 

لقد كان للولايات المتحدة تاريخ طويل من التحفظ على ربط تمويل الخسائر والأضرار بالمسؤولية القانونية والتعويضات الدولية واعتبار أن الحل عند شركات التأمين. لكن المشكلة اليوم تتجاوز الجدل القانوني والسياسي، لأن حجم الخسائر بدأ يضع حتى أنظمة التأمين نفسها أمام حدودها. تكفي الإشارة إلى حرائق لوس أنجلوس في كانون الثاني/يناير 2025. فقد قدّرت شركة KCC المتخصصة في نمذجة مخاطر الكوارث الخسائر المؤمن عليها بنحو 28 مليار دولار، في حين وصلت تقديرات أخرى للخسائر الاقتصادية الإجمالية إلى أكثر من 250 مليار دولار. وقدّرت دراسة لاحقة لـ UCLA خسائر الممتلكات ورأس المال بما بين 76 مليار و131 مليار دولار، مع خسائر مؤمّنة تصل إلى 45 ملياراً. والفارق بين هذه الأرقام ليس خطأً بالضرورة؛ فهو يعكس اختلاف ما يدخل في حساب «الخسارة»: الممتلكات، والتأمين، وانقطاع الأعمال، والصحة، وإعادة الإعمار، والخسائر الاقتصادية غير المباشرة وغيرها…الخ لكن النتيجة السياسية واحدة: التأمين لا يستطيع أن يعوض، كما لا يستطيع أن يعيد العالم إلى ما كان عليه قبل الكارثة.

المسألة أبعد من إعادة توزيع الثروة. نحن بحاجة أيضاً إلى وضع حدود لاستخدام الموارد والاستثمارات التي تستنزفها، وحماية حقوق الأجيال القادمة في الموارد

والأهم أن هذه الأرقام تكشف مشكلة أخرى: كلما أصبحت الكوارث أكثر تكراراً وشدة، تصبح بعض المخاطر غير قابلة للتأمين أو يصبح التأمين باهظاً إلى درجة يستحيل معها على كثير من الناس تحمله.

المياه أيضاً تكشف حدود التكيف

المياه مثال آخر على حدود النموذج الحالي. فالمياه ليست مجرد سلعة يمكن استخدامها بلا حدود وفق القدرة على الدفع. إنها جزء من النظم الإيكولوجية، وشرط للحياة وللزراعة ولصحة المجتمعات واستمرار الأنواع. ومن هنا يجب أن تصبح حماية النظم الإيكولوجية المنتجة للمياه جزءاً أساسياً من سياسات التكيف المناخي، لا مجرد ملحق بالسياسات المائية.

كما أن المياه لا تتوقف عند الحدود السياسية. فالأحواض والأنهار والمياه الجوفية والنظم البيئية المرتبطة بها يمكن أن تكون عابرة للحدود، ولذلك فإن حمايتها تتطلب تعاوناً يتجاوز مفهوم السيادة الوطنية الضيق.

وفي الوقت نفسه، تكشف حرائق لوس أنجلوس حدود البنى التحتية المائية في مواجهة ظواهر لم تُصمّم أصلاً للتعامل مع حجمها. فقد انخفض ضغط المياه وجفّت بعض صنابير الإطفاء خلال الحرائق، ليس لأن لوس أنجلوس «لا تملك المياه» ببساطة، بل لأن شبكات التوزيع المحلية لم تكن مصممة للتعامل مع طلب هائل ومستمر أثناء حرائق واسعة النطاق.

وهنا أيضاً يجب الحذر من التبسيط: لا يمكن اختزال تفاقم حرائق كاليفورنيا في «نقص المياه». فالرياح الشديدة والجفاف والغطاء النباتي الجاف والتوسع العمراني في مناطق معرضة للحرائق وعوامل أخرى تتداخل مع تغير المناخ في صناعة الخطر. أما مشكلة المياه فتكشف في المقابل حدود قدرة البنية التحتية على الاستجابة لحجم الكارثة.

وهذا ينطبق أيضاً على الطاقة. فارتفاع الحرارة والجفاف يمكن أن يؤثرا في توافر المياه اللازمة لبعض أنظمة توليد الطاقة، ومنها التوليد الكهرومائي والتبريد في محطات الطاقة الحرارية والنووية. وتؤكد تقارير IPCC أن فعالية بعض خيارات التكيف في قطاعات المياه والطاقة تتراجع كلما ارتفع الاحترار.

