أربع أطروحات عن بناء الدولة في لبنان

ماركس ضد سبنسر
العودة إلى الثامن عشر من برومير - 3
أربع أطروحات عن بناء الدولة في لبنان

«لم يعد الثلج هدية من الأعالي. إنه يقع على وجه التحديد في تلك الأماكن المخصصة كمنتجعات شتوية» - جان بودريار

مثل كل شيء في لبنان، تأتي الاحداث في موجات. لكن مؤخرا تركزت الموجات حول موضوع الدولة وهو امر جيد، على الاقل في الشكل. فبعد موجة "بناء الدولة" اتت موجة "الحكومة الذكية" ثم الان توجت بـ"حصرية السلاح". وهي بالطبع كلها أمور طبيعية في دولة طبيعية. لكن لبنان ليس كذلك. فكل هذه الأمور تصطدم بنيويا بالطبيعة الطائفية للدولة اللبنانية، التي استُعمل اتفاق الطائف لتكريسها، وبعجز البورجوازية اللبنانية عن تأدية دورها التاريخي. وكذلك تصطدم آنيا بميكانيزمات حكومة يتضح يوما بعد يوم انها لا تستطيع ولا تريد الخروج من "الخطيئة الاساسية" التي طبعتها كونها مزيجا من التحاصص بين بعض الاحزاب الطائفية، وان تفاوت اشكال تمثيلها، وبين تمثيل لرئيسي الجمهورية والحكومة يتراوح بين بعض الاختصاص وبين التوجه اليميني الاقتصادي. وهذه "الخطيئة الاساسية"  ادت الى اهتزاز الآمال في تغيير سياسي جذري في بداية عهد جديد كان من المفترض ان يبدأ بالتخلي عن اي شكل من اشكال التحاصص الطائفي، وان كان يتلبس بالميثاقية. 

على الرغم من ذلك، فإن البيان الوزاري، الذي يمكن وصفه بالوسطية، تناول الكثير من الامور السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل غير مفصل ويحمل تفسيرات متعددة، وبالتالي كان من الممكن البناء عليه من أجل اقامة سياسات تضع لبنان على سكة الانتعاش الاقتصادي والتغيير السياسي، لكن الامور حتى الان لا تسير بهذا الاتجاه. كما ان موضوع بناء الدولة بالتحديد، الذي شاع منذ العدوان الاسرائيلي الاول على لبنان واستمر بعد العدوان الاخير واصبح يتعلّق بحصر السلاح و"منطق الدولة" كما جاء في تصريح رئيس الوزراء الاخير خلال الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية، فإن البيان الوزاري كان من الممكن ان يكون اطارا للبدء بهذه المسيرة الطويلة، التي تتطلب تغييرات جذرية في الاقتصاد والسياسة، ولكن ايضا لا يبدو ان الحكومة قادرة على ذلك او لديها القدرة او حتى الرغبة السياسية للذهاب ابعد من "حصر السلاح" الذي بالطريقة التي يقارب بها في ظل الحرب يمعن في تدمير الدولة وليس بنائها. 

هل ستكون الدولة الجديدة المنبثقة عن اي توازن جديد استمرارا لدولة الطائف، ام تحديثا لها، ام التوجه الى الدولة العلمانية؟ ام ان الجمهورية الثالثة ستكون اسوأ من الثانية، التي هي اسوأ من الاولى، اي اننا سنكون في مسار انحداري من الاستقلال حتى الان؟

لكن لنعد قليلا الى الوراء، لنرى كيف عادت وظهرت بشكل معمم (ان لم يكن هستيري جماعي) فكرة ان لبنان بحاجة الى بناء الدولة، او على الاقل اعادة بنائها. اذ في الآونة الاخيرة لم يبق احدا في لبنان الا ويريد بناء الدولة، ليس فقط اي دولة، بل الدولة القوية القادرة والفاعلة الخ من الصفات. وحتى الاسواق المالية راهنت في فترة على عودة الدولة الى عملها شبه الطبيعي وذلك عبر ارتفاع اسعار اليوروبوندز على الرغم من ان ذلك خضع ايضا لتأثير السياسات التقشفية والاجتماعية التي تتبعها الدولة والمصرف المركزي في الاونة الاخيرة. وفي ظل الحرب، بدأ التساؤل عن كلفة الحرب الاقتصادية وعن كلفة اعادة الأعمار وعن الموارد اللازمة لاستيعاب النازحين ومن ثم لعودتهم، وكلها أمور بالطبع مهمة جدا (وان كان بعضها ضُخِّم للاستهلاك الداخلي او الخارجي كما حدث في 2006 وفي ازمة النزوح السوري). وفي هذا السياق، جرت محاولات لحشد الموارد على الاقل بشكل اولي، كما قام البنك الدولي بدراسة حول اعادة الاعمار والنهوض بعد الحرب الاولى التي قدرت حاجاتها بنحو 11 مليار دولار. وتباعا بدأ الإعلان بشكل متواتر ان لبنان بحاجة الى بناء او اعادة بناء الدولة لتحقيق اعادة الاعمار هذه. وقد ترافق كل هذا مع الذهاب إلى ما هو أبعد من الاقتصادي البحت، الى مراودة البعض احلام الانقلاب على مسار الطائف، ليس من اليسار بل من اليمين، اي ليس بكيفية انهاء النظام الطائفي في لبنان بل بكيفية اعادة خلط أوراق القوة بين الطوائف او حتى الفيدرالية، وهذا الامر عكس حقيقة ان نظام الطائف لا يزال نظاما مأزوما. 

