كيف موّل العمّال «البونزي» اللبناني؟

كيف موّل العمّال «البونزي» اللبناني؟

لم يكن تعويض نهاية الخدمة في لبنان مجرّد مدخرات للشيخوخة، بل استخدم  فعلياً كأحد خزانات التمويل الأساسية للنظام المالي اللبناني.

لسنوات، اقتُطع 8.5% من أجور العمال على أساس أنها أموال مضمونة تُحفظ لعقود قبل أن تُعاد إليهم عند التقاعد. لكن بدل حماية هذه المدخرات، جرى ضخّها داخل النموذج المالي نفسه الذي انهار لاحقاً. وكانت النتيجة كارثية بحيث تراجعت القيمة الفعلية لصندوق تعويض نهاية الخدمة بين عامَي 2019 و2025 من نحو 10 مليارات دولار إلى حوالى 715 مليون دولار فقط. ما يعني أن أكثر من 90% من قيمة مدخرات العمال تبخّرت.  

من هنا، لم يعد السؤال كيف خسر الصندوق أمواله، بل لماذا كانت مدخرات العمال أصلاً في قلب الانهيار المالي اللبناني؟

كيف موّل العمّال «البونزي» اللبناني؟

1. كيف يعمل صندوق نهاية الخدمة أصلاً؟

في معظم أنظمة التقاعد، تُراكَم اشتراكات العمال وتُستثمر على مدى طويل بهدف الحفاظ على قيمتها حتى الشيخوخة. يقتطع العامل جزءاً من دخله اليوم كي يحظى بحماية مستقبلية عندما يفقد قدرته على العمل. 

في لبنان، يقوم فرع تعويض نهاية الخدمة بهذا الدور بشكل بدائي. يدفع أصحاب العمل ما يوازي 8.5% من أجور موظفيهم إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، على أن يستعيد العامل عند نهاية خدمته ما يعادل أجر شهر عن كل سنة عمل. لكن هذا النظام يفترض شرطين أساسيين: استقراراً اقتصادياً نسبياً وسياسة استثمار تحمي المدخرات من المخاطر الكبرى. وفي الواقع، لم يتحقق أي منهما.

2. كيف دخلت مدخرات العمال إلى البونزي اللبناني؟

بدلاً من توزيع استثمارات فرع تعويض نهاية الخدمة على أصول متنوعة للحد من المخاطر، ركّز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي معظم أمواله داخل القطاع المالي اللبناني نفسه. فلم تتجاوز الاستثمارات العقارية، وهي الاستثمار الوحيد تقريباً خارج النظام المالي، نحو 1% من إجمالي أصول الصندوق، فيما وُظِّفت الغالبية الساحقة من الأموال في سندات الخزينة والودائع المصرفية بالليرة اللبنانية المرتبطة بمصرف لبنان.

لم يكن هذا التركز نتيجة سوء إدارة استثمارية فحسب، بل كان انعكاساً للدور الذي أدّاه الصندوق داخل النموذج المالي اللبناني. فالقانون يسمح للضمان الاجتماعي بالاستثمار في أربعة مجالات رئيسية: سندات الخزينة اللبنانية، والأصول العقارية، والقروض المقدّمة للهيئات العامة، وقروض الإسكان للمشتركين والموظفين المدنيين. وفي ظل أسعار الفائدة المرتفعة التي كانت تقدمها الدولة، جرى التعامل مع سندات الخزينة بوصفها الاستثمار الأكثر جاذبية نظراً لارتفاع أسعار الفائدة.

احتاج النظام إلى تدفقات مالية جديدة من الدولار للبقاء، ولكنه كان يحتاج أيضاً إلى ضبط السيولة النقدية بالليرة اللبنانية لتثبيت سعرها في مقابل الدولار. عمل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كأداة لامتصاص السيولة المحلية ووضع أموال المضمونين كخط دفاع أول عن سعر الصرف. فمن خلال شراء سندات الخزانة، موّل الصندوق ديون الدولة، وحوّلها إلى سيولة نقدية لدفع فواتير الحكومة ومدفوعات الفائدة ورواتب الموظفين. وعلى مستوى القطاع المصرفي، أعفت ودائع الصندوق بالليرة البنوك التجارية من بيع دولاراتها لشراء الليرة التي قد يحتاجها عملاؤها، ما سمح لها بالتركيز كلياً على جذب الدولار الأميركي الأجنبي اللازم لمنع انهيار هذا النظام الهرمي وتثبيت سعر الصرف.

هكذا استُخدمت مدخرات المؤسسات العامة وشبه العامة، وفي مقدمتها أموال الضمان الاجتماعي، كأحد مصادر التمويل الدائمة للنظام المالي. وبدلاً من أن تُدار هذه الأموال بما يخدم مصالح العمال ويحفظ حقوقهم المستقبلية، جرى توظيفها في دعم نموذج استفادت منه بصورة غير متناسبة المصارف وكبار المودعين والفئات الأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الريعي.

3. ماذا حدث عندما انهارت الليرة؟

عندما انهار سعر الصرف بعد 2019، لم يكن صندوق نهاية الخدمة يمتلك حماية فعلية لأن معظم أصوله كانت بالليرة اللبنانية، انهارت القيمة الفعلية لهذه المدخرات مع انهيار العملة. وتحوّل ما كان يساوي نحو 10 مليارات دولار إلى أقل من مليار دولار خلال بضعة أشهر.

