من فجوة الانبعاثات إلى فاتورة الكوارث
ما هي كلفة التأخّر في إنقاذ المناخ؟
من فجوة الانبعاثات إلى فاتورة الكوارث واستنزاف الطبيعة: العالم لا يواجه أزمة مناخية فحسب، بل أزمة في ترتيب أولوياته الاقتصادية وفي حساب كلفة ما يدمّره وما يفشل في حمايته.
في تقريره الجديد، «نقطة العودة» (The Point of Return)، لا يعلن برنامج الأمم المتحدة للبيئة استحالة إنقاذ الهدف المناخي، بل يترك باب العودة مفتوحاً. لكن ما يستحق التوقّف عنده ليس الأمل وحده، بل الثمن الذي قد يتوجّب على العالم دفعه كي يصبح هذا الأمل واقعاً.
فقد بات تجاوز عتبة الاحترار البالغة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية متوقّعاً في المدى القريب. وللحدّ من حجم هذا التجاوز ومدّته، ثمّ العودة إلى مستوى 1.5 درجة مئوية أو دونه بحلول نهاية القرن، يحدّد التقرير مساراً يتطلّب خفض الانبعاثات العالمية من غازات الدفيئة بنسبة 18% بحلول عام 2030، و45% بحلول 2035، و69% بحلول 2040، بالمقارنة مع مستويات عام 2025. أما التنفيذ الكامل للتعهدات المناخية الحالية، فلا يكفي لخفض الانبعاثات إلا بنسبة 5% إلى 8% بحلول 2030، و11% إلى 15% بحلول 2035، ما يضع العالم على مسار احترار يبلغ نحو 2.6 درجة مئوية. وبحسب السياسات الحالية، قد يصل الاحترار إلى نحو 2.8 درجة.
هذه ليست فجوة حسابية بين هدف ونتيجة متوقّعة. إنها فجوة بين ما يقتضيه تجنّب الأخطار وما يفعله العالم فعلياً. وهي أيضاً فجوة زمنية: كلما تأخّر الخفض العميق للانبعاثات، ازدادت صعوبة المهمة، وارتفعت الحاجة إلى إزالة كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وهي عملية لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلّق بالحجم والكلفة والقدرة على التنفيذ.
والأهم أن العودة إلى مستوى حراري معين لا تعني العودة إلى العالم الذي كان قائماً قبل تجاوزه. فبعض الأضرار قد يستمر، وبعض النظم البيئية قد لا يستعيد حالته السابقة، وبعض الخسائر البشرية والاقتصادية لا يمكن تعويضها بمجرّد تحسّن المؤشّرات المناخية لاحقاً.
فكم ستكلّفنا محاولة العودة، وكم نخسر في كل سنة نؤجّل فيها التحرّك؟
أولاً: فاتورة الكوارث أكبر ممّا تقوله الأرقام المتداولة
حين نتحدّث عن كلفة الكوارث المناخية، غالباً ما نبدأ بقيمة الممتلكات المتضرّرة والمبالغ التي تدفعها شركات التأمين. لكن هذه الأرقام، على أهمّيتها، لا ترسم الصورة كاملة.
وفق تقديرات معهد «سويس ري»، بلغت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية في عام 2025 نحو 220 مليار دولار، منها 107 مليارات دولار خسائر مؤمّنة. وقد بلغت الخسائر الاقتصادية للكوارث الطبيعية في 2024 نحو 327 مليار دولار. وهذه خسائر سنوية متقلّبة، تتأثّر بنوع الكوارث ومواقعها وحجم الأصول المعرّضة لها؛ لذلك لا يجوز التعامل مع التراجع بين العامين بوصفه دليلاً على تراجع الخطر نفسه.