بالطبع، دولة الطائف دخلت في ازمة قبل هذه الحرب بمدة طويلة وقبل رواج مشروع بناء الدولة، ويمكن توقيت بدء هذه الازمة مع بدايات التشققات الاقتصادية التي حصلت منذ عام 2001 (زيارة رئيس البنك الدولي آنذاك جيمس ولفنسون وحديثه المنقول حول "القارب المثقوب" الذي سيغرق الجميع)، والتي ادت بعد سنة الى انعقاد مؤتمر باريس-2 ومن ثم الخروج السوري، راعي نظام الطائف، في 2005، وصولا الى الازمة الاقتصادية التي انهت فعليا النموذج الاقتصادي القديم، والذي اعتمد عليه الحلف الراسمالي الريعي مع القوى الطائفية، والتي تبعتها سريعا انتفاضة 17 تشرين الاول/ أكتوبر 2019 التي أدخلت النظام الطائفي والاحزاب الطائفية في مأزق سياسي ما فرض على الاحزاب الطائفية ان تحاول الحكم خلف حكومات شبه تكنوقراطية. لكن، وعلى الرغم من هذه الضربات والازمات المتتالية لم يسقط النظام، ولكنه في الوقت نفسه لم يتعاف، وبقي النظام في توازن هش.

اليوم، بالاضافة الى هذا، اتت صدمات خارجية عنيفة من الحروب الاسرائيلية الى سقوط النظام السوري الى "الورقة الاميركية" لحصر السلاح وقرارات الحكومة في 5 اب/ اغسطس 2025 و2 اذار/ مارس 2026، ادت الى دفع النظام اللبناني عن التوازن الهش، وتجلى كما ذكرنا في مرحلة الحرب الاولى بما يمكن ان نسميه المناداة بشبه "الانقلاب" على الطائف، وفي مرحلة ما بعد الحرب وخلال الحرب الثانية الى النزاع حول حصرية السلاح الذي اصبح اكثر واكثر مرتبطا بازمة نظام الطائف. طبعا عندما ينتقل اي نظام من توازن الى اخر، ان في الطبيعة او في المجتمع، من الممكن أن يحصل الكثير. وكيف يبحث النظام عن التوازن الجديد مهم. السؤال يبقى: هل ستكون الدولة الجديدة المنبثقة عن اي توازن جديد استمرارا لدولة الطائف، ام تحديثا لها، ام التوجه الى الدولة العلمانية؟ ام ان الجمهورية الثالثة ستكون اسوأ من الثانية، التي هي اسوأ من الاولى، اي اننا سنكون في مسار انحداري من الاستقلال حتى الان؟ فعلى الرغم من حدوث بعض الصدمات الايجابية في بداية العهد، التي سرعان ما تبددت من خلال سياسات الحكومة على الصعد كافة،  الا ان الامر الاهم ان هناك متطلبات اساسية لبناء الدولة ان كان في نسخة معدلة عن الطائف، او دولة تطبق الطائف، او خارج الطائف كليا. وهذه المتطلبات يتجاهلها الجميع لأنهم، في مواجهة الكثير من الأشياء او الاستحقاقات في لبنان كاعادة الاعمار تعودوا (او انهم يتمنون) ان تسقط الدولة كـ"المن من السماء" وهذا بالطبع لن يحدث. هذه المتطلبات سأضعها بشكل اربع اطروحات حول الدولة. 

