معاينة carbon emissions

إزالة الكربون من رأس المال: 3 سياسات من أجل انتقال بيئي عادل

تركّز معظم الدراسات حول عدم المساواة المناخية على استهلاك الأفراد، فتقيس من يحرّك الانبعاثات عبر السفر والتدفئة والنظام الغذائي. لكن هذه المقاربة تغفل المحرّك الأعمق لأزمة المناخ، وهو الملكيّة. 

ليست كداسة الكربون في الاقتصاد العالمي مسألة أنماط حياة فحسب، بل مسألة مَن يملك رأس المال الذي يحرق الوقود، ويستخرج المعادن، ويموّل توسّع الصناعات عالية الانبعاثات. يُظهر تقرير مختبر عدم المساواة العالمي أنّ أعلى 1% ثراءً من سكّان العالم مسؤولون عن أكثر من 41% من الانبعاثات المرتبطة بملكيّة رأس المال الخاص، وهي نسبة تقارب 3 أضعاف بصمتهم الكربونية المحسوبة على أساس الاستهلاك والبالغة 15%. يعيد هذا الاكتشاف تأطير تغيّر المناخ بوصفه أزمة تركّز لرأس المال.

بينما يتحمّل أفقر نصف سكّان العالم العبء الأكبر من التدمير البيئي، يسيطر أغنى 10% على 75% من مجمل الأصول العالمية، وهي الأصول التي ترسم مسار الكوكب. وإذا واصلت هذه الشريحة الضيّقة امتلاك وتمويل التحوّل الأخضر، فقد ننتهي إلى عالم منزوع الكربون ولكنه أشدّ لا مساواة. وبحسب الاتجاهات الراهنة، سيتحمّل أفقر 50% من البشر نحو 74% من الخسائر النسبية في الدخل بحلول 2050 نتيجة آثار المناخ، في حين لن يخسر أغنى 10% سوى 3% فقط، إذ تدمّر الكوارث المناخية الأصول المادية وتضغط على المداخيل وتنهك المالية العامة، خصوصاً في البلدان الأفقر. لذلك لا تكمن المعضلة في خفض الانبعاثات وحده، بل في تغيير من يملك السلطة على الانبعاثات.

تقترح السياسات البنيوية الثلاث التالية خريطة طريق لربط العمل المناخي بالعدالة الاجتماعية.

أولاً، وقف توسّع رأس المال الأحفوري عبر حظر عالمي على الاستثمارات الجديدة

يمثّل وقف الاستثمارات الجديدة في الوقود الأحفوري الطريق الأكثر مباشرة لكبح الانبعاثات وتراكم الثروة الأحفورية معاً. فعلى الرغم من التعهّدات الدولية بالتخلّي عن الفحم والنفط والغاز، يجري تطوير أكثر من 200 مشروع استخراج وأكثر من 850 منجم فحم في العالم. وحدها الانبعاثات المنبعثة من هذه المشاريع تتجاوز الميزانية الكربونية المتبقية المتوافقة مع هدف 1.7 درجة مئوية. لا يدفع هذا التناقض جهلٌ بالبيانات، بل صلابة المصالح المالية الراسخة؛ فالمستثمرون المؤسسيون وصناديق الثروة السيادية والأفراد ذوو الدخل المرتفع، المتمركزون في الشمال العالمي، يواصلون ضخّ رأس المال في مشاريع تضمن أرباحاً سريعة بينما تقيّد المجتمعات في عقود من الارتهان الكربوني. عملياً، تستورد البلدان مرتفعة الدخل ما يمكن تسميته انبعاثات قائمة على الملكية، إذ يمتلك مستثمروها أصولاً ملوِّثة في الخارج حتى وهم يزيلون الكربون في بلادهم.

يقطع حظرٌ عالمي على الاستثمارات الأحفورية هذا النمط من منابعه. فهو يمنع تدفق رأس مال جديد نحو الاستخراج والتكرير والبنى التحتية المرتبطة، فيجمّد نمو الأصول الأحفورية. لا حاجة إلى انتظار اتفاق شامل؛ إذ تستطيع البرلمانات الوطنية سنّ حظر داخلي ومنع المقيمين والشركات من تمويل مشاريع أحفورية في الخارج. وقد ظهرت سوابق بالفعل، حيث ألغت حكومات الدنمارك والبرتغال وأيرلندا تراخيص حفر جديدة وبدأت إنهاء حقوق الاستكشاف.

