coding-humans

عن التطورات التقنية في العصر النيوليبرالي
تكويد الإنسان

 

  • التقنية ليست قوة مستقلة عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. هي جزء من تطور قوى الإنتاج، لكن شكلها واتجاهها واستخدامها تتحدد تاريخياً داخل علاقات إنتاج معينة؛ وفي الرأسمالية يخضع تطورها لمنطق المنافسة والتراكم والربح. 
  • النيوليبرالية لم تسرّع التطور التقني فحسب، بل أعادت توجيهه في علاقتها بالعمل. فالرقمنة والخوارزميات والمنصات رفعت الإنتاجية، لكنها استُخدمت أيضاً لتفتيت العمل، وتأقيته، وتحميل العمال جزءاً من تكاليفه، وتشديد الرقابة عليهم، وتقليص حصتهم من العائد. 
  • صعود الذكاء الاصطناعي والمنصات لا يعني تجاوز الرأسمالية، ولا يجعل التقنية تحررية أو استغلالية في ذاتها. يتحدد أثرها بحسب علاقات الإنتاج التي تحكم تطويرها وملكيتها واستخدامها، ولذلك يرتبط توظيفها لمصلحة البشر بتغيير السياق الذي يضعها اليوم في خدمة التراكم والربح.

     

هذا مقال عن الرأسمالية والتقنية، وليس ثمة لحظة أنسب من الراهنة لكتابة مقال من هذا النوع. فآثار ثورات الاتصال والحوسبة والليزر والجينوم والبصريات والأتمتة والذكاء الاصطناعي لا تُخفى على أحد. وهذا ما يدفعنا إلى العودة إلى التاريخ القريب للتطورات التقنية، في محاولة لاكتشاف الآليات الاقتصادية التي تحكم إنتاجها وتداولها في عصر النيوليبرالية.

سنوزّع طرحنا هنا على 7 أقسام، على النحو الآتي: 1. الإنسان والتقنية؛ 2. الإنسان والتقنية في ظل الرأسمالية؛ 3. الإنسان والتقنية في ظل النيوليبرالية؛ 4. التطورات التقنية في ظل النيوليبرالية؛ 5. القطاع الرقمي ورقمنة الاقتصاد؛ 6. المنصات الخوارزمية كمحاكاة للسوق؛ 7. سجالات ماركسية حول التقنية؛ 8. خاتمة.

1. الإنسان والتقنية

نبدأ بمحاولة فهم العلاقة بين البشر والتقنية بوجه عام، انطلاقاً من أن تحديد الدور الذي تؤديه التقنية سيساعدنا على فهم تجليات هذا الدور في المراحل المختلفة من التطور البشري.

من الخطأ النظر إلى التقنية بوصفها شيئاً خارجياً ومنفصلاً عن التجربة الإنسانية الملموسة، يمكن إضافته إليها أو حذفه منها. فالفهم الصحيح للتقنية يبدأ، على العكس، من الاعتراف بدورها الأساسي في تكوين التجربة الإنسانية ذاتها. فإذا أردنا أن نعرّف الإنسان في كلمة واحدة، كما جرت عادة المتفلسفين، أمكننا القول إنه كائن تقني. فقد أصبح البشر بشراً عبر عملية تاريخية تقوم، في جوهرها، على التطوير المستمر والمتزايد في تعقيده لتقنيات تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة المحيطة – الطبيعة – بصورة أكثر عمقاً وكفاءة وسرعة، بحيث تغدو هذه الأخيرة مصاغة على نحو يخدم الإنسان ومهيأة لتلبية احتياجاته.

وفي صلة وثيقة بذلك، يأتي التعريف الذي صاغه مؤسّسا الشيوعية العلمية، كارل ماركس وفريدريك إنغلز، للجنس البشري. كتب ماركس وإنغلز في «الأيديولوجيا الألمانية»: «يمكن التمييز بين البشر والحيوانات بالوعي، أو بالدين، أو بأي شيء آخر تشاء. لكن البشر أنفسهم يشرعون في تمييز أنفسهم عن الحيوانات ما إن يشرعوا في إنتاج وسائل عيشهم؛ وهي خطوة يفرضها تكوينهم الجسدي. فبإنتاجهم وسائل عيشهم، ينتجون بصورة غير مباشرة حياتهم المادية الفعلية». 

نلاحظ في هذا التعريف طبيعته التاريخية الملموسة. فالتعريفات السائدة، على العكس، تنتزع صفة من مجمل صفات البشر، ثم تعتبرها الصفة المحددة لإنسانية الإنسان، بصورة نظرية مجردة وساكنة. فالإنسان حيوان ناطق، أو مفكر، أو اجتماعي، أو حتى «تقني». وهذه كلها بالفعل صفات إنسانية مميِّزة، لكنها لا تشرح كيف تشكلت إنسانية الإنسان في التاريخ الملموس، أي كيف تميز الإنسان فعلياً عن مملكة الحيوان. أما تعريف ماركس وإنغلز، فيتتبع تاريخ الأنسنة نفسه: يصبح الإنسان إنساناً – أي يتميز شيئاً فشيئاً عن مملكة الحيوان – عبر عملية تاريخية قوامها شروعه في تطوير وسائل عيشه (= تقنيات، أي أدوات وآلات وتقسيم مهام وتنظيم عمل) التي يعيد من خلالها تشكيل الطبيعة، بحيث تصبح هذه الأخيرة نفسها نتاجاً لنشاط البشر، لا مجرد معطى قائم بذاته كما كانت قبل إخضاعها لهذا التشكيل.

التقنية، إذاً، هي الوسيط، أو الشرط، اللازم لإعادة تشكيل ما تجود به الطبيعة. فمن خلال وساطة الأدوات أو الآلات، التي هي نفسها نتاج جهد بشري سابق في تشكيل الطبيعة، يحوّل البشر الطبيعة إلى قيم استعمالية لهم. وهذا ما يسميه ماركس وإنغلز «إنتاج الحياة المادية»، أي امتلاك الطبيعة أو أنسنتها.

من هنا، لا تقتصر التقنية على الاختراعات الحديثة، بل تشمل كل أداة أو آلة أو شكل من أشكال تقسيم العمل وتنظيمه أعان البشر، على امتداد تاريخهم، على تحويل الطبيعة وامتلاكها، من الفأس إلى الذكاء الاصطناعي. وبصفتها هذه، فهي بالضرورة منتج اجتماعي وليست منتجاً فردياً.

التقنية هي الوسيط، أو الشرط، اللازم لإعادة تشكيل ما تجود به الطبيعة. فمن خلال وساطة الأدوات أو الآلات، التي هي نفسها نتاج جهد بشري سابق في تشكيل الطبيعة، يحوّل البشر الطبيعة إلى قيم استعمالية لهم

فقد يكون أول من اقترح أداة أو نظاماً جديداً لتحسين الناتج الزراعي فرداً واحداً، لكن هذا ليس مربط الفرس. فالأهم أن هذا الاقتراح لم يصدر عن ذهنية منعزلة تحلق في الفراغ. صاحب الاقتراح جزء من جماعة واجهت معضلة تقنية بعينها، في لحظة تاريخية محددة، تحكمها قيود طبيعية معروفة، ومستوى معين من تطور قوى الإنتاج، وشكل سائد من علاقات الإنتاج. واقتراحه ليس إلا استجابة لهذه الشروط مجتمعة. فإذا تبنته الجماعة، ثم عممته بعد تجربته واكتشاف فاعليته، أصبح ملكاً لها وتعبيراً عن تطور قوى إنتاجها في تلك اللحظة التاريخية.