الاطروحة الأولى: يجب تفسير الدولة قبل بناءها 

ان بناء الدولة، والدولة المركزية بالتحديد، ليس هدفا نبيلا او اخلاقيا بحد ذاته، بل هو حاجة تاريخية من أجل بناء الراسمالية او الاقتصاد العصري الذي يتيح الفرص للنمو والابتكار والازدهار كما بين على سبيل المثال دارون اسيموغلو وجيمس روبنسون، الفائزين بجائزة نوبل للاقتصاد في 2024، في كتابهم "لماذا تفشل الامم؟" حيث الامم التي تفشل في بناء "الدولة" كالصومال مثلا، تفشل اقتصاديا ايضا. طبعا، في الجانب الآخر هناك اقلية من "الفوضويين الرأسماليين" الذين يعتبرون الدولة شر مطلق يجب التخلص منها ويعتبرون الصومال المجتمع المثالي لانها تخلصت من الدولة وهذا الامر اليوم يحاول ان يمثله، في ظروف مختلفة، الرئيس الارجنتنيني خافيير ميلي حين حمل المنشار الآلي (وتبعه ايلون ماسك) لتمزيق الدولة ومن ضمنها البنك المركزي خلال حملته الانتخابية الاخيرة (يبدو ان هناك في العالم من يريد تدمير الدولة وليس بنائها!). ولكن اليوم يترأى للعالم هشاشة هذا الطرح اليميني الفوضوي بحيث احتاج ميلي لتدخل الدولة وحتى الدولة الاميركية لإنقاذ البيزو الارجنتيني من التدهور، وهذا التصرف يأتي في سياق طويل من "العودة الى كينز" من قبل مناصري الاقتصاد الحر كلما دخل هذا الاقتصاد في ازمة لا يستطيع الخروج منها من دون افكار "مخلص الراسمالية" بامتياز: جون ماينارد كينز. 

اصبح الاتكال على الخارج مرضا مزمنا، وكان هذا مترافقا مع وهم، او محاولة الايهام، ان لبنان بلد فقير، وهو ليس كذلك لا قبل الازمة الاقتصادية الاخيرة ولا حتى بعدها

لنعد الى لبنان حيث اتخذ الخلاف حول الدولة بُعدين اقتصادي وطائفي وتشابك الامران ايضا. اذ ان فكرة الدولة اللبنانية، او بالاحرى الخلاف على الدولة و/او الكيان، تعود الى بدايات ضعف، ثم نهاية الامبراطورية العثمانية والحطام الذي نجم عنها. وقد تجلت بعد الاستقلال في أفكار ميشال شيحا وشارل مالك من اليمين، ومهدي عامل من اليسار حول طبيعة لبنان والدولة وتدخلها في الاقتصاد وطائفيتها. وخلال الحرب طرحت الحركة الوطنية اللبنانية مشروعها الاصلاحي للدولة، او البرنامج المرحلي، وفي المقابل دافعت القوى اليمينية عن سلطة المارونية السياسية وجُوبه البرنامج الاصلاحي خلال الحرب بوثائق "توفيقية" عدّة لعبت سوريا دورا اساسيا في هندستها بدءا من الوثيقة الدستورية عام 76 مرورا بالاتفاق الثلاثي عام 85 وصولا الى اتفاق الطائف في عام 1989. لكن بعد الحرب الاهلية وتسوية الطائف، خف النقاش حول طبيعة الدولة وتم بناء دولة الطائف (اذا ليس صحيحا انه لم يتم بناء الدولة بعد الحرب). في الوقت نفسه القيت جانبا البنود الإصلاحية في اتفاق الطائف، فأستمد النظام قوته و"شرعيته" من التوافق الطائفي ومنطق رأس المال بدلا من تطبيق الطائف. ولكن هذا "السلام الداخلي" لم يدم طويلا. فمنذ بدء تصدعات اعمدة نظام الطائف الاقتصادية وخروج سوريا، دخل لبنان في ازمة نظام الطائف وتشعباته الذي رمم باتفاق الدوحة عام 2008 الى ان اتت انتفاضة 17 تشرين لتسدد ضربة قاصمة له، وان لم تكن قاضية، وأتت الازمة الاقتصادية مترافقة مع ذلك لتنهي النموذج الاقتصادي للتحالف الراسمالي الريعي-الطائفي الذي حكم لبنان منذ 1992. 

اليوم في بانوراما سريعة للافكار الاساسية حول الدولة فإن اليمين لم يعد لديه طموحات نظرية ما عدا بعض الأفكار الهامشية مثل الفدرالية لدى اليمين المتطرف، او غير الواضحة مثل اللامركزية الادارية او المالية لليمين، والاخير ضائع في البحث عن "قوة الاحجام" والخلافات في ما بينه نتيجة دخوله لعبة الطائف. وفي المقلب الاخر، صعدت قوى طائفية او راسمالية اخذت بعدا طائفيا واستفادت من نظام الطائف، أحدها عماده الراسمالية واعادة الاعمار او الحريرية، وثانيها مدفوعا بالخروج من واقع التهميش والحرمان قبل الحرب وبسبب فشل مشروع الحركة الوطنية، الى محاولة استعمال الدولة كأداة توزيعية بدائية. اما اليسار الذي خرج منهكا من الحرب وتداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي، ومستبعدا ذاتيا وموضوعيا عن السلطة وخضع لهجومات من جوانب عدّة من ما يسمى "اليسار المعادي للامبريالية" او يسار الممانعة الذي اعتبر ان المرحلة مرحلة صراع دولي واقليمي وليست مرحلة صراع طبقي او اقتصادي-اجتماعي، وايضا من اليسار "الأربعة عشر آذاري" الذي انشق والذي اعتبر (خطأً) ان اليسار هو من هدم الدولة في الحرب الاهلية، وان بناء الدولة مهما كانت طبيعة هذه الدولة يجب ان يكون الهدف. والاسوأ ما في الأمر ان كلا هذين الجناحين لم يلعبا دورا داخليا في تطوير اليسار وبقيا كملحقين فعليين او دي فاكتو لتيارات غير يسارية. 

