تاريخٌ لاقتصاد الطاقة
- مراجعة لكتاب دانييلا روس، «الطبيعة العاملة: تاريخٌ لاقتصاد الطاقة»، تشرح كيف تحوّلت الظواهر الطبيعية المختلفة إلى فئة واحدة قابلة للقياس والمقارنة والاستغلال تحت اسم «الطاقة». ومن خلال تتبّع تشكّل هذا المفهوم والبنى التحتية والمعايير التي جعلته ممكناً، يطرح الكتاب سؤالاً أعمق: هل يكفي استبدال الوقود الأحفوري بمصادر أنظف، أم أن مواجهة الأزمة البيئية تتطلّب أيضاً إعادة التفكير في الطريقة التي تنظّم بها المجتمعات علاقتها بالطبيعة بوصفها مورداً للعمل والنمو؟
تُحاجج الدراسات الماركسية بأنه، في ظل النظام الرأسمالي، يجب أولاً تجريد عوامل الإنتاج من سياقها الاجتماعي والطبيعي لتحقيق فائض القيمة. وتبدأ دانييلا روس، في كتابها «الطبيعة العاملة»، بتفكيك فكرة الطبيعيَّة الظاهرية للطاقة نفسها. تكتب أن «البشر لا يملكون إحساساً طبيعياً بالطاقة» (27). فالحرارة والضَّوء والحركة والفحم والمياه الهاطلة والكهرباء لا تُدرك كفئة فينومينولوجية واحدة. إنما تُصبح «طاقة» فقط من خلال التجريد: من خلال العمل الفعلي والفكري الذي يجعل العمليات الطبيعية المختلفة قابلة للمقارنة من حيث قدرتها على إنجاز العمل.
بهذا المعنى، الطاقة ليست مادة فيزيائية ولا مجرد فكرة - بل هي علاقة عملية بين المجتمع والطبيعة. وبدلاً من تقديم تاريخ تقليدي لاستخدام الطاقة، تُقدِّم روس تاريخاً نقدياً لمفهوم الطاقة وللبنى التحتية التي تُجبر الطبيعة على العمل.
الطاقة كمفهوم
هذا الكتاب عملٌ في الإبستمولوجيا المادية التاريخية. فهو يدرس كيف كافح علماء الوقود ومختصُّو الهندسة الكهربائية وخبراء اقتصاديات الطاقة، في ممارساتهم العلمية، لجعل الظواهر الطبيعية تؤدي عملاً منتظماً وقابلاً للمقارنة. والتعامل مع الطبيعة من منظور الطاقة يعني التعامل مع عناصر متباينة ظاهرياً بشكل راديكالي - كالأنهار والبشر والرياح والفحم - كما لو كانت قابلة للتبادل في استغلالها للإنتاج.
تُقدِّم روس شرحاً كاشفاً للانتقال من مفهوم «قوى الطبيعة» إلى مفهوم «مصادر الطاقة». وهذا التحول، الذي بدأ في القرن التاسع عشر، ليس مجرَّد تحول دلالي. فقد كانت لغة القوة في السابق تُشير إلى قوى فاعلة وجامحة ومستقلة في الطبيعة. وفي المقابل، تُشير «مصادر الطاقة» إلى مخزون من الطاقة المحرِّكة التي يُمكن استخراجها وتحويلها واستخدامها. ويُمثِّل هذا التغيير تحولاً أوسع نطاقاً، حيث لم تَعُد قوى الطبيعة في المقام الأول قوىً يُتفاوض معها، بل موارد تُشَيَّئ وتُنمَّط وتُوجَّه.
الطبيعة تقاوم التشيؤ
تستند روس إلى مفهوم الديالكتيك السلبي عند أدورنو. بالنسبة إلى هيغل، يتجه الديالكتيك نحو نوع من التوفيق: حيث تتطوَّر التناقضات ثم تُتَوسَّط وتُدمَج في شكل أَسمى للكُلِّي. لكن أدورنو، من ناحية أخرى، يرتاب في مثل هذه النتائج «الإيجابية». إن ديالكتيكه سلبي: فهو لا يسعى إلى الوصول إلى التوليفة بسرعة كبيرة. يبقى الأمر في حالة تناقض، وذلك ليس لأن أدورنو متشائم، بل لأن الواقع نفسه متناقض ومعطوب وعنيف وظالم.