التقنية، في أوسع معانيها، تُفضي إذاً إلى ما يسميه ماركس «قوى الإنتاج» في «مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي». وتتحدد هذه القوى، في أي لحظة بعينها، بحسب درجة تطور الخبرة الإنسانية المتراكمة من خلال التفاعل مع الإمكانات التي تتيحها البيئة الطبيعية المحيطة، وفي ظل علاقات إنتاج محددة. وهي، بدورها، تحدد علاقات الإنتاج السائدة. وتمثل هذه العلاقة الديالكتيكية بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج صلب التصور المادي التاريخي للتجربة البشرية.

2. الإنسان والتقنية في ظل الرأسمالية

لا تخرج تجربة إنسان المجتمع الرأسمالي الحديث مع التقنية عن التصور المادي للتاريخ، لكنها تتميز بأن القانون الحاكم لتجسدها هو قانون القيمة. فبحسب ما يشرح ماركس في «الكتاب الثاني» من «رأس المال»، ينقسم الاقتصاد الرأسمالي بالضرورة إلى قطاعين: الأول ينتج وسائل الاستهلاك (= السلع الاستهلاكية)، والثاني ينتج وسائل الإنتاج (= السلع الرأسمالية). والتقنية، كما قد يكون واضحاً، هي من منتجات القطاع الثاني من الاقتصاد. 

ومن زاوية دورات الرأسمال، تمثل التقنية ذلك القسم من الرأسمال النقدي الذي يوظفه الرأسمالي في شراء الرأسمال الثابت، أي الآلات التي، وإن كانت غير منتجة لفائض القيمة في حد ذاتها، تمنح الرأسمال المتغير (العمل) القدرة على مضاعفة إنتاجه لفائض القيمة. وتتحدد نسبة الرأسمال الثابت إلى الرأسمال المتغير في كل فرع صناعي بوصفها محصلة للتزاحم الرأسمالي، الذي يحدد أي توليفة من الرأسمالين الثابت والمتغير، في ظل مستوى معين من قوى الإنتاج، تحقق أعلى معدل عام للأرباح.

إذاً، يخضع التطور التقني في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي لقانون التراكم التنافسي، القائم على التسابق إلى حيازة قصب السبق في تخفيض التكاليف ورفع الإيرادات. فلم تعد المسألة أن الجماعة البشرية تتفق ديمقراطياً على اعتماد تقنية جديدة للإنتاج والتوزيع، كما كان الحال في المجتمعات اللاطبقية. ولم تعد أن الدولة، من ناحية، والمنتج المباشر، من ناحية أخرى، يطوران أدوات الإنتاج، كما كان الحال في المجتمعات الطبقية ما قبل الرأسمالية. بل بات هناك دافع قسري، مشتق من الطبيعة التنافسية لعملية التراكم الرأسمالي، يجبر مالكي أدوات الإنتاج على تثوير التقنيات باستمرار للتفوق على أقرانهم، شريطة أن تحقق التقنيات التي يُنفق عليها أرباحاً تفوق المتوسط العام للأرباح في الاقتصاد. وعلى هذا الأساس، أي في إطار علاقة التنازع الجدلية بين ثورية الرأسمالية تقنياً من ناحية، وضيق حدود مصالحها إلى حد إهمال تقنيات مفيدة للبشرية ما دامت لا تحقق ربحاً من ناحية أخرى، تتشكل التقنية وتتبدل.

هكذا تنعكس الطبيعة التنافسية وغير المخططة جماعياً لنمط الإنتاج الرأسمالي في صورة قرارات تقنية تنافسية وغير مخططة جماعياً، يتخذها كل رأسمالي على حدة للتفوق على أقرانه. لكن ينبغي الاستدراك بأن الدولة غالباً ما تؤدي دوراً في كبح الآثار السلبية للتطور التقني غير المخطط جماعياً، سواء عبر الإنفاق على البحوث والتطوير، أو بمحاولة تنسيق التطور التقني وتخطيطه. غير أن الدولة، لأنها رأسمالية بدورها، تتوخى في نهاية المطاف، في قراراتها المتعلقة بحجم تمويل التطوير التقني وتوزيعه، وكذلك في تحديد أولويات البحوث والتطوير، تحقيق المصلحة الجماعية للطبقة الرأسمالية.

من ناحية أخرى، يفضي تتابع دورات التراكم الموسع، كقانون عام، إلى ارتفاع نسبة الرأسمال الثابت إلى الرأسمال المتغير. وهذا ما يطلق عليه الاقتصاديون الماركسيون «التحيز إلى الرأسمال الثابت»، أي الميل المتزايد إلى الاستثمار في الآلات على حساب الاستثمار في قوة العمل، وهو أيضاً ما يسميه ماركس ارتفاع «التركيب العضوي للرأسمال».

إذاً، ترفع التقنية الجديدة معدلات أرباح الرأسمالي المبادر إلى استخدامها، لكنها ترفع في الوقت نفسه التركيب العضوي للرأسمال، وهو ما يدفع معدلات الأرباح إلى الانخفاض على المدى المتوسط، لأن الأغلبية الساحقة من التقنيات الجديدة تتطلب استثماراً أكبر في الآلات قياساً إلى الاستثمار في العمل. فقلما توجد تقنية موفرة للرأسمال الثابت. ولذلك يبدو الأمر كما لو أن الرأسمال يسير مغمض العينين إلى حتفه، إذ إن هوسه بالتقنيات الجديدة التي ترفع إنتاجية العمل هو نفسه ما يقف وراء تقلص أرباحه، وربما انعدامها، على المدى المتوسط.

3. الإنسان والتقنية في ظل النيوليبرالية

أما الكيفية التي تجسدت بها هذه القوانين في المرحلة الراهنة من التطور الرأسمالي، فقد ارتبطت بطبيعة الحال ارتباطاً وثيقاً بشكل التراكم خلال الأعوام الخمسين الماضية. فقد تبلورت المرحلة الراهنة من التطور الرأسمالي، أي النيوليبرالية، استجابةً لأزمة الانخفاض الحاد في معدلات الأرباح التي واجهت الرأسمالية، ولا سيما الغربية، في أوائل سبعينات القرن العشرين.

دفعت هذه الأزمة دول الغرب المتقدم في 3 اتجاهات في الوقت نفسه: 1. في الخارج، تسريع عولمة الإنتاج عبر تحطيم العوائق أمام تصدير الرأسمال إلى أقاليم جغرافية يحقق فيها الاستثمار معدلات أرباح أعلى نتيجة انخفاض تكلفة العمل؛ 2. في الداخل، رفع معدلات فائض القيمة المطلق عبر رفع معدلات البطالة وتجميد الأجور النقدية والاجتماعية، بل وتخفيضها أحياناً (تجمّد متوسط الأجر في الولايات المتحدة على مدى الخمسين عاماً الماضية)؛ 3. في الخارج والداخل، رفع معدلات فائض القيمة النسبي عبر الاستثمار الكثيف في تقنيات ترفع إنتاجية قوة العمل.