انطلاقا من هذه البانوراما السريعة، المطلوب اليوم تحديد اي دولة يجب بناءها ومن هي القوى التي ستبنيها وليس التكرار غير المجدي للحاجة الى بناء الدولة واستعمالها فقط في صراعات قوى دولة الطائف نفسها. 

الاطروحة الثانية: بناء الدولة بحاجة الى موارد

هناك دائما سؤال كان يطرح عند طرح اي مشروع مثل الكهرباء، تسليح الجيش، بناء الطرقات، بناء مترو، اعادة بناء بعد حرب معينة، واليوم بعد الحروب الاخيرة والتدمير العمراني والخسائر الاقتصادية والتهجير: "من أين يأتي المال؟" وعادة يكون الجواب "من المستثمرين ومن الخارج" او من البنك الدولي، او صندوق النقد، او من الأشقاء العرب او الايرانيين الخ، ولكن نادرا ما كان الجواب من الموارد الذاتية، حيث اصبح الاتكال على الخارج مرضا مزمنا، وكان هذا مترافقا مع وهم، او محاولة الايهام، ان لبنان بلد فقير، وهو ليس كذلك لا قبل الازمة الاقتصادية الاخيرة ولا حتى بعدها.

اذا السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الاطار: اذا كان لبنان ليس فقيرا (بلغ الدخل الفردي حوالي 14000 دولار قبل الازمة وطرق لبنان عتبة الدول العالية الدخل)، لماذا لم يكن لديه كهرباء وطرقات ويطلب دائما المساعدات الخارجية لاعادة الاعمار او الإنقاذ المالي كـ"باريس-2". السبب ليس بنيويا او سيكولوجيا (قد يكون تحول الى ذلك ايضا!)، بل يكمن في الاقتصاد السياسي لدولة الطائف وتحديدا بعد 1992، التي اسست لعلاقة غير متوازنة بين الانفاق الحكومي والضرائب وبينه وبين السياسة النقدية لمصرف لبنان التي ادت الى تراكم الدين العام، وشيئا فشيئا تحولت الموازنة العامة الى موازنة حديدية تقشفية ثلثها للاجور وثلثها للدين العام وثلثها للانفاق الجاري، واصبح "بناء الدولة" مرادفا للتوظيف في الدولة على أسس زبائنية ومذهبية وليس بهدف بناء الادارة العامة على الطريقة الشهابية، بل دمرت "الدولة الشهابية"، وتم التخلي عن تراكم رأس المال العام وبدأت مسيرة انهيار المؤسسات العامة والبنى التحتية وصولا الى ازمة 2019.  وكان اولى ضحايا هذه الديناميكية اعادة الاعمار التي انتهت فعليا في عام 1996، وبقيت اهداف خطة اعادة الاعمار الحريرية بدون تحقيق، ومع بروز الازمة المالية للدولة منذ اواخر التسعينيات دخل لبنان مرحلة تسلسل عمليات الإنقاذ المالي واصبحت المساعدات الخارجية والموارد الداخلية تذهب الى منع حصول انهيار نقدي (بدءا من باريس 2) ودفع مستحقات الدين العام التي حملت غالبيتها المصارف اللبنانية.

الدعوة الى بناء الدولة يتطلب ايضا حشد الموارد لبناءها من الداخل، والكف عن ايهام الشعب اللبناني بأن لا بناء للدولة ولا اعادة للاعمار ولا اقتصاد مزدهر من دون الاستثمارات الخارجية، او الاسوأ من ذلك من دون المساعدات الخارجية، وادخال هذا الامر ايضا في صراعات قوى نظام الطائف في ما بينها