لكن تقرير التقييم العالمي للحد من مخاطر الكوارث لعام 2025 الصادر عن مكتب الأمم المتّحدة للحدّ من مخاطر الكوارث (UNDRR) يذهب أبعد من الحسابات التقليدية. فبينما تدور التقديرات المتداولة للخسائر الاقتصادية المباشرة حول 202 مليار دولار سنوياً، يقدّر التقرير أن الأثر الاقتصادي الأوسع للكوارث يتجاوز 2.3 تريليون دولار سنوياً، عند احتساب الآثار المتسلسلة، وتعطل سلاسل الإمداد، وتدهور النظم البيئية، وغيرها من الأضرار غير المباشرة.
ليس الرقم الثاني تقديراً للخسائر المناخية وحدها؛ فهو يشمل الأثر الاقتصادي الأوسع للكوارث بمختلف أسبابها. لكن أهمّيته تكمن في كشف ما لا تظهره الفواتير المباشرة: حين يتضرّر ميناء أو طريق أو مصدر مياه، لا تقتصر الخسارة على تكلفة إصلاح المنشأة. تتأثر التجارة والإنتاج، وقد ترتفع أسعار السلع، وتتراجع مداخيل الأسر، وتتراكم الديون، وتضطر الحكومات إلى تحويل الأموال من التعليم والصحة والخدمات العامة إلى الاستجابة الطارئة وإعادة الإعمار. وهكذا تتحوّل الكارثة إلى سلسلة من الخسائر التي قد تستمر آثارها سنوات، حتى بعد زوال الحدث الذي أطلقها أو تسبّب بها.
الأثر الاقتصادي الأوسع للكوارث يتجاوز 2.3 تريليون دولار سنوياً، عند احتساب الآثار المتسلسلة، وتعطل سلاسل الإمداد، وتدهور النظم البيئية، وغيرها من الأضرار غير المباشرة
المفارقة أن بعض هذه التكاليف لا يُسجل أصلاً تحت بند «الخسائر المناخية». فقد يظهر في حسابات الحكومات على شكل زيادة في الدين العام، أو تراجع في النمو، أو ارتفاع في أسعار الغذاء، أو تدهور في الأمن المائي، أو خسارة في فرص العمل. لكن تغير اسم الخسارة في دفاتر المحاسبة لا يغيّر حقيقتها الاقتصادية. ولا يعني ذلك أن كل كارثة طبيعية سببها تغيّر المناخ؛ فالأسباب تختلف بين الظواهر، كما تتداخل معها عوامل التعرض والضعف والتخطيط العمراني وإدارة الأراضي والمياه. إلا أن الاحترار يزيد مخاطر كثير من الظواهر المتطرّفة، فيما تحدّد السياسات العامة مدى تعرّض المجتمعات لأضرارها وقدرتها على مواجهتها.
ثانياً: عندما تمحو الكارثة سنوات من التنمية
لا تتوزّع الخسائر بالتساوي بين الدول، ولا تتساوى القدرة على التعافي منها. فالدولة الغنية قد تعيد بناء بنية تحتية متضرّرة عبر الاقتراض والتأمين والاستثمار العام. أما الدولة ذات الموارد المحدودة فقد تجد نفسها أمام خيار قاس: إصلاح الطرق وشبكات المياه والمرافق الصحّية، أم تمويل خدمات أساسية كانت تعاني أصلاً من نقص الموارد؟
وفي المجتمعات الأشد هشاشة، قد لا تكون الخسارة مجرد مبانٍ مهدّمة أو محاصيل تالفة، بل فقدان مصدر الدخل، أو اضطرار السكان إلى مغادرة مناطقهم، أو تراجع فرص الأطفال في التعليم، أو استنزاف المدّخرات التي تحتاج إليها الأسر لمواجهة الأزمات التالية.