المشكلة في المبالغة

من هنا لا أعتقد أن المشكلة تكمن في التنمية بحد ذاتها، ولا في الرفاهية بمعنى تحسين شروط الحياة، ولا حتى في اقتصاد السوق والمنافسة باعتبارهما مفاهيم مجردة. تبدأ المشكلة عندما تتحول التنمية إلى زيادة دائمة في الاستهلاك، والمنافسة إلى احتكار، والاستثمار إلى استنزاف، والغنى إلى تراكم لا حدود له، والرفاهية إلى حق مفتوح في الاستحواذ على الموارد الطبيعية. فالمنافسة موجودة في الطبيعة، لكن الطبيعة لا تعرف المنافسة الاقتصادية التي تستطيع فيها جهة واحدة أن تستحوذ على مورد محدود وتحرم الآخرين منه. والاستثمار ليس المشكلة في ذاته، بل يصبح مشكلة عندما يتحول إلى استنزاف او استقواء. والغنى ليس المشكلة لمجرد وجوده، بل عندما يتحول إلى قدرة غير متكافئة على الاستحواذ على الموارد وإنتاج النفايات والانبعاثات وتحويل كلفة الأضرار إلى الآخرين.

هنا تصبح قضية المناخ قضية عدالة. فمن حق الإنسان أن يشرب الماء، لكن ليس من حقه أن يتعامل مع المياه العذبة كما لو كانت مورداً ترفيهياً بلا حدود، فيجمعها لملء المسابح الخاصة أو المغاطس أو لري ملاعب الغولف، بينما يعاني آخرون من نقص المياه.

وهذا المثال ليس دعوة إلى إلغاء الرفاهية، بل إلى طرح السؤال الأصعب: أين يجب أن ينتهي حق الفرد في الرفاهية عندما تبدأ حقوق الآخرين وحقوق الأجيال المقبلة؟

من إعادة توزيع الثروة إلى وضع حدود للاستنزاف

لطالما كان الحل الاجتماعي التقليدي لمشكلة عدم المساواة هو إعادة توزيع الثروة.

لكن أزمة المناخ والموارد تطرح سؤالاً إضافياً وربما أكثر جذرية: هل يكفي أن نعيد توزيع الثروة إذا كان النموذج نفسه يقوم على استنزاف الموارد؟

إذا حققت كل شعوب العالم النمط نفسه من الاستهلاك الذي تتمتع به أكثر المجتمعات استهلاكاً للموارد، فهل يستطيع الكوكب تحمل ذلك؟

هنا تصبح المسألة أبعد من إعادة توزيع الثروة. نحن بحاجة أيضاً إلى وضع حدود لاستخدام الموارد والاستثمارات التي تستنزفها، وحماية حقوق الأجيال القادمة، خصوصاً في الموارد الناضبة أو المحدودة أو النادرة، والحفاظ على نوعيتها وسلامتها من التلوث.

وهذا لا يعني الدعوة إلى الفقر، بل إلى التمييز بين الكفاية والترف، وبين الحاجة والتبذير، وبين تحسين نوعية الحياة وزيادة الاستهلاك لمجرد زيادة الاستهلاك.

هل نحتاج إلى إعادة اكتشاف «البخل»؟

قد تبدو الدعوة إلى إعادة إحياء مفهوم «البخل» صادمة.

لكنني لا أقصد البخل بمعناه الأخلاقي السلبي، بل أقصد إعادة تعريفه وتهذيبه: الحرص على الموارد، وعدم تبديدها، وعدم الاستهلاك لمجرد القدرة على الاستهلاك. في المجتمعات التقليدية كانت مفاهيم مثل التبذير والجشع والسفاهة موضع نقد أخلاقي. كان السفيه هو الذي يبدد، والجشع هو الذي لا يشبع، والبخيل هو شديد الحرص على ما يملك.

ربما نحن بحاجة اليوم إلى قلب بعض هذه المفاهيم وإعادة صياغتها في سياق بيئي.

قد يصبح «البخيل» الإيجابي هو من لا يهدر الماء والطاقة والغذاء والمواد.

وقد يصبح «الكريم» هو من يترك نصيباً للآخرين وللأجيال القادمة.

وقد يصبح «الغني» ليس من يملك أكثر، بل المستغني عن اشياء كثيرة، لا بل من يستطيع أن يعيش جيداً من دون أن ينتزع من الطبيعة أكثر مما تحتاجه حياته. 

وقد تصبح الكفاية قيمة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، لا علامة على الفقر. كالشعور بالشبع النفسي  والاخلاقي.

الحكمة قبل الرفاهية

ما ينقصنا اليوم ربما ليس المزيد من المعرفة، بل الحكمة.

فالحكمة لا تعني المعرفة فقط، بل التواضع في المعرفة: التواضع في التفكير والتقييم والتقدير والفعل ورد الفعل، والتواضع في تقدير الذات وقدرتنا على السيطرة على الطبيعة.

