معاينة ثمّة أسباب كثيرة لانهيار المباني في لبنان، لكن أهمّها أن حياة الفقراء غير مهمّة

ثمّة أسباب كثيرة لانهيار المباني في لبنان، لكن أهمّها أن حياة الفقراء غير مهمّة

شهد لبنان انهيار 28 مبنى بشكل كامل أو كبير، وفق عيّنة أعدّها موقع «صفر» اعتماداً على رصد تغطيات وسائل الإعلام المحلية منذ 11 آذار/مارس 2012، وهو تاريخ تعديل مرسوم السلامة العامة في الأبنية والمنشآت. وتكشف هذه العيّنة عن نتيجة أساسية: أنّ هناك أزمة هيكلية في سلامة المباني في لبنان تطال تداعياتها الفئات الأفقر بالدرجة الأولى.

يعاني مخزون المباني من التقادم وغياب الصيانة الدورية، ما يجعله ملاذاً للفئات المحدودة الدخل بسبب انخفاض كلفته بالمقارنة مع الشقق الأحدث. كما أنّ قسماً كبيراً من هذه الأبنية نشأ في سياق توسّع العشوائيات الفقيرة في خلال سنوات الحرب الأهلية. وتفاقمت المخاطر مع وقوع زلزال شباط/فبراير 2023 الذي طال مناطق الشمال اللبناني المُهملة، وصولاً إلى الدمار الواسع في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرّة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

تعكس العينة هذه الحقيقة، إذ أنّ معظم حالات الانهيار التي غطّتها وسائل الإعلام اللبنانية قد وقعت في طرابلس والضاحية الجنوبية لبيروت، أي في مناطق ذات كثافة سكانية عالية ويقطنها أفراد من الفئات الفقيرة والمتوسطة، إلى جانب حالات أخرى في أحياء بيروت الأقل ثراءً، مثل زقاق البلاط والنويري والمدوّر، وأخرى في قرى لبنانية متفرّقة.

تشير العيّنة إلى أن 15 حالة انهيار حدثت بعد شباط/فبراير 2024، أي أن أكثر من نصف الانهيارات وقعت في خلال فترة لا تتجاوز السنتين وبمعدّل يتجاوز 7 انهيارات سنوياً. ويُعزى هذا الارتفاع إلى الارتدادات المتأخرة لزلزال شباط/فبراير 2023، بالإضافة إلى الانهيارات المفاجئة في المباني المتضرّرة نتيجة العدوان الإسرائيلي.

ولا تغطي العيّنة الانهيارات الجزئية في أسقف الشقق والشرفات والجدران، التي تسبّبت بعضها في وفاة سكان. ومن بين هذه الحوادث المعروفة، سقوط سقف مبنى في الميناء - طرابلس عام 2019، الذي أسفر عن مقتل شقيقين من عائلة كاخية، وسقوط سقف في مدرسة الأميركان بطرابلس عام 2022، ما أدى إلى وفاة الطالبة ماغي محمود.

ثمّة أسباب كثيرة لانهيار المباني في لبنان، لكن أهمّها أن حياة الفقراء غير مهمّة

1. ما هي العوامل التي سرّعت هذه الانهيارات؟

قدم الأبنية وغياب الصيانة: 

يوجد 39,687 مبنى مشيّداً في لبنان منذ أكثر من 75 عاماً، وفق تعداد المباني لعام 2004 الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي، بعض هذه المباني متهالك جدّاً، ومعظمها لم يخضع للصيانة المطلوبة منذ سنوات أو عقود. والكثير من هذه الأبنية كان خاضعاً لقانون الإيجارات القديمة، الذي ضغط الملاك لإلغائه وتحرير عقود الإيجارات واعتمدوا طيلة السنوات السابقة سلوكاً عقابياً عبر الامتناع عن صيانة المباني المؤجّرة.

مخالفات البناء وغياب الرقابة: 

وفق تعداد المباني، يوجد في لبنان 383 ألف مبنى شُيّد قبل عام 1993، وما لا يقل عن 150 ألف مبنى منها بُني في خلال فترة الحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي وتفكّك الدولة (1975–1990). وبعض هذه المباني بني كعشوائيات تفتقر إلى معايير السلامة العامة وتسكنها الفئات الأكثر فقراً في المجتمع اللبناني، بما في ذلك سكان القرى الذين نزحوا إلى بيروت بحثاً عن عمل، إلى جانب العمّال الأجانب والسوريين والفلسطينيين، الذين لا يستطيعون تحمّل تكاليف السكن في مساكن نظامية.

الحرب الإسرائيلية على لبنان: 

أسفرت الحرب الإسرائيلية والدمار الواسع إلى زيادة مخزون المباني المهدّدة بالانهيار. تشير تقديرات البنك الدولي في آذار/مارس 2024 إلى أن حوالي 162,900 وحدة سكنية، أي ما يقرب من 10% من مخزون المساكن في لبنان قبل الحرب، قد تضرّرت بالعدوان الإسرائيلي على لبنان، مع تعرّض 74,300 منها لأضرار جزئية. كثير من الأبنية تعرّضت لتصدّعات أو أضرار جزئية لم تُرمَّم على نحوٍ صحيح، بل جرى الاكتفاء بإصلاحات سطحية بسبب الكلفة المرتفعة. ومع مرور الوقت، تتحوّل هذه الأضرار «المؤجّلة» إلى نقاط ضعف هيكلية، فتنهار الأبنية عند أول ضغط إضافي، سواء بسبب الأمطار أو الاهتزازات أو الأحمال الزائدة.