وكان الاقتصاد السياسي لنظام الطائف هو الذي ادى الى هذا الوضع من "ندرة " الموارد الداخلية والاعتماد المزمن على الخارج. اذا عدنا الى عام 1992، كان من الواضح ان الدولة اللبنانية كانت بحاجة الى اعادة بناء وكانت الدولة اللبنانية الخارجة من الحرب تخضع لاتفاق الطائف، كما ان الاقتصاد كان بحاجة الى اعادة اعمار. وتم في هذا السياق قيام صفقة كبرى بين الاحزاب الطائفية والراسمال. واصبح بناء الدولة يعتمد من جهة على عجوزات الخزينة المستمرة التي تسبب بها خفض الضرائب على الراسمال والفوائد العالية على سندات الخزينة التي ذهبت فوائدها باكثريتها للراسمال الريعي، وهكذا تم بناء التحالف الطائفي-الراسمالي الريعي مشكلا نموذجا اقتصاديا سياسيا مختلفا عن النظام الطائفي قبل الحرب. اذ اصبح نظام الطائف اكثر عدالة طائفيا ولكن اسوأ اقتصاديا من نظام المارونية السياسية (راجع مقال الطائفية ونهاية الاقتصاد اللبناني). فعندما كانت تحكم بالغالب طائفة واحدة بُنيت راسمالية الى حد كبير منتجة ودولة هزيلة، وان في الفترة الشهابية قوي عودها ومؤسساتها (وتم الانقلاب عليها)، لكنها مع ذلك لم تكن بحاجة الى تمويل عال او كانت كما يقال low-maintenace. ولكن عندما حكمت "الطوائف" مجتمعة بنيت راسمالية ريعية مولت هذه "العدالة الطائفية" من جهة وبنت "الراسمال الريعي" من جهة اخرى، وكان للراسمال الريعي حصة الأسد من هذا التوزيع، واصبحا وجهان لعملة واحدة لدولة تضخمت الى ان نتج عن هذه البنية ديناميكية افضت الى ازمة 2019 والاطاحة بهذا النموذج الاقتصادي القديم ويهدد الان الاسس السياسية له. 

اخيرا، يقال "ان لا تمثيل سياسي بدون ضرائب"، وفي حالة لبنان يمكن القول ان "لا بناء دولة من دون انفاق". فبعد  وصول دولة الطائف الى ازمتها (وحتى قبل ذلك) بدأ الراسمال الخاص والخارج يدخل الى حيز الدولة والعمل العام من التبرع للجيش وبناء الجسور واعمار ما هدم في الحروب، الى أماكن الجلوس في الأماكن العامة والحدائق، الى الانفاق بموازاة او بدل البلديات والقيام باعمالها مثل رفع النفايات وتزويد القرى بالمولدات واماكن تخزين المياه، بالإضافة الى المشاريع الثقافية والترفيهية وبناء دور العبادة وغيرها الخ. والاخطر من ذلك ان الاكثرية تعتبر ان هذا الامر طبيعي. ولكن هذا الامر كان جزء من السياسة التي ادت الى تدمير الدولة وهو خفض الضرائب على الراسمال، والذي بالإضافة الى تكوين الديناميكية السابقة تجلى بما يمكن تلخيصه ب: "نحن لا نفرض الضرائب العالية على ارباحك في الداخل والخارج وانت تنفق جزء من ما كان يجب ان يكون عائدات للدولة على التنمية المحلية وسد الحاجات والمساعدات للفقراء الخ، ومقابل ذلك تربح مواقع سياسية واخلاقية وعائلية، في مجتمعك المحلي وفي لبنان". وكانت هذه "مساومة" ضمنية نتيجتها ربح-ربح للراسمال والاحزاب الطائفية وخسارة لبناء الدولة وخسارة في النهاية حتى للمواطن "المستفيد" الذي تحول الى "تابع" وليس الى مواطن، وهو ما يدفع الكثيرين من المتعلمين والشباب الى الانسحاب من الحياة العامة، وحتى الى الهجرة، وهذا ما حدث بعد اخفاق انتفاضة 17 تشرين، فتتدمر الدولة اكثر، وهذه هي الحلقة المفرغة التي يجب كسرها اذا أردنا فعلا ان نبني دولة. 

اذا اليوم الدعوة الى بناء الدولة يتطلب ايضا حشد الموارد لبناءها من الداخل، والكف عن ايهام الشعب اللبناني بأن لا بناء للدولة ولا اعادة للاعمار ولا اقتصاد مزدهر من دون الاستثمارات الخارجية، او الاسوأ من ذلك من دون المساعدات الخارجية، وادخال هذا الامر ايضا في صراعات قوى نظام الطائف في ما بينها. 