لهذا ينبغي ألا نقيس كلفة الكارثة بالدولار وحده، بل أيضاً بنسبة الخسائر إلى الناتج المحلي الإجمالي، وإلى موازنات الدولة، وإلى دخل الأسر، وإلى قدرتها على التعافي. فخسارة بمليار دولار قد تكون قابلة للاحتواء في اقتصاد كبير ومتنوع، لكنها قد تترك أثراً أعمق بكثير في اقتصاد صغير أو هش.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: الدول والمجتمعات التي تملك موارد أقل للتكيف والتعافي تكون، في حالات كثيرة، أقل قدرة على تمويل الوقاية قبل وقوع الكارثة. فتدخل في حلقة مفرغة: ضعف الموارد يزيد التعرض للخطر، والخطر يلتهم الموارد، والخسائر تقلل القدرة على الاستثمار في الحماية. وهذه ليست مسألة إنسانية فقط، بل مسألة اقتصادية بامتياز. فكلما تأخّر الاستثمار في الوقاية، ارتفعت احتمالات أن تتحوّل الأموال التي كان يمكن استخدامها لتطوير الاقتصاد والخدمات إلى نفقات طارئة لا تنتج تنمية جديدة، بل تحاول إعادة ما كان موجوداً.
ثالثاً: هل نحسب كلفة الخسارة أم كلفة منعها؟
تتعامل السياسات الاقتصادية التقليدية مع الإنفاق الوقائي أحياناً باعتباره كلفة حاضرة، فيما تبقى المنافع المتوقعة في المستقبل أقل وضوحاً في الموازنات. أما الكارثة، فتفرض نفسها فجأة، وتستدعي الإنفاق الفوري، حتى عندما تكون كلفته أكبر من كلفة الوقاية التي أُهملت. لكن هذا المنطق يقلب ترتيب الحسابات. فالوقاية ليست مجرد نفقات إضافية، بل استثمار في تجنّب الخسائر، وحماية البنية التحتية، واستقرار الإنتاج، وضمان استمرار الخدمات. ولا يعني ذلك أن كل مشروع يوصف بأنه «مشروع حماية» مجدٍ اقتصادياً؛ بل ينبغي إخضاع الاستثمارات لتقييم علمي وشفّاف للمخاطر، وللآثار الاجتماعية والبيئية، وللكلفة على امتداد عمر المشروع.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا ننتظر حتى تتحوّل المخاطر إلى أضرار مؤكّدة كي نعترف بكلفتها، فيما نتردّد في تخصيص الموارد لتقليل احتمال وقوعها؟
يكتسب هذا السؤال أهمّية خاصة مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المناخية والموارد المتاحة للدول النامية. فوفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلغ التمويل المناخي الذي قدّمته الدول المتقدّمة وحشدته للدول النامية 136.7 مليار دولار في عام 2024، متجاوزاً للمرة الثالثة على التوالي هدف 100 مليار دولار سنوياً.
الدول والمجتمعات التي تملك موارد أقل للتكيف والتعافي تكون، في حالات كثيرة، أقل قدرة على تمويل الوقاية قبل وقوع الكارثة. فتدخل في حلقة مفرغة: ضعف الموارد يزيد التعرض للخطر، والخطر يلتهم الموارد، والخسائر تقلل القدرة على الاستثمار في الحماية
هذا تطوّر مهم، لكنه لا يعني أن مشكلة التمويل قد حُلّت. فبلوغ الهدف القديم (قمة كوبنهاغن 2009) لا يثبت كفاية الأموال لتلبية الاحتياجات الفعلية، ولا يضمن وصولها إلى البلدان والمجتمعات الأكثر تعرّضاً للخطر، ولا يحسم مسألة شروط التمويل وتوزيعه بين التخفيف من الانبعاثات والتكيف مع آثار المناخ. كما أن التمويل المقدم والمُعبّأ ليس كله منحاً؛ إذ يشمل قروضاً وأشكالاً مختلفة من التمويل العام والخاص. والفرق جوهري بالنسبة إلى البلدان المثقلة بالديون: فالمساعدة التي تأتي في صورة قرض قد توفر مورداً ضرورياً اليوم، لكنها تفرض التزاماً مالياً في المستقبل، في حين أن التكيّف وحماية السكان قد لا ينتجان عائداً تجارياً مباشراً يكفي لسداد القرض.