الضلع الثالث في مثلث النيوليبرالية المبكرة هو، كما نرى، الاستثمار الكثيف في التقنيات الرافعة لإنتاجية قوة العمل. لكن هذا الاستثمار، وإن كان يرفع إنتاجية قوة العمل، فإنه، كما أشرنا قبل قليل، يرفع أيضاً التركيب العضوي للرأسمال، أي يخفض المعدل العام للأرباح في الاقتصاد على المدى المتوسط.

وربما كان هذا هو السبب الخلفي وراء انفجار أزمة الركود العظيم (2008-2009)، وهي الأكبر منذ الكساد العظيم (1929-1939)، والتي أفضت إلى تعميق النيوليبرالية، ولكن في صورة «نيوليبرالية دولة». وهذه نقطة لا يمكن الاستفاضة فيها هنا، لأنها ستخرج بنا عن موضوع المقال. يكفينا القول إن التراجع النسبي للدول الكبرى عن العولمة، وميلاد تكتلات اقتصادية إقليمية وعالمية، لم يرافقهما تراجع عن سياسات رفع معدلات فائض القيمة المطلق والنسبي. على العكس، عززت أزمة 2008-2009 هجوم الطبقات الحاكمة على المكتسبات التي انتزعتها الطبقة العاملة العالمية خلال عصر الانتعاش الكبير (1945-1970)، كما عززت الهوس التقني، إذ تتصارع التكتلات الرأسمالية على حيازة قصب السبق في معركة التقنيات الطليعية (cutting-edge technology).

تنعكس الطبيعة التنافسية وغير المخططة جماعياً لنمط الإنتاج الرأسمالي في صورة قرارات تقنية تنافسية وغير مخططة جماعياً، يتخذها كل رأسمالي على حدة للتفوق على أقرانه

وقد عرّف معهد ماكينزي العالمي هذه التقنيات على النحو الآتي: «التقنيات التي تشهد تطوراً سريعاً (مثل تقنية التسلسل الجيني)، والتي تتمتع بنطاق انتشار واسع (مثل الإنترنت المحمول)، والتي تنطوي على إمكانية إحداث أثر اقتصادي ملموس (مثل الروبوتات المتقدمة)، وكذلك التقنيات التي يمكن أن تغيّر الوضع القائم (مثل تقنيات تخزين الطاقة)». 

وقد أدت التحديثات التقنية خلال الخمسين عاماً الأخيرة، بسبب تطويرها في إطار نيوليبرالي، إلى تعظيم الاستغلال والاغتراب. فقد تمثل أثر التقنيات الجديدة، من الحاسوب إلى الإنترنت، ومن الخوارزميات إلى الذكاء الاصطناعي وغيرها، في الآتي: 1. إحلال العمل الميت (الآلات)، كالمعتاد، محل العمل الحي (الجهد البشري)، ومن ثم زيادة إنتاجية العمل؛ 2. تفتيت الطبقة العاملة، ومن ثم إضعافها اقتصادياً وسياسياً، عبر استخدام التقنيات الحديثة في تشغيل العمالة افتراضياً من خارج مواقع العمل؛ 3. تأقيت علاقات العمل، أيضاً من خلال استخدام التقنيات الحديثة في تفكيك العمل إلى مهام صغيرة ينجزها العاملون بالقطعة، بما يعزز التنافس بينهم؛ 4. تخفيض تكاليف الإنتاج عبر تحميل العمالة تكلفة توفير الأدوات التقنية اللازمة لإنجاز العمل، من اللابتوب للمبرمج إلى السيارة لسائق أوبر؛ 5. تطوير نظم معقدة لتشديد الرقابة على عملية العمل، مثل التصوير الدائم للعاملين أثناء تأدية عملهم.

باختصار، ساهمت التكنولوجيا المعاصرة في تمكين طبقة الرأسماليين من تطبيق سياسة مرونة العمل التي يوصي بها صندوق النقد الدولي.

4. التطورات التقنية في ظل النيوليبرالية

غيّرت التطورات التقنية في ظل النيوليبرالية وجه الاقتصاد الرأسمالي، من حيث إنتاج فائض القيمة وتداوله وتوزيعه. ولم تحدث التطورات الأساسية بمعزل بعضها عن بعض، بل تفاعلت وانصهرت ضمن بيئة تقنية موحدة. وقد تركز التطور التقني الأخير في مجالات المعالجات الدقيقة وأشباه الموصلات، والحوسبة والبرمجيات، والإنترنت، والاتصالات اللاسلكية، والليزر، والتسلسل الجيني، والأتمتة والروبوتات، والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وبالنظر إلى هذه القائمة، وتأمل مضامينها الاجتماعية المتحققة بالفعل، وتلك التي لا تزال في طور الوعود، ربما نتفق على أن البنية التحتية التقنية للمجتمع الرأسمالي تمر بمرحلة تحول جذري، قوامها تكامل تقنيات الحوسبة والاتصال والإنترنت والذكاء الاصطناعي ضمن بنية منصاتية موحدة. ولفهم هذا التحول، لنبدأ بتتبع الخطوط العامة للتطور التقني خلال نصف القرن الماضي.

كانت نقطة الانطلاق هي المعالج الدقيق، الذي أتاح خفض وزن الحاسوب وحجمه وسعره على نحو نوعي. ففي عام 1973، أنتجت شركة R2E الفرنسية أول حاسوب شخصي يستخدم معالجاً دقيقاً. ومن أجل هذا الحاسوب، كتب بول آلين وبيل غيتس مُفسِّراً للغة BASIC، في نشاط مهّد لما أصبح لاحقاً شركة مايكروسوفت العالمية. وبحلول النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين، أسهمت أجهزة مثل Apple II وCommodore في نشوء سوق جماهيرية للحوسبة الشخصية. ثم جاء حاسوب IBM، الذي طُرح عام 1981، ليجعل الحواسيب جزءاً من البنية التحتية للأعمال والحياة الشخصية.

لم يكن هذا تحولاً عابراً. فقد أسهم في نقل الحواسيب من مؤسسات الدولة المركزية إلى الشركات والمنازل، وبالتالي في خلق بنية تحتية جديدة للإنتاج والحياة عموماً.

وأثبت التاريخ اللاحق أن المعالج الدقيق لم يكن سوى خطوة أولى. فقد أدى تطور صناعة أشباه الموصلات إلى إنتاج مكونات أصغر وأرخص، وهو ما أدى بدوره إلى تحول كل جهاز تقريباً في العمل والشارع والبيت – حرفياً كل جهاز – إلى حاسوب.

وبالتوازي، كانت ثمة ثورة تقنية ثانية تجري في ميدان الإنترنت. فقد ظهرت الشبكات الحاسوبية بالفعل في أواخر ستينات القرن العشرين، وتحديداً شبكة ARPANET الممولة من وزارة الدفاع الأميركية. لكن الباحثين طوّروا خلال السبعينات بروتوكولات TCP/IP، التي أتاحت للحواسيب المختلفة التواصل بعضها مع بعض بصورة متزامنة. وفي عام 1983، فعّلت ARPANET بروتوكولات TCP/IP، في خطوة مهمة على طريق نشوء الإنترنت الحديث. أما ثورة الإنترنت الحقيقية، فجاءت مع تطوير الشبكة العنكبوتية العالمية WWW على يد تيم بيرنرز-لي بين عامي 1989 و1991، ثم مع إتاحة برمجيات الويب على نطاق واسع، وظهور متصفحات WWW. فقد حوّلت هذه التطورات الإنترنت إلى وسيلة اتصال جماهيري أكثر تأثيراً من التلفاز.

خلال الفترة الممتدة من مطلع تسعينات القرن العشرين إلى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان تحول آخر يجري بالتوازي: الهواتف. فقد مثّلت التطورات التقنية في مجال الاتصال اللاسلكي عبر الهواتف النقالة ثورة كبرى في أنماط الحياة. كانت الهواتف النقالة الأولى باهظة الثمن، وثقيلة الوزن، ومحدودة الخصائص. لكن التقدم المتواصل في تقنيات أشباه الموصلات أدى إلى خفض التكلفة والحجم. وبحلول أواخر التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، كانت الهواتف المحمولة قد انتشرت في مختلف أنحاء العالم. وجاء التحول الحاسم عندما اندمج الهاتف النقال بالحاسوب. فقد جمعت الهواتف الذكية في جهاز واحد بين الاتصال اللاسلكي، وإمكانات الحاسوب، وقدرات التطبيقات المنصاتية. ويعد طرح شركة آبل هاتف iPhone عام 2007 أحد أبرز رموز هذا الانتقال.

وفي الفترة نفسها، كانت بنية الإنترنت نفسها تتغير. فمنذ أواخر تسعينات القرن العشرين، بدأت المنصات الرقمية الكبرى تتوسط نسبة متزايدة من النشاط على الإنترنت. فنظمت منصات التجارة الإلكترونية الأسواق، ونظمت منصات الأسواق المالية البورصة، ونظمت محركات البحث الوصول إلى المعلومات، ونظمت منصات التواصل الاجتماعي الاتصال الشخصي. ثم جاءت منصات مثل Uber وAirbnb وBooking وNetflix وZotero وZoom، ومئات غيرها، لتنظم مختلف مناحي الحياة تقريباً.

وهذا يقودنا إلى التحول الأهم في عصرنا: الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي أقدم من القرن الحادي والعشرين. ظهرت بداياته في خمسينات القرن العشرين، وقضى الباحثون عقوداً في تطوير نماذج الاستجابة الرياضية، والتعرف إلى الأنماط، والتعلم الآلي. غير أن تطورات عدة غيّرت إمكاناته بصورة جوهرية منذ نحو عام 2010. فقد توافرت قواعد البيانات الضخمة، وازدادت قدرات الحواسيب، وسرّعت المعالجات الهائلة قدرات التعلم الاسترجاعي، ما أدى إلى قفزات في مجال الذكاء الاصطناعي، تُوجت بالإطلاق العام لـChatGPT عام 2022.

وعند النظر إلى هذه التطورات من منظور تاريخي، يمكن فهم مسار التقنية خلال الخمسين عاماً الماضية بوصفه عملية تقارب، ثم اندماج، ضمن بنية تحتية تقنية موحدة. فقد جعل المعالج الدقيق الحوسبة أرخص وأكثر انتشاراً، ثم ربطت شبكات الإنترنت الحواسيب بعضها ببعض، وأنشأ الويب فضاءً معلوماتياً عالمياً، وضاعفت الألياف الضوئية والليزر سرعة الاتصال وقدرته، وجعلت الأجهزة النقالة الاتصال دائماً ومتاحاً أثناء الحركة. أما الذكاء الاصطناعي، فيحاول اليوم صهر التجربة البشرية، كما تتجسد في ملايين المواقع والمنصات، والتعلم منها وتجاوز نفسه. والنتيجة ليست مجرد مجموعة من الآلات الجديدة، بل تحول في الأساس التقني للمجتمع نفسه. فقد أدمجت الخوارزميات هذا كله ضمن بنية منصاتية موحدة تقوم عليها مجالات الإنتاج، والتداول، وإعادة الإنتاج، والاتصال، والتمويل، والنقل، والترفيه، والإدارة.

5. القطاع الرقمي ورقمنة الاقتصاد

لم تأتِ حزمة الخيارات التقنية السائدة مصادفة. فبالنظر إلى تاريخ الرأسمالية في القرن العشرين، يمكن ملاحظة أن الكساد العظيم (1929-1939) أفضى، حتى قبل أن يتبدد، إلى ميل متزايد لدى الدول الرأسمالية، أو الطامحة إلى أن تكون رأسمالية، نحو رأسمالية الدولة الاجتماعية، وإن اتخذ هذا الميل أشكالاً متباينة وتحقق بدرجات متفاوتة. ونعني بذلك رأسمالية الدولة التي تتوخى تخصيص جزء مهم من الفائض الاقتصادي المتحقق لتعويضات العمل، سواء في صورة أجر نقدي يحصل عليه العامل، أو أجر اجتماعي يتجسد في خدمات غير مدفوعة. وقد رأى بعض الماركسيين أن هذه الصيغة الاجتماعية تجد تفسيرها في الصراع الطبقي، بمعنى أنها جاءت نتيجة مباشرة للكفاح العمالي على المستوى العالمي. إلا أننا نرى أن السبب الأهم اقتصادي، أي إنه يتعلق بمنطق التراكم في عصر رأسمالية الدولة الاحتكارية (أو البيروقراطية).

لكن، أياً يكن الأمر، وأياً يكن التفسير الأصح لهذا الميل في الرأسمالية آنذاك، فإن الحقيقة الأهم هي أن نظام التراكم القائم على تعظيم تعويضات العمل انتهى تماماً، ومن دون رجعة، في مطلع سبعينيات القرن العشرين، ليحل محله نظام جديد يقوم على تقليص تعويضات العمل إلى أدنى حد ممكن، وهو ما يعني عملياً سحب المكتسبات التي حققها العمال في المرحلة السابقة.

انعكس هذا التحول في المنظومة الرأسمالية على البعد التقني لعملية إنتاج القيمة وتحقيقها وتداولها. فشهدنا نزعة ابتكارية متسارعة، كما برزت سمات محددة للخيارات التقنية، ولا سيما في مرحلة ما بعد 2008. إذ تتوخى هذه الخيارات جميعها تقليص حصة العمل من إجمالي العائد المتحقق في دورات الإنتاج الرأسمالي، وبصورة غليظة واضحة وضوح الشمس، ما جعل التقنية تظهر بوصفها «يداً غير خفية» يحركها الرأسمال بوعي وإرادة لإفقار العمال.

وقد شرحنا، في القسم قبل السابق من هذا المقال، ما يعنيه ذلك تحديداً في السياق النيوليبرالي. ويكفينا الآن أن نضيف أن الهجوم على العمل، الذي سهّلته تقنيات السنوات الأخيرة عبر تذرير بنية الطبقة العاملة من ناحية، وتشديد الرقابة عليها من ناحية أخرى، ترددت أصداؤه لا في مواقع الإنتاج وحدها، بل في مختلف مناحي الحياة المعاصرة. والأدلة أكثر من أن تُعدّ: من التطبيقات الرقمية الذكية والمواقع الإلكترونية التي تبتلع وقت مليارات البشر، وتؤثر في وعيهم، وتضاعف اغترابهم، وأغلبهم من المراهقين والشباب؛ إلى تسلل الدولة، باستخدام آليات المراقبة الحديثة، إلى أدق تفاصيل حياة البشر؛ إلى خوض حروب يصفها كثيرون بأنها ذكية نظراً إلى أتمتتها ودقة استهدافها (وهي في الحقيقة أغبى وأحقر من أي حروب سابقة، كما يشهد على ذلك استخدام الدولة الصهيونية للتقنيات الحديثة في حرب الإبادة التي تخوضها على الشعب الفلسطيني)، وهلم جراً.