انخفضت قيمة التعويضات المدفوعة بشكل حاد في أعقاب الأزمة من 579.1 مليون دولار في عام 2019 إلى متوسط ​​حوالي 75.6 مليون دولار سنوياً بين عامي 2020 و2025، أي بانخفاض ​​قدره 87%. وقد وصل عدد مطالبات نهاية الخدمة بين عامي 2020 و2023 حوالي 42,701 مطالبة، بينما انخفض متوسط ​​قيمتها إلى 1,288 دولار للفرد خلال تلك الفترة.

عملياً، خسر الصندوق لأنه كان منكشفاً بالكامل تقريباً على العملة التي انهارت. فالصندوق الذي يفترض أن يحمي العمال من مخاطر الشيخوخة، كان هو نفسه رهينة أكثر أجزاء الاقتصاد اللبناني هشاشة.

4. كيف أصبح صندوق العمال ممولاً لباقي فروع الضمان؟

لم تقتصر خسائر صندوق نهاية الخدمة على انهيار الليرة. فعلى مدى سنوات، استُخدمت أموال الصندوق لسد عجوزات فروع أخرى داخل الضمان الاجتماعي نفسه، خصوصاً فرع المرض والأمومة.  وبدل معالجة أسباب العجز جذرياً، جرى تمويله عبر الاقتراض من مدخرات نهاية الخدمة. 

راكم فرع المرض والأمومة عجزاً متواصلاً بلغ ذروته عام 2019 بحوالي 2.2 تريليون ليرة، أي قرابة 1.4 مليار دولار. مُوِّل هذا العجز عبر سلفات داخلية واقتراض من فرع تعويض نهاية الخدمة. انسحب النمط نفسه على فرع التقديمات العائلية، الذي سجّل عجوزات متكررة جرى تغطيتها بالطريقة ذاتها من مدّخرات تعويض نهاية الخدمة.

هكذا تحوّل الصندوق تدريجياً إلى خزّان سيولة للضمان، ومصدر تمويل داخلي دائم، وآلية غير معلنة لتغطية عجز الدولة والنظام الصحي. أي أن الأموال التي كان يفترض أن تُحفظ لعقود من أجل تقاعد العمال، استُخدمت عملياً لتمويل أزمات آنية داخل الدولة.

5. كيف موّل العمّال الدولة أيضاً؟

الدولة نفسها راكمت ديوناً ضخمة تجاه الضمان الاجتماعي من دون أن تسددها. في فرع المرض والأمومة مثلاً، بلغت القيمة الدولارية لمستحقات الضمان على الدولة نحو 1.8 مليار دولار عام 2019. وبحلول 2025، أصبحت هذه القيمة الفعلية حوالى 23 مليون دولار فقط بعد انهيار الليرة. وتكرر الأمر نفسه داخل فرع تعويض نهاية الخدمة. 

بمعنى آخر، لم تكتفِ الدولة بعدم حماية مدخرات العمال، بل استخدمت انهيار العملة لمحو معظم ديونها تجاه الضمان. وهنا تظهر إحدى أهم آليات نقل الخسائر في لبنان بعد الأزمة. بدل تحميل المصارف كلفة الانهيار، جرى تحميلها فعلياً للعمال والمضمونين عبر تدمير القيمة الفعلية لمدخراتهم.

كيف موّل العمّال «البونزي» اللبناني؟

6. لماذا لا يشبه وضع الضمان وضع المصارف؟

بعد الانهيار، طالبت المصارف بأن تتحمل الدولة خسائرها بحجة أنها أقرَضت مصرف لبنان والدولة. لكن حالة الضمان مختلفة جذرياً. المصارف اختارت المخاطرة مقابل فوائد مرتفعة. أما الضمان الاجتماعي، فوظيفته الأساسية ليست المضاربة أو الإقراض، بل حماية مدخرات العمال. ومع ذلك، جرى دفعه قسراً نحو تمويل الدولة والنظام المالي.  

لهذا تصبح المفارقة السياسية واضحة: الدولة تناقش اليوم كيفية تعويض المصارف، لكنها لا تطرح فعلياً استعادة القيمة التي خسرها العمال داخل الضمان الاجتماعي.

7. هل يحلّ نظام التقاعد الجديد المشكلة؟

نظرياً، يشكّل قانون التقاعد الجديد خطوة أكثر تطوراً من نظام تعويض نهاية الخدمة الحالي. فهو يقوم على معاش شهري دائم بدل دفعة واحدة تتآكل قيمتها مع التضخم.  لكن المشكلة أن الإصلاح جاء بعد انهيار القاعدة المالية للصندوق نفسه. أي أن النظام الجديد، الذي لا يزال ينتظر مراسيمه تطبيقية، قد يكون مصمماً بطريقة أفضل، لكن الأموال التي يفترض أن تؤسس له تبخّرت أصلاً. لهذا تبدو أزمة الضمان اليوم أكبر من مجرد أزمة إدارة أو إصلاح تقني. إنها تكشف كيف استُخدمت الحماية الاجتماعية نفسها كأداة لتمويل النموذج المالي اللبناني. وعندما انهار هذا النموذج، تُرك العمّال وحدهم لتحمّل الخسارة.

    أنيس الجرماني

    طبيب متخصّص في الطبّ الداخلي وباحث في سياسات الأنظمة الصحّية