لذلك، لا يكفي أن نسأل كم بلغ التمويل المناخي، بل ينبغي أن نسأل: كم منه وصل فعلياً إلى التكيّف وحماية المجتمعات؟ وهل لا يزال يعتبر كتعويض؟ وما نسبة المنح إلى القروض؟ وهل يتناسب مع حجم الخسائر والاحتياجات؟ ومن يتحمّل الكلفة عندما تعجز الدولة المتضررة عن تمويل الوقاية أو التعافي؟
رابعاً: الطبيعة ليست أصلاً مالياً يمكن استبداله دائماً
تكمن إحدى مشكلات الحساب الاقتصادي في أنه يميل إلى إعطاء الأشياء قيمة عندما تدخل السوق، أو عندما يمكن تحديد تكلفة إصلاحها. لكن كثيراً من وظائف الطبيعة لا يمكن اختزالها في سعر، ولا يمكن استعادتها بالضرورة بعد تدميرها. ولذلك نطرح دائماً السؤال التالي: من يستطيع تحديد حجم خسارة انقراض أنواع في الطبيعة بسبب تغيّر المناخ وزيادة الاحترار؟
كما أن الغابات ليست مجرد مخزون من الأخشاب أو مساحة يمكن تعويضها بزراعة أشجار في مكان آخر. إنها أنظمة حيّة تنظم دورات المياه والكربون، وتحمي التربة، وتؤوي أنواعاً كثيرة، وتدعم سبل عيش المجتمعات. ولا تعني إعادة التشجير، في كل الحالات، استعادة النظام البيئي الذي دُمّر؛ فالمكان والأنواع والتربة والتفاعلات البيولوجية والزمن كلها عوامل تحدّد ما إذا كانت الاستعادة ممكنة. والجليد والأنهار والينابيع ليست مجرد مخازن مائية يمكن تعويضها بمحطّات ضخ أو تحلية. فذوبان الأنهار الجليدية يغيّر أنماط تدفق المياه، وقد يزيد التدفقات في بعض المناطق مؤقتاً، لكنه يهدّد إمدادات تعتمد عليها مجتمعات وأنظمة زراعية عندما يتراجع المخزون الجليدي على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، تؤثر الحرارة والجفاف وتغيّر الهطول في المياه المتاحة، بينما يزيد سوء الإدارة والتلوّث والاستنزاف من حدة الأزمة.
أما المحيطات، فلا تقتصر المشكلة فيها على ارتفاع مستوى سطح البحر أو تزايد حرارة المياه. فالمحيط يمتصّ جزءاً من ثاني أكسيد الكربون الذي يطلقه الإنسان، ما يؤدي إلى تحمّض مياهه، ويغيّر الظروف الكيميائية التي تعتمد عليها كائنات بحرية كثيرة. ويترافق ذلك مع موجات الحر البحرية، وتراجع بعض الموائل، والضغوط الناجمة عن الصيد والتلوث وتدمير السواحل. وتؤثر هذه التغيرات في السلاسل الغذائية البحرية، وفي المجتمعات الساحلية، وفي قطاعات تعتمد على الموارد البحرية في الغذاء والعمل والدخل. وعلى اليابسة، يهدّد تدهور التربة والمياه والتنوع الحيوي استقرار الإنتاج الزراعي، ويزيد هشاشة النظم الغذائية أمام موجات الحر والجفاف والفيضانات.
ويؤكد تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية عن حالة المناخ العالمي لعام 2025 أن السنوات من 2015 إلى 2025 كانت السنوات الإحدى عشرة الأشد حرارة منذ بدء السجلات، وأن محتوى حرارة المحيطات بلغ مستوى قياسياً في عام 2025 ضمن سجل الرصد الممتد 66 عاماً. وهذه ليست مؤشرات منفصلة عن الاقتصاد؛ إنها إشارات إلى تغير الظروف الطبيعية التي تعتمد عليها الحياة والإنتاج والاستقرار الاجتماعي.