الاطروحة الثالثة: الدولة الطائفية هي دولة ضد الدولة

بعد اتفاق الطائف بدأ يتسلل رويدا رويدا الى الخطاب السياسي بعض المفاهيم التي تتطابق مع فكرة اللادولة (او anti-state) مثل "المكونات اللبنانية" و"البيئة الحاضنة" و"جمهور حزب ما" و"اهل طائفة معينة" وغيرها، التي تعبر عن سيطرة الخاص على العام. واصبح من المُسّلم به، او اعتبر طبيعيا، ان تعمل الاحزاب السياسية ضمن هذه الخاصيات لتمثلها في السياسة والاقتصاد والمجتمع. وارتفعت "سياسة الهوية" الى مستوى اعلى من سياسات طبقية او اجتماعية. ومن هنا يمكن فهم هذه المفاهيم كما انتشار شعارات مثل "لا يشبهوننا" او "الكل يعيش في منطقته بقوانينه وعاداته"، كأرهاصات صراع هوياتي ثقافي يدمر او ينخر أسس بناء الدولة. وفي الآونة الاخيرة برز مثالين صارخين على ذلك: الاول عند تشكيل الحكومة الاخيرة، والثاني موضوع حصر السلاح في يد الدولة. والامران هما بالطبع سياسيان بامتياز، كما يقال، وبالتالي يخضعان للصراع السياسي. ففي الموضوع الاول هذا يحصل في اية دولة تشكل بها الحكومات وخصوصا عند عدم وجود اكثرية واضحة، وفي الموضوع الثاني في الدول التي تواجه هكذا معضلة كما حصل مؤخرا في دول مثل أيرلندا الشمالية وكولومبيا وبعيد الحرب العالمية الثانية. ولكن هذا حدث ويحدث في أغلب الاحيان من دون ان يشكل اي منهما، على خطورته، تهديدا لاسس الدولة. ولكن في لبنان هذا الامران في اخذهما للبعد الطائفي يهددان اسسها او في حدها الادنى كفاءة عملها او الى شللها.

حصر السلاح في يد الدولة يجب ان يرتبط فعليا بسياسة دفاعية تأخذ في حساباتها الاحتلال والاعتداءات والتهديدات الاسرائيلية وتسليح عصري للجيش ودمج المجتمع في الدفاع وغيرها من متطلبات الدفاع كملاجئ السكان وغيرها، وهو موضوع قابل للحل، كما حل في الكثير من الدول (عبر حوار جدي وليس عبر قرارات متسرعة كما يحدث الان في لبنان او عبر الخضوع لاملاءات العدو

ففي الموضوع الاول، كان غريبا كيف ان الصراع او النقاش حول من يتولى وزارة المالية اصبح يتعلق بسيطرة، او عدم سيطرة، طائفة او حزب على المساعدات المالية الخارجية، واصبح الامر متعلقا ايضا بمن يريد امضاءا ثالثا يحجز لنفسه مقعدا خاصا في السلطة التنفيذية، وبالمقابل كان هناك من لا يريد أن تمر المساعدات الخارجية عبر وزير من طرف يعتبر معادي للاطراف التي من المفترض انها ستساعد لبنان، وهكذا دواليك دار النقاش حتى الغثيان بدل ان يكون حول ما هي السياسات المالية والضرائبية التي يجب ان تتبع ومن أين ستأتي الموارد لبناء الدولة ولاعادة الاعمار وكلها كانت عند تشكيل الحكومة، ولا تزال، امور ملحة، الا انها القيت جانبا في سبيل صراعات طائفية ما يجعل الدولة الطائفية دولة ضد الدولة. وبالتالي، فإن مجيء وزيرا من الثنائي واجه اعتراضا اوليا (ثم قبلوا بالمشاركة في الحكومة معه) لم يكن بسبب اراءه الاقتصادية او المالية لان هذا الامر لم يكن في صلب النقاش، وانما النقاش او التعليقات كانت حول من يمثل الوزير المحتمل واية طائفة تسيطر على الوزارة بغض النظر عن سياساتها، وهي الوزارة التي هي أساس اعادة توزيع الثروة والدخل في اي بلد، وأساس حشد الموارد للتنمية والتدخل في الاقتصاد، وفي حالة لبنان اليوم اعادة الاعمار.

اما في الموضوع الثاني، وهو حصر السلاح في يد الدولة، فإن نقاشه امر طبيعي بعد فترة مقاومة او حرب داخلية، تحول من موضوع سياسي شائك، يجب ان يرتبط فعليا بسياسة دفاعية تأخذ في حساباتها الاحتلال والاعتداءات والتهديدات الاسرائيلية وتسليح عصري للجيش ودمج المجتمع في الدفاع وغيرها من متطلبات الدفاع كملاجئ السكان وغيرها (انظر الى ما تفعله فنلندا)، وهو موضوع قابل للحل، كما حل في الكثير من الدول (عبر حوار جدي وليس عبر قرارات متسرعة كما يحدث الان في لبنان او عبر الخضوع لاملاءات العدو)، بدأ يتحول في بعض جوانبه الى صراع حول الميثاقية او السلطة النسبية للطوائف في الدولة والذي "حلها" ليس سهلا بسهولة "حصرية السلاح" في دولة غير طائفية، حيث تُأخذ المصالح العليا للدولة، بالإضافة، طبعا، الى تناقضات القوى السياسية عند الدخول في عملية كهذه وصولا الى نزع فتيل او اسباب وجود هذا السلاح خارج الدولة. ان هذا الامر وتحوله الى صراع هوياتي وحول جوهر الوطن، بدلا ان يكون حول المقاومة والسيادة الفعلية والسياسة الدفاعية، يجعل من الواضح جدا ان الدولة الطائفية، على الاقل بشكلها الحالي وبصراعاتها التي لا تنتهي، هي دولة ضد الدولة. 