الحكمة تعني أن ندرك أن التكنولوجيا لا تجعلنا آلهة. وأن الإنذار المبكر لا يمنع الكارثة دائماً. وأن التأمين لا يعيد الحياة إلى ما كانت عليه. وأن التكيف له حدود. وأن المال لا يستطيع شراء موارد غير موجودة. وأن امتلاك القدرة على استهلاك مورد لا يعني امتلاك الحق الأخلاقي في استنزافه. الحكمة، بهذا المعنى، هي التي تضع السقف للرفاهية.

ليس المطلوب العودة إلى ما قبل الصناعة، ولا رفض التكنولوجيا، ولا الدعوة إلى الفقر. المطلوب هو أن نسأل للمرة الأولى بجدية: كم يكفي؟ أو بما يجب أن نكتفي؟

ليس المطلوب العودة إلى ما قبل الصناعة، ولا رفض التكنولوجيا، ولا الدعوة إلى الفقر. المطلوب هو أن نسأل للمرة الأولى بجدية: كم يكفي؟ أو بما يجب أن نكتفي؟ كم نحتاج من الطاقة؟ كم نحتاج من الماء؟ كم نحتاج من السيارات والمباني والسلع؟ كم نحتاج من استخراج المعادن؟ كم نحتاج من الطيران والسفر والاستهلاك؟ وكم تستطيع الأرض أن تعطي من دون أن ندمر قدرتها على التجدد؟

البخل والتواضع والكفاية: ثلاثية للنجاة

إذا كان القرن الماضي قد بنى اقتصاده على شعار التنمية و«المزيد»، فقد يكون القرن الحالي مضطراً إلى اكتشاف شعار مختلف: الكفاية.

وإذا كانت الرفاهية قد ارتبطت طويلاً بالقدرة على الاستهلاك، فقد نحتاج إلى ربطها مستقبلاً بالقدرة على العيش جيداً بأقل استهلاك ممكن للموارد.

وإذا كان الغنى قد قيس بحجم ما نملك، فقد نحتاج إلى قياسه بحجم ما نستطيع أن نتركه للآخرين.

لذلك قد نكون بحاجة إلى إعادة إحياء ثلاثة مفاهيم، بعد إعادة صياغتها: البخل، والتواضع، والكفاية.

البخل بمعنى عدم التبذير.

والتواضع بمعنى الاعتراف بحدود الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا.

والكفاية بمعنى معرفة متى يصبح «المزيد» أقل قيمة من «ما يكفي».

هذه الثلاثية قد تكون، مجازياً، لسيبة من ثلاثة أرجل التي نحتاج إلى أن نصعد عليها للخروج من الكوارث أو كحاجز للتوقف والتأمل، قبل أن نتخذ قراراتنا الاقتصادية والمناخية. فالمناخ لا يحتاج فقط إلى مزيد من التقنيات والتمويل. إنه يحتاج أيضاً إلى تغيير في القيم.

وربما تكون المعركة المناخية الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست مع ثاني أكسيد الكربون وحده، بل مع فكرة أن الإنسان يستطيع أن يأخذ بلا حدود من عالم محدود.

وإذا لم نغيّر هذه الفكرة، فقد نستمر في بناء أجهزة إنذار أكثر تطوراً، وسدود أكثر ارتفاعاً، وشبكات مياه أكبر، وشركات تأمين أكثر تعقيداً… ونظل مع ذلك نركض خلف الكارثة التي يصنعها نمط حياتنا وننتقل ونتنقل من كارثة إلى أكبر.

لطالما كان الحل الاجتماعي التقليدي لمشكلة عدم المساواة هو إعادة توزيع الثروة.

لكن أزمة المناخ والموارد تطرح سؤالاً إضافياً وربما أكثر جذرية: هل يكفي أن نعيد توزيع الثروة إذا كان النموذج نفسه يقوم على استنزاف الموارد؟

إذا حققت كل شعوب العالم النمط نفسه من الاستهلاك الذي تتمتع به أكثر المجتمعات استهلاكاً للموارد، فهل يستطيع الكوكب تحمل ذلك؟

هنا تصبح المسألة أبعد من إعادة توزيع الثروة. نحن بحاجة أيضاً إلى وضع حدود لاستخدام الموارد والاستثمارات التي تستنزفها، وحماية حقوق الأجيال القادمة، خصوصاً في الموارد الناضبة أو المحدودة أو النادرة، والحفاظ على نوعيتها وسلامتها من التلوث.

وهذا لا يعني الدعوة إلى الفقر، بل إلى التمييز بين الكفاية والترف، وبين الحاجة والتبذير، وبين تحسين نوعية الحياة وزيادة الاستهلاك لمجرد زيادة الاستهلاك.

هل نحتاج إلى إعادة اكتشاف «البخل»؟

قد تبدو الدعوة إلى إعادة إحياء مفهوم «البخل» صادمة.