المشكلة إذن ليست فقط أننا نخسر موارد طبيعية، بل أننا نضعف الأنظمة التي تجعل هذه الموارد متجدّدة وقادرة على دعم الحياة. وقد نستطيع دفع تكلفة بديل تقني لبعض وظائف الطبيعة، لكننا لا نستطيع افتراض أن التكنولوجيا ستعوّض كل ما فقدناه، أو أنها ستكون متاحة للجميع وبالكلفة نفسها.
خامساً: حتى التحوّل الأخضر له فاتورة بيئية
لا يكفي الانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة كي نعتبر أن المشكلة البيئية قد انتهت. فالتحول في أنظمة الطاقة والنقل والتخزين يحتاج إلى معادن ومواد حرجة، من بينها الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، تختلف أهمّيتها بحسب التكنولوجيا المستخدمة.
وقد أسهم التوسّع في الطاقة المتجدّدة والتقنيات منخفضة الانبعاثات في خلق فرص حقيقية لخفض الانبعاثات، لكن استخراج المواد اللازمة لهذه التقنيات قد يفرض ضغوطاً كبيرة على المياه والأراضي والأنظمة البيئية، خصوصاً عندما يتم في مناطق تعاني أصلاً من ندرة المياه أو ضعف الرقابة البيئية أو النزاعات على الأرض والموارد. وهنا تظهر مفارقة تستحق المعالجة الجدية: قد نسعى إلى استخراج المواد اللازمة لمواجهة أزمة المناخ، فنخلق في بعض المواقع أزمات جديدة في المياه والتلوث وتدهور الأراضي وحقوق المجتمعات المحلية.
إن التحول الطاقي الذي يخفض انبعاثات الكربون، يفاقم في الوقت نفسه استنزاف المياه أو يدمر موائل طبيعية من دون حماية أو تعويض عادل، يظل تحولاً ناقصاً
لكن الحل ليس رفض المعادن الضرورية للتحول الطاقي، ولا وضع الطاقة المتجدّدة في مواجهة الطبيعة. بل المطلوب أن يشمل تقييم التحول الأخضر كامل سلسلة الإنتاج: من مصدر المعدن وظروف استخراجه، إلى كفاءة استخدامه وإعادة تدويره، إلى عمر التكنولوجيا التي يدخل في تصنيعها، وأثرها البيئي والاجتماعي.
كما ينبغي ألا تتحوّل المنافسة على المعادن الحيوية إلى سباق جديد للاستحواذ على الموارد، تتكرر فيه أنماط قديمة من نقل الأعباء البيئية إلى البلدان الأقل قدرة على فرض شروطها. فالعدالة في التحول لا تتعلق فقط بمن يخفض الانبعاثات، بل أيضاً بمن يستخرج المواد، ومن يصنعها ومن يستهلكها، ومن يتحمل الأضرار، ومن يحصل على القيمة الاقتصادية المضافة.
إن التحول الطاقي الذي يخفض انبعاثات الكربون، يفاقم في الوقت نفسه استنزاف المياه أو يدمر موائل طبيعية من دون حماية أو تعويض عادل، يظل تحولاً ناقصاً. والمطلوب ليس مجرد تغيير مصدر الطاقة، بل تغيير الطريقة التي ندير بها الموارد ونوزع بها المنافع والأضرار. بالاضافة الى التفكير بضرورة اعادة النظر بطريقة الحياة.
سادساً: لا يمكن اختزال الخسائر في المال، ولا تجاهل المال أيضاً
قد يبدو من المفيد جمع كل الخسائر في رقم واحد، ثم مقارنتها بالناتج المحلي الإجمالي أو بالموازنات العامة. لكن هذه المقارنة، على أهميتها، لها حدود. فبعض الخسائر يمكن تقديرها مالياً، مثل الأضرار التي تلحق بالمباني والطرق والمحاصيل. وبعضها أصعب تقديراً، مثل تراجع خدمات النظام البيئي، أو فقدان التنوع الحيوي، أو تدهور صحة السكان، أو اضطرار المجتمعات إلى مغادرة أماكن عاشت فيها أجيالاً. وهناك خسائر لا يمكن التعامل معها كأنها أصول قابلة للاستبدال: انقراض نوع، أو اختفاء موئل فريد، أو انهيار نظام بيئي قد لا يعود إلى حالته السابقة. وفي المقابل، لا يجوز استخدام صعوبة تسعير هذه الخسائر ذريعة لإهمالها في القرار الاقتصادي. بل ينبغي أن توسع الحكومات حساباتها لتشمل المخاطر البيئية والاجتماعية، بدلاً من أن تكتفي بالمؤشرات المالية التي تظهر بعد وقوع الضرر.
إن كلفة التأخير ليست رقماً واحداً يمكن وضعه في جدول نهائي. إنها مجموع خسائر متراكمة، بعضها ظاهر وبعضها خفي، بعضها قابل للتعويض وبعضها لا يمكن إصلاحه، وبعضها يتحمله الجيل الحالي فيما ينتقل جزء آخر إلى الأجيال المقبلة.
ولهذا، فإن الحديث عن «العودة» المناخية يحتاج إلى أكثر من مسار لخفض الانبعاثات. إنه يحتاج إلى سياسات تحمي الأنظمة البيئية، وتحد من الاستنزاف والتلوث، وتقلل التعرض للكوارث، وتضمن تمويلاً عادلاً للتكيف، وتمنع أن يتحول التحول الأخضر نفسه إلى مصدر جديد للظلم البيئي.
الأمل ليس بديلاً عن الحساب
يترك برنامج الأمم المتحدة للبيئة باب الأمل مفتوحاً، ويشير تقريره الجديد إلى أن العودة إلى مستوى 1.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن تظل ممكنة في سيناريو يتطلب تخفيضات شديدة وسريعة للانبعاثات، إلى جانب إزالة كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون. لكنه لا يقدم ضماناً بالنجاح؛ فاحتمال العودة في السيناريو الأدنى للتجاوز يناهز 50%، وفق التقرير.
وهنا يجب ألا نخلط بين إمكان العودة وضمانها، ولا بين القدرة التقنية النظرية على خفض الحرارة والقدرة الفعلية على تجنب الخسائر المتراكمة. فالعودة إلى عتبة حرارية لا تعني استعادة كل غابة أزيلت، أو كل مصدر مياه تدهور، أو كل موئل اختفى، أو كل فرصة تنمية أضاعتها كارثة.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد: هل نستطيع العودة إلى 1.5 درجة مئوية؟ بل ينبغي أن نسأل: ما الذي سنخسره قبل أن نعود؟ ومن سيتحمل كلفة تلك الخسائر؟ وهل نقيس نجاحنا بمقدار الانخفاض في الانبعاثات وحده، أم بقدرتنا أيضاً على حماية شروط الحياة والحد من الأضرار التي لا يمكن إصلاحها؟
ربما تكون الصدمة الحقيقية في أن العالم لم يعد يفتقر إلى المعرفة العلمية بشأن الخطر، بل إلى سرعة التحرك التي تتناسب معه. ولم يعد التحدي مقتصراً على تحديد ما ينبغي فعله، بل على إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والسياسية بحيث تصبح الوقاية وحماية الطبيعة والتكيف مع الآثار جزءاً أساسياً من حساب التنمية، لا نفقات مؤجلة إلى ما بعد الكارثة.
فالأمل الذي لا يغيّر السياسات قد يؤجل الاعتراف بالخسارة، لكنه لا يمنع وقوعها. أما الأمل الذي يستحق الدفاع عنه، فهو الذي يحوّل التحذير إلى عمل، ويحسب كلفة التأخير قبل أن تصبح بعض الخسائر غير قابلة للتعويض. مع العلم أيضا أن العمل المطلوب لم يعد يختصر في اجراءات وتقنيات وسياسات فقط، بل بات يتطلب تغييرا شاملا في النموذج الحضاري المسيطر واقتصاد السوق الذي تسبب بكل تلك الكوارث.