الاطروحة الرابعة: الدولة بحاجة الى طبقة تقودها

بعد الحرب الاهلية كانت كل الطبقات منهكة، كما الطوائف، واتى الى لبنان راسماليا صاعدا من خارج هذه التشكيلات المتقادمة، وحاول اقامة راسمالية جديدة، وتم خلق طبقة راسمالية ريعية لتقودها. وكما رأينا لم تصدر هذه الطبقة من الفراغ بل وُلدت في اتون الاقتصاد السياسي لنظام الطائف. وادى النموذج الاقتصادي لما بعد الحرب الى الاستهلاك المرتفع، والنفقات الحكومية المرتفعة، والضرائب المنخفضة على رأس المال، وانخفاض التضخم (عبر السياسات النقدية المتشددة وقمع النقابات العمالية وكبح الأجور)، وتمويل العجز التجاري عن طريق التدفقات الخارجية، وإلى التراكم المفرط في القطاع المصرفي، والأنشطة التجارية، والمقاولين والموظفين الباحثين عن الريع، والتوظيف غيرالنظامي في الدولة، وهجرة العمال المهرة، والبطالة، وانخفاض الإنتاجية، وتراجع التصنيع. طبعا الامر كما ذكرنا وكما يعلم الجميع انتهى الى ازمة كبيرة وانتهى النموذج القديم ومعه انتهت الطبقة الراسمالية الريعية.  

لو وقفت البورجوازية مع الحركة الوطنية وبرنامجها الاصلاحي لكان لبنان على الارجح اليوم بلدا ديمقراطيا راسماليا متقدما، ولكنها اختارت غير ذلك، وبعد اتفاق الطائف ذهبت الى اقصى حد في الدفاع عن القديم وتشابك الراسمال مع الدولة الطائفية، التي ابّدت العلاقات القديمة. فهل سيتغير ذلك اليوم؟

اليوم لا يبدو ان هناك طبقة راسمالية جديدة ستقود الى نموذج اقتصادي جديد او ستنجح في الاختبارات الثلاثة لاي طبقة راسمالية حقيقية، والتي فشلت الراسمالية الريعية فيها. الاول، تحدثنا عنه وهو ما يمكن تسميته "اختبار الكلفة"، اي دفع كلفة بناء الدولة (واليوم وغدا اعادة الاعمار) من الضرائب، وهو الامر الذي لا تزال البورجوازية ترفض ان تدفعه وهو ما يتبين من موازنات حكومة سلام والتقشف الذي تتبعه وفرض الضرائب غير المباشرة مثل زيادة ال tva والضرائب على المحروقات. اما الاختبار الثاني فهو "اختبار البيان الشيوعي" او "اختبار ماركس وانجلز"، وهو اختبار تطوير القوى المنتجة وتثوير الاقتصاد، فكما ذكر ماركس وانجلز "البرجوازية لا تستطيع البقاء بدون أن تُـثـوِّر باستمرار أدوات الإنتاج، وبالتالي علاقات الإنتاج المجتمعية. بخلاف ذلك، كان الحفاظ على نمط الإنتاج القديم، بدون تبديل، الشرط الأول لبقاء كل الطبقات الصناعية السالفة. وهذا الإنقلاب المتواصل في الإنتاج، وهذا التزعزع الدائم في كل الأوضاع المجتمعية، والقلق والتحرك الدائمان، هذا كله يميّز عصر البرجوازية عمّا سبقه من عصور. فالعلاقات الجامدة الصَّدئة مع ما يستتبعها من تصوُّرات وأفكار قديمة موقّرة، تتفكك كلها، وكل جديد ينشأ يهرم قبل أن يصلُب عوده، والتقسيم الفئوي القائم يتبدد هباء، وكل ما هو مقدّس يدنّس، والناس يُجبرون في النهاية على التفرّس في وضعهم المعيشي، وفي علاقاتهم المتبادلة بأعين بصيرة". وهنا كان فشل الراسمالية الريعية مذهلا. والتحدي كبير اليوم امام اي طبقة راسمالية جديدة. فهل ستستطيع ان تطور الصناعة والتكنولوجيا وقوى الانتاج بشكل عام؟ حتى الان لا يبدو ذلك خارج اطار الكلام العام حول النمو الاقتصادي والاعتماد على القطاع الخاص الخ. الاختبار الثالث وهو متفرع عن الثاني، الذي يمكن تسميته ايضا "اختبار ميلانوفيش" نسبة الى برانكو ميلانوفيش الذي قال ان الشيوعية في بعض الدول قضت على العلاقات التقليدية القديمة مما اتاح المجال لتطور الراسمالية. في لبنان، فشلت الراسمالية اللبنانية في ذلك قبل الحرب الاهلية وخلالها وبعدها. فخلال الحرب لو وقفت البورجوازية مع الحركة الوطنية وبرنامجها الاصلاحي لكان لبنان على الارجح اليوم بلدا ديمقراطيا راسماليا متقدما، ولكنها اختارت غير ذلك، وبعد اتفاق الطائف ذهبت الى اقصى حد في الدفاع عن القديم وتشابك الراسمال مع الدولة الطائفية، التي ابّدت العلاقات القديمة. فهل سيتغير ذلك اليوم؟