ساهمت التكنولوجيا المعاصرة في تمكين طبقة الرأسماليين من تطبيق سياسة مرونة العمل التي يوصي بها صندوق النقد الدولي

وعلى خلفية هذا التبدل في نظام التراكم، ازداد، بطبيعة الحال، نصيب القطاع التقني في اقتصادات عدد لا بأس به من الدول، وعلى رأسها الدول الرأسمالية الكبرى. فمثلاً، تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – وهي نادٍ للدول الغنية وبعض الاقتصادات البازغة – إلى أن نصيب قطاع تقنية المعلومات والاتصالات في الدول الأعضاء التي تتوافر عنها بيانات ارتفع من 3.9% من إجمالي القيمة المضافة عام 2010 إلى 5.4% عام 2019، أي بزيادة تقارب 40% في الوزن النسبي للقطاع. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن التقنيات الجديدة تكون، في أول عهدها، الأنشط والأكثر جذباً للرأسمال، لكنه يرجع أيضاً إلى التنافس الشرس بين الدول على إحراز السبق في التطوير التقني المرتبط بالأتمتة والذكاء الاصطناعي.

لكن علينا هنا توضيح نقطة. فإذا كان هناك قطاع اقتصادي واحد يعمل مباشرة على تطوير تلك التقنيات وتفعيلها في صورة برامج وأجهزة، وهو قطاع تقنية المعلومات والاتصالات (Information & Communication Technology – ICT)، فإن أثرها يتجاوز أي قطاع بعينه. فالذكاء الاصطناعي، مثلاً، ليس تطويراً ضيق الحدود، كتطوير تقنية جديدة لصهر الحديد باستخدام طاقة أقل، بل هو تطوير عمومي، بمعنى أنه يتحول شيئاً فشيئاً إلى جزء من نسيج الحياة في مختلف مناحيها العملية والشخصية. ولن نقول إنه يناطح اختراع العجلة أو المطبعة أو التلغراف والتليفون، لكننا سنقول إن للمقارنة وجاهتها، على الأقل من زاوية تخلل التطوير التقني مختلف مسام حياة البشر. ولذلك، من الضروري ألا يقتصر الحديث عن أثر هذه التقنيات في الاقتصاد على القطاع المنتج لها، بل لا بد من حساب الأثر الكلي للرقمنة على هيكل الاقتصاد الرأسمالي ككل.

وفي ضوء هذا التعريف الأوسع لمساهمة التقنية الحديثة في الاقتصاد، يمكننا أن نرى أثرها الهائل في اقتصادات الدول الرأسمالية القائدة. فمثلاً، تشير بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي (Bureau of Economic Analysis – BEA) إلى أن حجم الاقتصاد الرقمي في الولايات المتحدة وصل إلى نحو 2.6 تريليون دولار عام 2022، أي نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي. كما يقدّر «المكتب» أن القيمة المضافة للاقتصاد الرقمي زادت، في المتوسط، بنحو 7.1% سنوياً بين عامي 2017 و2022. وفي عام 2022 وحده، نما الاقتصاد الرقمي بمعدل 6.3%، مقابل نمو الناتج المحلي بنحو 1.9% فقط.

أما إذا انتقلنا إلى الصين، فسنجد أن بيانات الأكاديمية الصينية لتقنية المعلومات والاتصالات (China Academy of Information & Communications Technology – CAICT) تؤكد أن حجم الاقتصاد الرقمي في الصين وصل إلى نحو 50.2 يوان عام 2022، أي نحو 41.5% من الناتج المحلي الإجمالي. كما تشير الأكاديمية إلى أن حصة الاقتصاد الرقمي من الناتج المحلي ارتفعت من 27% عام 2015 إلى 39.8% عام 2021، قبل أن تصل إلى مستواها المذكور عام 2022.

وقد ترتب على صعود نجم الشركات العاملة في مجالات تطوير وتشغيل تقنيات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، واتساع قاعدتها، توسع هائل في توظيف عمالة تؤدي مهام يوصف معظمها بأنه كثيف العمل. فبين إدخال البيانات وتنظيفها ومعالجتها، وهلم جراً، يعمل ملايين كثيرة، أغلبهم في علاقات تعاقدية مؤقتة ومجحفة. كذلك، يعمل على الأقل مئات الملايين، بين عمال التوصيل والتركيب والصيانة وغيرهم، في منصات لا تفي بالحد الأدنى من شروط العمل اللائق.

لكن، توخياً للدقة، علينا أن نستدرك بأن شريحة صغيرة من التقنيين المهرة والإداريين النيوليبراليين لا تخضع لشروط العمل القاسية تلك، بل تتمتع بمزايا قلما تتوافر للعاملين في القطاعات الاقتصادية الأخرى. فعلى سبيل المثال، تتيح ألفابت، الشركة الأم لجوجل، للعاملين لديها امتلاك أسهم في الشركة، لكن هذه الإتاحة تقديرية، أي تخضع لتقديرات الإدارة العليا، كما تتفاوت قيمة الأسهم بحسب المستوى الإداري للعامل. فبينما يحصل العاملون الصغار على قيم محدودة لا تؤهلهم للانتقال طبقياً بأي معنى من المعاني، يحصل موظفو الإدارة الوسطى والعليا والتقنيون القياديون على قيم مضاعفة تجعلهم أصحاب مصلحة حقيقية ومباشرة في نجاح الشركة.

ولا ننسى هنا أن نسبة لا يستهان بها ممن يؤدون مهاماً لجوجل يُستقدمون عن طريق التعهيد، أي إنهم ليسوا عاملين لدى غوغل، بل مستأجرون من الخارج، وهو ما يعني أنهم لا يتمتعون بميزة امتلاك أسهم في الشركة.

6. المنصات الخوارزمية كمحاكاة للسوق

لهذه النقطة أهمية كبرى. فالمنصات الخوارزمية (algorithmic platforms) أصبحت، بعد تعميمها، أساس البنية التحتية التقنية المعاصرة. ومن ثم، فإن فهم شروط عملها وآلياته ونتائجه يعد من لوازم الإحاطة بالقوانين الحاكمة لإنتاج التقنية واستهلاكها في ظل النيوليبرالية.

المنصات أداة لإدارة عمليات شاملة، من التخطيط إلى التصميم والتنفيذ والمتابعة. وهي تعتمد على خوارزميات معقدة يطورها مبرمجون يحولون الأوامر والتوجيهات والعلاقات إلى نظم منطقية-رياضية تربط بين المعطيات والاستجابات. فمثلاً، قد تقرر منصة خوارزمية كيفية تقسيم العمل بين عمال مصنع، وتراقب تنفيذ هذا التقسيم، ثم تحدد الحوافز والعقوبات. وقد تحدد منصة أخرى أنواع الأسمدة وكمياتها وتوقيت حقن التربة بها في مزرعة ما، وتراقب أثر ذلك في المحصول، ثم تعدّل حساباتها استجابة لمؤشرات صحة المحاصيل ونموها. وهكذا.

تعمل الخوارزميات وفق منطق شبيه بمنطق السوق. فالأسواق لا تكترث بالقيمة الاستعمالية للسلع، بل تنظر فقط إلى قيمها التبادلية. وكذلك تفعل الخوارزميات، إذ تختزل القيم الاستعمالية إلى مجرد كميات مترابطة رياضياً

وعلى الرغم من أن الخوارزميات ليست شيئاً جديداً – فقد سبقت الحاسوب – فإن ظهور المنصات الرقمية سهلة الاستخدام حوّلها إلى أداة جماهيرية فعلاً. فمحركات البحث التي تفرز صفحات الويب وتصنفها وتسترجعها، وشبكات التواصل الاجتماعي التي تختار التدوينات التي يطالعها المستخدمون، والمنصات الإعلامية التي تقترح قوائم تشغيل الموسيقى والأفلام، والمتاجر الإلكترونية التي توصي بمنتجات بعينها، وأنظمة الإعلانات التي تحدد ما يظهر للمستخدمين، ومنصات التوظيف التي توزع العمال على العملاء، كلها منصات تديرها خوارزميات معقدة.

المنصات الخوارزمية، إذاً، هي الشكل الذي تتوحد فيه التطورات التقنية المعاصرة في مختلف المجالات وتتمظهر من خلاله. ولم تصبح قابلة للتعميم إلا عندما بلغت تقنيات الحوسبة وأشباه الموصلات والألياف الضوئية والاتصال اللاسلكي والمعالجات الدقيقة والإنترنت مستوى من السرعة والخفة والرخص يسمح بانتشار المنصات جماهيرياً في صورة تطبيقات ذكية.

تعمل الخوارزميات وفق منطق شبيه بمنطق السوق. فالأسواق لا تكترث بالقيمة الاستعمالية (الكيفية) للسلع، بل تنظر فقط إلى قيمها التبادلية (الكمية). وكذلك تفعل الخوارزميات، إذ تختزل القيم الاستعمالية – أي الكيف المتفرد للشيء – إلى مجرد كميات مترابطة رياضياً. وتستند نزعة الاختزال الكمي، أو التكميم (quantification)، في الأسواق والخوارزميات على حد سواء، إلى الطبيعة البنيوية للنظام الرأسمالي القائم على إخضاع القيم الاستعمالية للقيم التبادلية، أي إخضاع الكيف للكم.

وقد التفت عدد كبير من منظري الحداثة إلى هذه الطبيعة الاختزالية للرأسمالية. فانشغل ماكس فيبر، مثلاً، بالترشيد العقلاني (rationalization) بوصفه أساس الحداثة. فبالنسبة إليه، يؤدي الترشيد العقلاني إلى «نزع السحر عن العالم» وتغيير نظام تفاعلاته: «لا يعني تعاظم الرشادة والعقلنة بالضرورة ازدياد معرفتنا العامة بشروط الحياة التي نحيا في ظلها؛ بل يعني شيئاً آخر، وهو معرفتنا، أو اعتقادنا، بأنه يمكننا، متى شئنا، أن نتعلم هذه الأشياء في أي وقت. ومن ثم فهو يعني أنه لا توجد قوى غامضة عصية التقدير تتدخل في الأمور، بل إن بوسع المرء، من حيث المبدأ، أن يُخضع جميع الأشياء للحساب». («العلم بوصفه مهنة»، ماكس فيبر).

كذلك سلّط ميشيل فوكو الضوء على التكميم بوصفه سمة أصيلة في الحداثة. إذ يقول في «المراقبة والعقاب»: 'أصبح... الحكم بالمعيار [= الحكم الكمي] واحداً من أهم أدوات السلطة في نهاية العصر الكلاسيكي. فالعلامات التي كانت تدل سابقاً على المكانة والامتياز والانتماء أخذت تُستبدل تدريجياً – أو على الأقل تُستكمل – بطيف كامل من الدرجات المعيارية... التي تشير من جهة إلى الانتماء إلى جسد اجتماعي متجانس، وتؤدي من جهة أخرى دوراً في التصنيف، والترتيب الهرمي، وتوزيع المراتب. فبمعنى ما، تفرض السلطةُ... التجانس؛ لكنها في الوقت نفسه تُفَرْدِن [المجتمع]، فتجعل حساب الفجوات، وتحديد المستويات، وإقرار الاختصاصات ممكناً. ومن السهل فهم كيف تعمل سلطةُ المعيار في إطار منظومة من المساواة الشكلية؛ فعلى خلفية التجانس... ينطرح المعيار ليصنف [البشر] على حسب الفروق الفردية». 

نلاحظ أن الجذر المادي لهذه العقلنة المعيارية الكمية لا يشغل فيبر أو فوكو، على اختلاف منظوريهما. أما المنهج المادي الجدلي، فيبدأ وينتهي بفحص هذا الجذر: انفصال المنتج المباشر عن أدوات إنتاجه، واحتكار الملاك الرأسماليين لأدوات الإنتاج، واضطرار المنتج المباشر إلى بيع قوة عمله، وتجمد قوة العمل (والتقنية) في صورة قيمة تبادلية كمية (= السلعة).

ذلك هو الأساس الذي ينبني عليه تكميم الوجود والإنسان في ظل الرأسمالية. ومنه تستمد الخوارزمية قوتها وكفاءتها، بوصفها أداة الرأسمال في إدارة عالم العلاقات الكمية المجردة من الحياة، الذي خلقته السلعية المعممة. فالخوارزمية هي الأداة التقنية المثلى لتحويل احتياجات البشر المتفردين وخياراتهم وقراراتهم إلى قيم كمية لا ترى في الوجود الاجتماعي الحي أبعد من الرقم.

7. سجالات ماركسية حول التقنية

أثارت التطورات التقنية المتسارعة خلال العقدين الأخيرين، والتي حللنا شروط إنتاجها وتداولها في الأقسام السابقة، سجالات عديدة بين المنظرين الماركسيين. فيقول بعضهم، كالاقتصادي الماركسي اليوناني يانيس فاروفاكيس، إن نمطاً إنتاجياً جديداً، هو «الإقطاع التقني»، قد حل محل الرأسمالية. ويطرح آخرون أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على العمل البشري تماماً، وهو ما يعني القضاء على المصدر الذي اعتقد كارل ماركس أنه الوحيد لاقتطاع فائض القيمة، فنصبح إزاء رأسمالية من دون استغلال. وفي المقابل، يصر كثيرون على أن عصر الخوارزميات هو عصر افتراضي بامتياز، بما يعني أننا نعيش عصر ما بعد الصناعة والإنتاج المادي. إلى جانب ذلك، ثمة من يعتقد أن هذه التطورات التقنية، في حد ذاتها، تفتح الباب على مصراعيه لتأسيس عهد جديد من التعاون الديمقراطي بين البشر. وغير ذلك من أفكار وأوهام.

وبقليل من التفكير، يمكننا أن نصل إلى استنتاج مفاده أن كثيراً من هذه الأطروحات لا يعدو أن يكون صياغة جديدة، أو متحورة، لنظرية قديمة، هي «نظرية الحتمية التقنية»، التي ترى أن التقنية، والتقنية وحدها، هي التي حددت، وستحدد، علاقات الإنتاج وطبيعة حياة البشر عموماً. وهو ما يستدعي السؤال، في حالتنا هذه، عما إذا كانت التحديثات التقنية المعاصرة تقوض بالفعل، كما يدعي المعلقون، أسس عمل النظام الرأسمالي كما نعرفها.

نبدأ بالتأكيد أن أغلبية العاملين في قطاع تقنية البيانات والاتصالات، وهو قطاع كثيف العمالة في كثير من جوانبه، تنتمي قلباً وقالباً إلى الطبقة العاملة من زاويتي النظر السوسيولوجية والسياسية. فالأغلبية تحقق شروط الانتماء إلى الطبقة العاملة الثلاثة: 1. خضوع العامل لسلطة الرأسمال؛ 2. كون أجر العامل المصدر الرئيسي لدخله؛ 3. عدم امتلاك العامل سلطة توقيع الجزاء على زملائه.

لكن إذا سألنا: «هل ينتج هذا الجيش العرمرم من العمال قيمة، وهل يُقتطع منه فائض قيمة؟»، سنجد أن الإجابة تختلف بين قسم من العمال وآخر. فعمال القطاعات الإنتاجية، مثل عمال إدخال البيانات، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وتركيب السلع وصيانتها، ونقلها من المنتج إلى المستهلك، منتجون للقيمة ويُقتطع منهم فائض قيمة. أما عمال المنصات التجارية، كأمازون، فهم غير منتجين للقيمة، من حيث إن مهامهم تقتصر على تدوير القيمة من صورتها السلعية إلى صورتها النقدية، ولا تتصل بمهام إنتاج القيمة. لكنهم ينتمون، كما ذكرنا في الفقرة السابقة، إلى الطبقة العاملة بتعريفيها السوسيولوجي والسياسي.

أما ادعاء يانيس فاروفاكيس أننا نعيش اليوم تحت وطأة نمط إنتاج إقطاعي، لكن في قالب تقني هذه المرة، وأن الربح لم يعد الشكل الأساسي لدخل الطبقات المالكة، بل إن منصات مثل أمازون وألفابت وميتا تحصل على ما يشبه الريع من سيطرتها على الرأسمال السحابي، أي المنصات والبنى الرقمية التي تحتكر الوصول إلى الأسواق والمستخدمين والبيانات، فإنه لا يصمد أمام النقد.

ولتفنيد أطروحة فاروفاكيس، علينا أولاً التمييز بين المنصات الرقمية المذكورة، إذ تختلف بعضها عن بعض من حيث أدوارها في عملية إنتاج القيمة وتدويرها. فمنصات مثل ألفابت وميتا تحصلان على النسبة الأكبر من دخلهما من إيرادات الإعلانات (في 2025، حققت ألفابت 73.2% وميتا 97.6% من دخلهما من الإعلانات)، وذلك ببساطة لأنهما تتيحان للمنتجين الرأسماليين فرصة «اصطياد» بلايين المستهلكين، وفق آليات استهداف عالية الدقة، لعرض إعلاناتهم عليهم.

ومن هذه الزاوية، يمكننا القول إن هاتين المنصتين تشبهان إلى حد بعيد التلفاز الذي تصل الإعلانات المعروضة عليه إلى بلايين المشاهدين. ففي كلتا الحالتين – ألفابت وميتا من ناحية، والتلفاز من ناحية أخرى – يُقتطع الفائض الذي تحققه المنصات الإعلانية من الفائض المتحقق في قطاعات أخرى من الاقتصاد، أي القطاعات المعلنة. بتعبير آخر، أرباح المنصات الإعلانية، كغوغل، هي دخل متحقق في دورة توزيع القيمة لا في إنتاجها، وما يدفعه المعلنون لغوغل هو مصروفات دعاية وإعلان تقليدية لا يمكن تصنيفها بأي حال من الأحوال بوصفها ريعاً.

أما أمازون، فقصتها مختلفة. فهي سوق إلكترونية يعرض فيها منتجو السلع منتجاتهم للبيع. وبالفعل، فإن ما تحصّله شركة أمازون من هؤلاء هو ريع، لكنه ريع رأسمالي لا إقطاعي كما يدعي فاروفاكيس. فالفارق بين الريع الإقطاعي والريع الرأسمالي أن الأول يُقتطع بلا وسيط من منتجي القيمة المباشرين – الفلاحين – في إطار علاقات إنتاج إقطاعية، أما الثاني فيُقتطع من أصحاب الأعمال المنتجين لفائض القيمة الذين يستأجرون مكاناً –افتراضياً– في السوق.

والحق أنه كان الأجدر بفاروفاكيس أن يسأل عن سبب تضخم ريوع البنى الرقمية الافتراضية العاملة في مجال تدوير السلع، لا إنتاجها، كأمازون، بدلاً من افتراض أن كل ريع هو بالضرورة إقطاعي. وفي رأينا، يعود تضخم عائدات تأجير الأماكن الافتراضية في الأسواق الإلكترونية إلى سيطرة المنصة-السوق على عمليات بيع السلع المنتجة في الاقتصاد. فالتقنيات الحديثة تساعد الأسواق الإلكترونية، المبرمجة وفق خوارزميات معقدة والتي انتشرت على نطاق واسع خلال العقود الأخيرة، على حيازة موقع شبه احتكاري وشبه متحكم في عملية تحويل القيم من صورتها السلعية إلى صورتها النقدية. وهذا الوضع يتيح لها اقتطاع جزء أكبر من الفوائض المتحققة في قطاعات أخرى من الاقتصاد.

إذاً، نحن لم نتجاوز الرأسمالية كما يقول فاروفاكيس، بل إن تحولاتها أوصلتها إلى نقطة تضخمت عندها عائدات وأرباح أقسام الرأسمال غير المنتجة للقيمة على حساب عائدات وأرباح الأقسام المنتجة لها. وهي مسألة بالغة الأهمية، لما لها من تداعيات كبيرة على آليات التراكم وإعادة الإنتاج. فاحتباس أقسام متزايدة من القيمة المنتجة في قطاعات غير منتجة لفائض القيمة علامة شيخوخة وإهدار لا يمكن إنكارهما.

لم نتجاوز الرأسمالية، كما يقول فاروفاكيس، بل أوصلتها تحولاتها إلى نقطة تضخمت عندها عائدات وأرباح أقسام الرأسمال غير المنتجة للقيمة على حساب عائدات وأرباح الأقسام المنتجة لها

أما بخصوص إنتاج مستخدمي فيسبوك للقيمة، فالواقع أن حجة المدافعين عن هذا الطرح، ومن أبرزهم عالم الاتصال والإعلام الماركسي كريستيان فوش، تبدو وجيهة في الظاهر. ففوش يقول إن نشاط مستخدمي فيسبوك هو الذي يمنح المنصة قيمتها التسويقية، فلولاه لما كان لها سعر يُذكر. ويبدو هذا منطقياً للوهلة الأولى. لكن تأمل المصدر الفعلي لأرباح فيسبوك يقودنا إلى استنتاجات مختلفة.

فمصدر أرباحه الرئيسي هو المقابل الذي يدفعه منتجو السلع والخدمات المختلفة للإعلان عن منتجاتهم، وهو أمر تؤكده المعلومات التي أوردناها قبل قليل. إذاً، ما يبيعه فيسبوك لهؤلاء هو أن لديه ربما بليون مستخدم نشط يشكلون جمهوراً للإعلانات. وليس هذا فقط، بل يبيع أيضاً قدرته على تصنيف المستهلكين بحسب عاداتهم وقيمهم ومواقعهم الجغرافية وأعمارهم وأجناسهم وأنواعهم، وهو ما يوفر للمعلنين موارد إضافية تمكّنهم من تحسين التخطيط والاستهداف.

وبالنظر إلى هذا الوضع، يمكننا القول إن فيسبوك لا يبيع للمعلنين المحتوى الذي ينتجه المستخدمون، بل يبيع وجود هؤلاء المستخدمين على المنصة في حد ذاته، إلى جانب تصنيفهم وفق صفات أو عوامل مختلفة بما يسمح باستهدافهم بدقة أكبر. وهذا بالضبط ما تبيعه أي وكالة إعلانات منذ أكثر من قرن.

وهذا يعني أن المحتوى الذي ينتجه المستخدمون لا قيمة له في حد ذاته. ومن ثم، فإن فيسبوك هو، في نهاية المطاف، مؤسسة إعلانية كسائر مؤسسات الإعلان. ومصدر أرباح هذه المؤسسات جميعاً، كما أكدنا قبل قليل، هو الجزء الذي يقتطعه الرأسماليون المنتجون للسلع والخدمات من أرباحهم للإنفاق على الإعلانات. وهو جزء غير منتج لفائض القيمة بطبيعته، بمعنى أن الرأسمال الذي توظفه الشركات المنتجة للسلع في الإعلان ليس رأسمالاً منتجاً للقيمة. ومن ثم، فإن الجهة الإعلانية التي تحصل على هذا الرأسمال في صورة نقدية تمارس نشاطاً لا يمكن وصفه بأنه منتج للقيمة. وينطبق ذلك كله على فيسبوك.

على أن معضلة واحدة تبقى بشأن ما إذا كان مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي منتجين للقيمة، وتتعلق تحديداً بمصدر الأموال الطائلة التي تحصل عليها نسبة ضئيلة، بالتأكيد، من صانعي المحتوى جراء التدوير الضخم لمحتواهم –اللايكات والشير وما إلى ذلك– كما في نموذج تيكتوك مثلاً.

نتذكر أولاً أن هؤلاء يحصلون على إيراداتهم الكبيرة من المنصة نفسها، في مقابل التفاعلات التي أثارها محتواهم، والتي نشّطت المنصة وزادت المشاركات فيها، وبالتالي عززت تأثير الإعلانات التي تشكل المصدر الأول لإيرادات المنصة. فإذا كان صانعو المحتوى غير منتجين للقيمة وليسوا مصدراً للأرباح، فلماذا يحصلون على مقابل مادي؟

أولاً، وللمرة الثانية، يحصل هؤلاء على أموال مقتطعة من نفقات إعلانية، وهي بالتعريف غير منتجة للقيمة، بل تنشّط تدوير قيمة سبق إنتاجها. ولذلك، فإن هذه المنصات تعمل، من حيث المبدأ، في مجال تدوير القيمة لا إنتاجها، تماماً كعمال البنوك. والقاعدة هي أن العمال المشتغلين في قطاعات تدوير القيمة ليسوا منتجين للقيمة. أما ما يحصل عليه صانعو المحتوى، فهو مقابل زيادة عدد جمهور الإعلانات ومشاركاته، أي نفحة مقتطعة من رأسمال غير منتج للقيمة.

وهنا نشير إلى أن العمل المفيد لا يساوي العمل المنتج للقيمة. فهناك أعمال كثيرة مفيدة للرأسمال، لكنها غير منتجة للقيمة، سواء لأنها تُنجز في قطاعات غير منتجة للقيمة، أو لأنها ليست مؤطرة، بأي شكل، داخل علاقة الاستغلال بين العمل والرأسمال؛ أي لأن هذا الجهد المفيد لم يُبذل بوصفه عملاً مستلباً داخل علاقة استغلال رأسمالي، بل جرى كمبادرة ليست فقط غير مدفوعة، وإنما أيضاً غير خاضعة لإشراف الرأسمال وسيطرته أثناء عملية العمل.

أما الذعر الذي يثيره بعض المنظرين، محذرين من أن الذكاء الاصطناعي سيزيح مئات، وربما آلاف، الملايين من العمال ويحل محلهم، فنراه مبالغاً فيه كثيراً. لا شك أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على مهن عديدة، لكنه سيخلق أيضاً مهناً جديدة. فإذا اختفى المترجمون، سيتسع في المقابل مجال عمل مدخلي البيانات. كذلك، يحتاج قطاع الذكاء الاصطناعي إلى بنية أساسية ضخمة من الحواسيب العملاقة، والمبردات الضخمة، والكابلات والتوصيلات، وغيرها من السلع الفيزيقية التي لا يمكن تجاهل أن إنتاجها سيتوسع مع صعود نجم هذا القطاع، الذي أصبح القطاع التقني القائد للتوسع الإنتاجي والخدمي في المرحلة الحالية والمستقبل المنظور.

إن ما يثير الخوف حقاً ليس بعبع إزاحة العمال، رغم صحته الجزئية، ولا سيما في المراكز الرأسمالية المتقدمة، بل واقع وإمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في إبادة البشر، والرقابة عليهم، وتشديد استغلالهم. هذا ما ينبغي اعتباره الخطر الأساسي للذكاء الاصطناعي: وقوعه تحت سيطرة الرأسمال في لحظة جنونية تتعمق فيها الأزمة، وتجنح فيها النخب الحاكمة نحو السلطوية والأداءات ذات المظهر الفاشي، من الولايات المتحدة الأميركية تحت ترامب، إلى أوروبا التي يكسب فيها اليمين المتطرف أرضاً كل يوم، إلى الصين رائدة السلطوية العالمية، وصولاً إلى روسيا المحكومة بتحالف رأسمالي مافياوي أمني.

في الخلاصة، التقنية أداتية، بمعنى أنها سلاح يمكن استخدامه لتعظيم ربح الرأسمال، كما يمكن استخدامه لتعظيم رغد العمل. ويتوقف الأمر على السياق، أي على الكل الذي تمثل التقنية جزءاً منه. ولهذا السبب تحديداً، لا تتمثل المهمة في محاربة التقنيات التي أتت بها الرأسمالية، بل في تغيير السياق جذرياً، بما يحرر التقنية من سجن الرأسمال.

ولا شك أن تحرير التقنية من التوظيف الربحي النفعي يمكن أن يسهّل كثيراً استخدامها في تعزيز التعاونية واسعة النطاق بين البشر. فالفكرة الأصلية وراء أوبر، مثلاً، كانت إنشاء منصة تعاونية تربط بين أصحاب سيارات خاصة لديهم مقعد متاح وطالبي خدمات توصيل لا يملكون سيارات. لكن أوبر انحدرت إلى وضع الشركة الرأسمالية شديدة الاستغلال، لا بسبب خطيئة أصلية في التقنية، بل بسبب السياق الرأسمالي. ولذلك، فإن النضال من أجل التحرر الشامل لا بد أن يتضمن السعي إلى تحرير التقنية من سجن علاقات الإنتاج الرأسمالية. وهذا أمر ممكن وضروري، لكنه –للأسف– ليس حتمياً.

 

    تامر وجيه

    كاتب اشتراكي مصري