زلزال شباط/فبراير 2023: 

امتدت ارتدادات زلزال تركيا وشمال سوريا في شباط/فبراير 2023 إلى أجزاء من لبنان، لا سيما الشمال والبقاع الشمالي وهي محافظات تعاني من إهمال الدولة ويعيش فيها أفقر سكان البلاد. أفادت 40% من بلديات لبنان بوجود نحو 5,000 مبنى مهدّداً بالانهيار إثر زلزال تركيا 2023. فعلى الرغم من أن قوة الزلزال داخل لبنان كانت محدودة نسبياً، لكن تأثرت الأبنية القديمة والمتشقّقة، لا سيما تلك غير المصمّمة لمقاومة الزلازل. ولا يؤدي هذا النوع من الهزّات بالضرورة إلى انهيار فوري، لكنه يزيد من التصدّعات ويضعف العناصر الإنشائية، ما يجعل المباني أكثر عرضة للانهيار في خلال الأشهر أو السنوات التالية. وتتبيّن ارتدادات الزلزال اليوم كسبب من الأسباب مع استمرار انهيارات المباني في طرابلس.

2. هل يستمر مسلسل الانهيارات؟

من المؤكد أن مسلسل الانهيارات لم ينتهِ، فبحسب تقرير بعنوان «انهيار المباني في لبنان» منشور في مجلة «أشغال عامة»، يضمّ لبنان ما لا يقل عن 16,260 مبنى مهدّداً بالانهيار وفق تقديرات جمعية سلامة المباني، فيما ترفع الهيئة اللبنانية للعقارات هذا العدد إلى نحو 18,000 مبنى. 

هذه التقديرات ليست ناتجة من مسحٍ تقنيّ وشامل، إذ لا تتوّفر فعلياً معطيات وبيانات واضحة ودقيقة عن أعداد المباني الآيلة للسقوط، وليس هناك مسح شامل للأبنية المهدّدة حتّى اليوم، أقلّه في المدن ذات الكثافة السكانيّة المرتفعة. ولا تتضمّن الأضرار الواسعة في المباني التي تسبّبت بها الحرب الإسرائيلية على لبنان المستمرّة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

3. كيف تتصرّف الدولة؟

في كل مرة ينهار فيها مبنى على سكانه، كما نشهد في طرابلس اليوم، تتكرّر التحذيرات من خطر انهيار المزيد من الأبنية، وتُطلَق وعود رسمية بالتدخل لحماية حياة المهدّدين. لكن الواقع لا يتغيّر، فينهار المزيد من المباني ويموت المزيد من الناس، وسط غياب أي خطّة حكومية للمسح، أو التدعيم، أو الإخلاء الوقائي، أو توفير الإسكان البديل.

وينطبق الأمر نفسه على المباني التي تضرّرت نتيجة الحرب الإسرائيلية. منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، تتباطأ الدولة في إجراء مسوحات شاملة للأضرار، بالإضافة إلى تأخير عمليات الهدم والترميم ودعم المباني، أو تقديم المأوى للمتضرّرين.

ثمة قصور على مستوى التشريع بشكل خاص. فعلى الرغم من صدور المرسوم رقم 14293/2005 وتعديلاته في آذار/مارس 2012، المتعلّق بشروط وأسس تطبيق السلامة العامة في الأبنية والمنشآت في لبنان، يظل هذا المرسوم خطوة ناقصة سواء من حيث المضمون أو التطبيق الفعلي.

يشير مقال لاستوديو أشغال عامة، عدم لحظ المرسوم للأبنية القائمة قبل تاريخ الصدور، وبالتالي يُبقي على آلاف المباني القديمة والأحياء التاريخية من دون آلية لتأمين السلامة فيها، فضلاً عن استناده على قانون البناء الذي يُبقي مسؤوليات الصيانة والترميم ضبابية ويعزّز سياسات الهدم والتهجير.

بينما تقوم سياسة الدولة السكنية على اعتبار السكن سلعة خاضعة لقوانين السوق الحرّة، لذلك اقتصرت تدخلاتها على تحرير سوق الإيجارات، وتقديم دعم القروض السكنية لتملّك المساكن. قبل الغاء هذا الدعم قبل سنة من الانهيار في عام 2019 بمعنى أن الحكومة، بدلاً من الاستثمار في السكن الاجتماعي وربط سياساتها بتمكين المواطنين من حقهم في السكن والخدمات المرتبطة به، ركّزت على دعم جانب العرض، أي المالكين، وتجّار البناء، والمصارف، حتى بات الكثير من الأسر يعجز عن تحمّل كلفة السكن وخدماته، وتحوّلت هذه الكلفة الى سببا للافقار.