ويُعَدُّ مفهوم اللا-هوية جوهرياً هنا، إذ يُجسِّد رؤية أدورنو للصراع بين المصطلح والموضوع. المصطلحات ضرورية، لكن الموضوعات لا تُستنفَد أبداً بالمصطلحات التي نُسمِّيها بها. وعندما نقول «طاقة»، يبدو الأمر واضحاً وعالمياً وطبيعياً. لكن هذا المفهوم يشمل أشياء كثيرة ومختلفة. ويتساءل الديالكتيك السلبي: ما الذي نفقده عندما نُضمِّن كل هذا تحت مفهوم واحد؟ ماذا يقول هذا المفهوم، وماذا يُخفِي؟
هذه تحديداً الثيمة الرئيسة للفصلين الثالث والرابع، اللذين يستكشفان مقاومة الفحم والكهرباء. فغالبًا ما يُعامل الفحم كمخزون من الطاقة، كما لو أن قيمته تكمن بطبيعتها في المادة القابلة للاحتراق نفسها. لكن روس تُعقِّد هذه النظرة بتوضيحها كيف أن الفحم غير متجانس وغير مستقر ومحلي للغاية في تكوينه المادي. وتختلف جودته عبر الطبقات والمناجم والمناطق. وتنخفض قيمته الحرارية من خلال الأكسدة والتخزين. ويعتمد احتراقه على الأفران وتدفُّق الهواء والضغط ودرجة الحرارة والظروف التقنية. وما يبدو أنه القيمة الحرارية للفحم هو في الواقع قيمة تُحدَّد من خلال المعايير والتصنيفات والإجراءات المختبرية والعقود التجارية وبنية النقل التحتية وأعراف السوق. وبتعبير فوكو، تُنتَج هذه القيمة من خلال الخطاب.
ومع ذلك، فإن مادية الفحم تُزعزع هذا التجريد. فهو يتغيَّر ويتداعى ويحترق ويقاوم التخزين، ويرفض أن يكون مخزوناً مُطيعاً. تُبيِّن روس ببراعة أن التسليع لا يُفرَض ببساطة على المادة الخاملة. فالطبيعة تُجَرُّ إلى التجريد الرأسمالي، ولكن ليس من دون بقايا. وإذا كان الفحم يحتفظ بآثار مرئية لأصله المادي، فإن الكهرباء تقترب من شكل عالمي ومُنقَّى ومُسلَّع للغاية من الطاقة. لكن روس تُبين أن الكهرباء أيضاً ليست مورداً طبيعياً مُعطى. في الطبيعة، لا تتجلَّى الظواهر الكهربائية إلا كأحداث نادرة وغير مستقرة ومراوغة للشحن والتفريغ. فلا يوجد تيار كهربائي مستقر إلا داخل الأنظمة التقنية: الدوائر والمولِّدات والموصِّلات والشبكات والبنى التحتية التنظيمية. ولذلك، تُخلق الكهرباء اجتماعياً، وإن لم يكن ذلك في ظل ظروف مختارة بحرية.
هذا ما يجعل الكهرباء شكلاً كاشفاً من أشكال «الطبيعة العاملة». ولأنها بالتحديد تبدو نظيفة ومرنة، فإنها تعتمد على أنظمة كثيفة للوساطة التقنية: محطات مركزية وشبكات حَضَرية وتوسُّع شركاتي وتنظيم دولتي وتزامن للإنتاج والاستهلاك. ومع ذلك، تؤكد روس هنا أيضاً على المقاومة. فلا يستطيع الرأسماليون التلاعب بالكهرباء كما يحلو لهم. يجب أن تستجيب الأنظمة الكهربائية للخصائص المادية للتيار والمقاومة والحمل والنقل واستقرار الشبكات. وتقول روس إن «الطاقة والمقاومة مترابطتان» (46)، وتطور رؤيتها الديالكتيكية المركزية: إن محاولة السيطرة على الطبيعة لا تلغي مقاومتها قط، بل تعيد تنظيمها وإزاحتها. وتُذكِّرنا هذه الرؤية بتحليل كيت كروفورد للعمل البشري وغير البشري ضمن أنظمة الذكاء الاصطناعي
السياسة الكامنة في الكيلووات-ساعة
ينتقل الفصل الأخير إلى إحصاءات الطاقة وموازناتها. هنا، تُبيِّن روس كيف أصبح اقتصاد الطاقة قابلاً للحكم من خلال الأرقام. وتجعل موازنات الطاقة الفحم والنفط والغاز والطاقة الكهرومائية والطاقة النووية والكهرباء قابلة للمقارنة ضمن إطار مُحَاسبي واحد. وتُمكِّن هذه النماذج الحكومات والشركات والمنظمات الدولية، مثل «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، من تصوُّر بدائل لمصادر الطاقة ونمذَجَة الطلب المستقبلي وتخطيط الاستثمار. (وقد برزت أهمية ذلك بشكل خاص بعد صدمات أسعار النفط في سبعينيات القرن العشرين). إلا أن هذه المقارنة ليست محايدة، بل تعتمد على الخيارات المنهجية المتعلقة بتعريف الطاقة وكيفية حساب التحويلات والاختلافات التي تُبرَز أو تُخفى.