ولكي يكون الحظر فعّالاً، لا بدّ من شفافية مالية على مستوى جديد. تتنقّل الاستثمارات الأحفورية عبر هياكل شركات معقّدة ومراكز مالية خارجية تجعل تتبّع الملكية شبه مستحيل، كما يمرّ نحو 70% من تمويل الوقود الأحفوري الصادر عن أكبر المصارف عبر الملاذات الضريبية، ما يحجب المساءلة. يكشف إنشاء سجلات مالية عمومية المستفيدين الفعليين، وتشديد واجبات العناية الواجبة على الوسطاء، وفرض تقارير «اختراق كامل» على مستوى مستودعات الأوراق المالية المركزية، يتيح للجهات التنظيمية تطبيق القيود وكشف الفاعلين وراء الانبعاثات العالمية.

يسرّع الحظر الاستثماري إزالة الكربون ويحدّ من عدم المساواة أيضاً. فعندما يُمنَع المستثمرون الأكثر ثراءً من جني عوائد التوسّع الأحفوري، وهي عوائد تُستخلص غالباً من أرض الجنوب العالمي وعمّاله ونُظمه البيئية، ينتقل العبء الأخلاقي والمادي للانتقال الطاقي إلى من يتحمّل المسؤولية الأكبر عن الأزمة.

1

ثانياً، تدفيع الأثرياء ثمن التلوّث عبر ضريبة على المحتوى الكربوني للثروة

تستهدف ضرائب الكربون التقليدية الاستهلاك لا الملكيّة، فهي ترفع كلفة الوقود والتدفئة والنقل على الأسر وتترك المحافظ المالية التي تموّل الصناعات المحرّكة للأزمة بلا مساس. ونتيجة لذلك، يتحمّل ذوو الدخل المنخفض العبء الأكبر، بينما يبقى الأثرياء، الذين تولّد استثماراتهم انبعاثات أعلى بكثير، بمنأى نسبياً. إن نقل التركيز من الاستهلاك إلى الملكيّة يعيد تعريف منطق الضرائب المناخية، بحيث يدفع من يربح من التلوّث كلفة معالجته.

تساهم ضريبة على المحتوى الكربوني للثروة في إنجاز هذا التحوّل. فهي لا تُفرض على ما يشتريه الناس، بل على ما يملكونه، بحسب كثافة الانبعاثات في أصولهم. فكلّما ارتفعت كثافة الكربون في محفظة الأصول، مثل حصص النفط والغاز والإسمنت والصناعات الثقيلة، ارتفع المعدّل الضريبي. وتُظهر التقديرات أنه عند فرض رسم بقيمة 150 يورو/طن ثاني أكسيد الكربون يمكن تحصيل نحو 36 مليار يورو في فرنسا، و74 ملياراً في ألمانيا، و534 مليار دولار في الولايات المتحدة سنوياً. يمكن توجيه العائدات لتمويل البنى التحتية منخفضة الكربون، ودعم التكيّف في المناطق الهشّة، وتعويض الأسر التي تواجه ارتفاعاً في كلف الطاقة.

على خلاف تسعير الكربون التقليدي، تُعدّ ضريبة الكربون على الثروة تصاعدية، فهي تستهدف أساساً أعلى 1% من حاملي الأصول، إذ تكون محافظهم أكبر وأكثر كثافة كربونية. في المقابل، يقع عبء ضرائب الكربون الاستهلاكية عادةً على نصف السكان الأدنى دخلاً، الذين يستهلكون ويتسببون بانبعاثات أقل أساساً. إضافةً إلى ذلك، يستطيع المستثمرون إعادة تشكيل محافظهم بسرعة أكبر بكثير من قدرة الأسر على تغيير أنماط استهلاكها الأساسية، ما يجعل هذه الضريبة أكثر عادلة وفاعلية في إعادة توجيه رأس المال بعيداً من الصناعات الأحفورية.

يتطلّب التطبيق مستوى شفافية مشابهاً لما يتطلّبه الحظر الاستثماري: إفصاح المؤسسات المالية عن البصمة الكربونية للأصول التي تديرها، وإتاحة بيانات الملكية للسلطات الضريبية. وهذه التدابير ممكنة تقنياً اليوم، فتنظيمات الإفصاح المالي المستدام في الاتحاد الأوروبي وتطوّر المحاسبة المناخية يوفّران أساساً لتتبّع منهجي لانبعاثات الأصول.

عندما تربط الحكومات السياسة المالية بالأثر المناخي للثروة، تتحوّل الضرائب إلى رافعة مزدوجة للإزالة الكربونية وإعادة التوزيع. تجعل ضريبة الثروة الكربونية الأثرياء يدفعون ثمن التلوّث الذي يموّلونه، وتعيد محاذاة النظام الاستثماري بأكمله نحو مستقبل منخفض الكربون لا تقوم فيه توليد الثروة على تدمير البيئة.

2

ثالثاً، استرداد الانتقال عبر الاستثمار العام والملكية المشتركة

لا يستطيع السوق وحده قيادة إزالة الكربون. فإذا جرى تمويل الانتقال وامتلاكه أساساً من قِبل المستثمرين الخاصّين، يخاطر العالم باستبدال رأس المال الأحفوري بـ «أوليغارشية خضراء». قد تتبدّل التقنيات، لكن بنية اللامساواة تبقى إذ تتكدّس الأرباح لدى نخبة عالمية صغيرة. تُظهر التوقّعات أنه إذا امتلك الأثرياء عملية التحوّل إلى الطاقة النظيفة ومَوّلوها، فقد ترتفع حصتهم من الثروة العالمية من 38% إلى 46% بحلول العام 2050. في المقابل، إذا جرى تمويل الاستثمارات المناخية وامتلاكها عمومياً، قد تنخفض حصة أعلى 1% إلى 26%. لذلك سيحدّد سؤال الملكيّة في الانتقال الأخضر درجة حرارة الكوكب والتوزيع المستقبلي للقوّة والازدهار.

يضمن انتقالٌ تقوده الدول وتشارك ملكيته أن تُوزَّع منافع التحوّل بدل أن تُحتكر. ويعني ذلك تمويل الطاقة المتجدّدة وكهربة النقل والبنى الإيكولوجية عبر الاستثمار العام وصناديق سيادية خضراء ونماذج ملكيّة تعاونية. تاريخياً، أدّت الحكومات أدوار مشابهة من إعادة الإعمار بعد الحروب إلى الثورات الرقمية والفضائية، إذ موّلت المؤسسات العامة الابتكارات البعيدة المدى وعالية المخاطر. ينطبق المنطق نفسه اليوم، عندما تتصرّف الدول كمستثمر أول، تُسرّع التحوّل، وتُشكّل الأسواق، وتؤمّن السيطرة الاستراتيجية على القطاعات الأساسية.

يبلغ حجم الاستثمار المطلوب مستوى هائلاً، يتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً حتى العام 2050. تساعد الملكيّة العامة على تلبية هذا الاحتياج بكفاءة أكبر مما يقدر عليه رأس المال الخاص المتشظّي، فالدول تقترض عموماً بكلف أقل، وتستطيع توجيه الاستثمار نحو أهداف جماعية لا أرباح قصيرة الأجل. في البلدان مرتفعة الدخل، يمكن أن يتخذ ذلك شكل مصارف وطنية للاستثمار الأخضر تُموَّل عبر ضرائب تصاعدية على الثروة والكربون. أمّا في الاقتصادات النامية، فتغدو القروض الميسّرة وإعادة هيكلة الديون وإصلاح قواعد الائتمان الدولية ضرورية لتمكين الدول من الاستثمار بشروطها. يشكّل الانتقال من تصنيفات ائتمانية «مرتكزة إلى المخاطر» إلى أخرى «مرتكزة إلى الفرص»، تعترف بالاستقرار المالي طويل الأمد الذي تخلقه البنى التحتية الخضراء، رافعة تمكّن الجنوب العالمي من قيادة انتقاله الخاص.

في الوقت نفسه، تُمكّن الملكيّة المشتركة، مثل مرافق البلديات وشركات الطاقة التعاونية ومشاريع الطاقة الشمسية المجتمعية، من تعميم فوائد الانتقال. فهذه النماذج تُبقي العائدات داخل الاقتصادات المحلية، وتبني شرعية اجتماعية للسياسة المناخية، وتمنع خصخصة المنافع العامة كالكهرباء والماء. في أوروبا، يسرّع استرداد قدر من السيطرة العمومية على شبكات الكهرباء والبنى التحتية للشبكات عملية إزالة الكربون، ويحمي المستهلكين من تقلبات الأسعار المضاربية.

يعني استرداد الانتقال أيضاً حماية القطاع العام من الدعاوى الخاصة. فقد أتاحت آليات تسوية نزاعات المستثمر والدولة في معاهدات الاستثمار لشركات الوقود الأحفوري مقاضاة الحكومات على خطط التخلص من الفحم والنفط والمطالبة بمليارات الدولارات من التعويضات. يصبح إصلاح هذه الآليات أو الانسحاب منها، كما فعل الاتحاد الأوروبي مع معاهدة ميثاق الطاقة، خطوة حاسمة لمنع سلطة الشركات من تعطيل السياسة المناخية.

يحوّل انتقالٌ تقوده الدولة وتملكه الجماعات عملية إزالة الكربون من مصدر لعدم المساواة إلى أداة لإعادة التوزيع. وحين تعيد المجتمعات بناء قدرتها العامة وتستردّ قطاعاتها الاستراتيجية، فإنها تضمن أن يقوّي التحوّل إلى اقتصاد منخفض الكربون الديمقراطية الإقتصادية بدل أن يعزز تركّز رأس المال.

3