لكنني لا أقصد البخل بمعناه الأخلاقي السلبي، بل أقصد إعادة تعريفه وتهذيبه: الحرص على الموارد، وعدم تبديدها، وعدم الاستهلاك لمجرد القدرة على الاستهلاك. في المجتمعات التقليدية كانت مفاهيم مثل التبذير والجشع والسفاهة موضع نقد أخلاقي. كان السفيه هو الذي يبدد، والجشع هو الذي لا يشبع، والبخيل هو شديد الحرص على ما يملك.

ربما نحن بحاجة اليوم إلى قلب بعض هذه المفاهيم وإعادة صياغتها في سياق بيئي.

قد يصبح «البخيل» الإيجابي هو من لا يهدر الماء والطاقة والغذاء والمواد.

وقد يصبح «الكريم» هو من يترك نصيباً للآخرين وللأجيال القادمة.

وقد يصبح «الغني» ليس من يملك أكثر، بل المستغني عن اشياء كثيرة، لا بل من يستطيع أن يعيش جيداً من دون أن ينتزع من الطبيعة أكثر مما تحتاجه حياته. 

وقد تصبح الكفاية قيمة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، لا علامة على الفقر. كالشعور بالشبع النفسي  والاخلاقي.

الحكمة قبل الرفاهية

ما ينقصنا اليوم ربما ليس المزيد من المعرفة، بل الحكمة.

فالحكمة لا تعني المعرفة فقط، بل التواضع في المعرفة: التواضع في التفكير والتقييم والتقدير والفعل ورد الفعل، والتواضع في تقدير الذات وقدرتنا على السيطرة على الطبيعة.

الحكمة تعني أن ندرك أن التكنولوجيا لا تجعلنا آلهة. وأن الإنذار المبكر لا يمنع الكارثة دائماً. وأن التأمين لا يعيد الحياة إلى ما كانت عليه. وأن التكيف له حدود. وأن المال لا يستطيع شراء موارد غير موجودة. وأن امتلاك القدرة على استهلاك مورد لا يعني امتلاك الحق الأخلاقي في استنزافه. الحكمة، بهذا المعنى، هي التي تضع السقف للرفاهية.

ليس المطلوب العودة إلى ما قبل الصناعة، ولا رفض التكنولوجيا، ولا الدعوة إلى الفقر. المطلوب هو أن نسأل للمرة الأولى بجدية: كم يكفي؟ أو بما يجب أن نكتفي؟ كم نحتاج من الطاقة؟ كم نحتاج من الماء؟ كم نحتاج من السيارات والمباني والسلع؟ كم نحتاج من استخراج المعادن؟ كم نحتاج من الطيران والسفر والاستهلاك؟ وكم تستطيع الأرض أن تعطي من دون أن ندمر قدرتها على التجدد؟

البخل والتواضع والكفاية: ثلاثية للنجاة

إذا كان القرن الماضي قد بنى اقتصاده على شعار التنمية و«المزيد»، فقد يكون القرن الحالي مضطراً إلى اكتشاف شعار مختلف: الكفاية.

وإذا كانت الرفاهية قد ارتبطت طويلاً بالقدرة على الاستهلاك، فقد نحتاج إلى ربطها مستقبلاً بالقدرة على العيش جيداً بأقل استهلاك ممكن للموارد.

وإذا كان الغنى قد قيس بحجم ما نملك، فقد نحتاج إلى قياسه بحجم ما نستطيع أن نتركه للآخرين.

لذلك قد نكون بحاجة إلى إعادة إحياء ثلاثة مفاهيم، بعد إعادة صياغتها: البخل، والتواضع، والكفاية.

البخل بمعنى عدم التبذير.

والتواضع بمعنى الاعتراف بحدود الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا.

والكفاية بمعنى معرفة متى يصبح «المزيد» أقل قيمة من «ما يكفي».

هذه الثلاثية قد تكون، مجازياً، لسيبة من ثلاثة أرجل التي نحتاج إلى أن نصعد عليها للخروج من الكوارث أو كحاجز للتوقف والتأمل، قبل أن نتخذ قراراتنا الاقتصادية والمناخية. فالمناخ لا يحتاج فقط إلى مزيد من التقنيات والتمويل. إنه يحتاج أيضاً إلى تغيير في القيم.

وربما تكون المعركة المناخية الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست مع ثاني أكسيد الكربون وحده، بل مع فكرة أن الإنسان يستطيع أن يأخذ بلا حدود من عالم محدود.

وإذا لم نغيّر هذه الفكرة، فقد نستمر في بناء أجهزة إنذار أكثر تطوراً، وسدود أكثر ارتفاعاً، وشبكات مياه أكبر، وشركات تأمين أكثر تعقيداً… ونظل مع ذلك نركض خلف الكارثة التي يصنعها نمط حياتنا وننتقل ونتنقل من كارثة إلى أكبر.