يُعَدَّ هذا الفصل وثيق الصلة بسياسات المناخ المعاصرة: فموازين الطاقة والنماذج المتكاملة تُشكِّل محوراً أساسياً في تصوُّر سيناريوهات إزالة الكربون اليوم. ولا تقترح روس ببساطة رفض هذه الأدوات، بل تُبيِّن أنها أدوات حوكمة مُنتَجَة تاريخياً. وشأن جميع النماذج، فإن الخلط بينها وبين الواقع الذي تُمثِّله متوقَّع. فهي لا تصف اقتصاد الطاقة فحسب، بل تُشكِّل أيضاً ما يعتبره صانعو السياسات والمستثمرون والمؤسسات ممكناً. وتُوسِّع هذه الرؤى نطاق بحث ماتياسشميلزر حول الإنتاج الخطابي لمفهوم «النمو الاقتصادي»، والذي لعبت فيه «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» دوراً محورياً.
تختتم روس حديثها بالقول إن اقتصاد الطاقة ذو طبيعة تاريخية، ولكنه يبدو الآن شبه طبيعي. ففي ظل الاغتراب الرأسمالي، يُضفى على قانون التراكم طابع غامض باعتباره قانوناً طبيعياً. ومع ذلك، تتجنَّب روس النقد السلبي البحت، إذ تُقر بأن مفهوم الطاقة كان له أيضاً بُعد تقدمي. فقد مَكَّن، لا سيما في بدايات الاتحاد السوفيتي، من تخيُّل الوفرة والتخطيط الديمقراطي والتخفيف من عبء العمل المرهق وأشكال جديدة للحياة الجماعية. وتكمن المشكلة في أن التحرر لا يمكن أن يُقاس بوحدات الطاقة. فالإنتاجية والتعلُّق المفرط بتحول الطاقة، في نظر روس، طريقان مسدودان.
الطاقة كطريقة للنظر
يشير كتاب «الطبيعة العاملة» إلى أن أزمة المناخ لا يمكن معالجتها بمجرد تغيير مصادر الطاقة. فإلى جانب التخلي عن حتمية النمو، يتطلب الأمر إعادة النظر بعمق في المفاهيم التي تدرك المجتمعات الحديثة الطبيعة من خلالها. فكما أن «النمو» و«الاقتصاد» ليسا شكلين طبيعيين بل تاريخيين، كذلك «الطاقة» هي طريقة للنظر إلى العالم وتنظيمه.
بالنسبة إلى علماء الإيكولوجيا السياسية والإيكو-ماركسية والتاريخ الإيكولوجي والنظرية النقدية، يُعَدُّ «الطبيعة العاملة» مساهمة كبيرة. فهو يعمِّق المناقشات حول الرأسمالية (أو الرأسماليات) الأحفورية من خلال تحويل الاهتمام من أنواع معينة من الوقود إلى الفئة التي تجعل الوقود والتيارات والعمليات الطبيعية قابلة للمقارنة مع الطاقة. كما يحذرنا من أن تحولاً أخضرَ يترك مفهوم الطاقة من دون مساس قد يعيد إنتاج العلاقات الآلية وغير المستدامة نفسها داخل شبكةالحياة.
ينجح كتاب روس في إظهار أن الطاقة لها تاريخ، ويمكن أن يكون لها مستقبل مختلف. وإذا لم يكن اقتصاد الطاقة طبيعياً، فإن الأشكال الاجتماعية التي تنظمه ليست كذلك. ولهذا، فإن التحول الإيكولوجي الحقيقي يجب أن يعني أيضاً إعادة التفكير في العلاقة بين الطبيعة والعمل والحياة الاجتماعية - أي وسيلة وغرض النموذج الإيكولوجي الجديد.
نُشِر هذا المقال في 1 تموز/يوليو 2026 في LSE بموجب رخصة المشاع الإبداعي.