الجمهورية الثالثة الى الاسوأ؟

في مقالتين عشية الانتفاضة بعنوان "العودة الى الثامن عشر من برومير" و"العودة الى الثامن عشر من برومير (2)"، طرحت فيهما ازمة الاقتصاد اللبناني ومصالح الطبقات الراسمالية التي انتجتها ودور الدولة الطائفية وتماهيها مع هؤلاء الراسماليين الذين " يتسابقون إلى أخذ موقعهم الرثّ في قمة مجتمع البورجوازية اللبنانية". 

لقد كانت الانتفاضة أملا ضد هذا القدر المحتوم حيث السياسة هي سجينة الطوائف ولا تأتي ثمارها الا هناك.  في هذا السجن الما-بعد-حداثي، تلاقي اغلبية الاحزاب قدرها المحتوم في الدفاع عن "طائفتها"، وان حاول بعضها تفاديه بكونها عقائدية (دينية او علمانية)، او تسعى براغماتيا الى العلمنة. في هذا الاطار، كان هذا قدر حزب الله عندما وقف ضد الانتفاضة مدفوعا بمطحنة نظام الطائف، ولكنه بوقفته المتشددة هذه، لم يكن يمثل نفسه فقط بل مثّل موضوعيا (وللمفارقة بالنسبة اليه اليوم) كل أطراف النظام الطائفي التي ارتعبت من احتمال التغيير وسقوط حكم الاحزاب الطائفية بالكامل بعد سقوط جناحها الراسمالي الريعي.

طبعا، يمكن ابقاء كل شيء على ما هو عليه، والنظام اللبناني لديه مقدرة هائلة على اعادة انتاج نفسه، ولكن على المنوال نفسه ينطلق من توازن الى توازن اقل كفاءة وتقدما من السابق. بالتالي نحن ما زلنا بحاجة الى التغيير وحتى بعض أطراف النظام يدرك ذلك. في خطابه امام البرلمان خلال جلسة الثقة للحكومة تحدث رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل عن الحاجة الى توحيد القصص اللبنانية المختلفة. كان خطابا جيدا ومنفتحا ولكن ايضا كدليل على قوة الطائفية على هدم كل ما يمكن ان يبني الدولة انزلق خطاب الجميل والكتائب مؤخرا الى تفريق القصص اللبنانية بدلا من توحيدها. ولكن حتى لا يبقى الخطاب في "البنى الفوقية" حيث الأمل ان تتوحد القصص فيما بينها بقدرة غيبية ويكون ايضا ضحية قدره المحتوم، علينا ان نبني القواعد المادية لـ"توحيد القصص" في الاقتصاد كما في بعض نواحي البنى الفوقية نفسها في السياسة والدستور والنظام. الفرصة اليوم هي فعلا لبناء الدولة لكن الترديد الببغائي حول "بناء الدولة" لن يفيد شيئا ولن يقدم مشروع بناء الدولة الى الامام بل يعيقه. نحن بحاجة الى معركة ايديولوجية حول مفهوم بناء الدولة ونحن بحاجة الى تغيير في الفكر الاقتصادي لتحقيق ذلك كما بحاجة لطبقة تقودها. البديل لهذا السجن والقدر والتاريخ الدوري هي فعلا الدولة وهي الدولة التي تُدخل لبنان فعليا الى الحداثة الحقيقية والتقدم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وفعليا الى التاريخ. والوصول إليها يتطلب طريقا صعبا بكل متطلباته الفكرية والسياسية والدستورية والاقتصادية التي لا يمكن القفز فوقها. هذا هو رهان هذه السنوات الحاسمة من المئوية الثانية.

    غسان ديبة

    أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). تتركّز أبحاثه حول الاقتصاد السياسي والاقتصاد الماركسي وتأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي.