solar panels

نحو طاقة شمسية أكثر إنصافاً في لبنان

في عام 2022، واجهت رولا، المقيمة في بيروت، وعائلتها واقعاً مزعجاً1. فقد انهارت خدمات مرفق الكهرباء العام في لبنان، أي مؤسسة كهرباء لبنان، إلى حدّ شبه كامل في خلال الأزمة الاقتصادية التي شهدها البلد في عام 2021، وتوالت انقطاعات الكهرباء لساعات يومياً في مختلف المناطق. ومنذ زمن طويل، شكّلت المولّدات الخاصة في الأحياء جزءاً ثابتاً من الحياة اليومية في لبنان، لكنها تحوّلت إلى الخيار الوحيد في خلال فترات طويلة غابت فيها كهرباء الشبكة العامة. وفي الوقت نفسه، واصلت كلفة الاشتراك فيها الارتفاع شهراً بعد شهر.

مثل عائلات كثيرة من الطبقة الوسطى، اتجهت عائلة رولا إلى الطاقة الشمسية، مع انخفاض كلفتها عاماً بعد عام. وقدّمت الألواح الشمسية مخرجاً واضحاً من الأزمة. لكن عائلتها، كما هي حال نحو 50% من سكان لبنان، تعيش في منطقة حضرية كثيفة، وكان عليها أن تجد الطريقة الفضلى للاستفادة من هذه التقنية في ظل محدودية مساحة السطح التي تتشاركها مع عدد كبير من الجيران. وهنا برزت مشكلة كلاسيكية في إدارة الموارد المشتركة: لم يفكّر أي من الجيران جدياً من قبل في كيفية تقاسم سطح مبنى سكني بإنصاف لإنتاج الطاقة الشمسية.

بعد نقاشات طويلة، اتفق جيران المبنى السكني على تقاسم كلفة تركيب إطار معدني على السطح لتثبيت الألواح الشمسية، يحق لكل أسرة أن تثبّت عليه ما يصل إلى 6 ألواح كهروضوئية، بقدرة إنتاجية تبلغ 2.5 إلى 3 كيلوواط من الكهرباء. بعد ذلك، تستطيع كل أسرة أن تقرر ما تريد فعله بالقسم المخصّص لها من الإطار. فكل أسرة ترغب في تركيب نظام للطاقة الشمسية تصل ألواحها بعاكسات وبطاريات منفصلة داخل شقتها، وتختار أيضاً المورّد الذي تشتري منه المعدّات والخدمات.

تكشف تجربة هذا المبنى في تركيب الطاقة الشمسية حقائق أوسع عن طفرة الطاقة الشمسية الاستثنائية في لبنان، وهي طفرة دفعت إليها الأزمة وأحدثت تحوّلاً بنيوياً واجتماعياً كبيراً، إذ زادت القدرة المركّبة للطاقة الشمسية الكهروضوئية 11 ضعفاً بين عامي 2021 و20232. فعلى الرغم من تعاون الجيران لإيجاد حل جماعي لحاجتهم إلى مصادر جديدة للطاقة، بقي التحوّل إلى الطاقة الشمسية في نهاية المطاف استثماراً فردياً. أما السكان والأحياء محدودة الموارد، فتُركت عملياً في مواجهة انقطاعات الكهرباء واشتراكات الموّلدات، وهي اشتراكات لا تتطلب كلفة أولية.

نحو طاقة شمسية أكثر إنصافاً في لبنان

بين هذا الاكتظاظ العمراني في بيروت، لا تكفي أشعة الشمس وحدها؛ فالمساحة والمال يحدّدان من يستطيع تحويلها إلى كهرباء. (تصوير: كريستيان حرب) 

قد يساعد الطابع الفردي لهذه الطفرة في تفسير التباطؤ الملحوظ في وتيرة تركيب الطاقة الشمسية في لبنان في خلال العامين الماضيين، مع أن ملايين اللبنانيين من الفقراء وسكان المدن ما زالوا من دون طاقة شمسية. ويعني غياب التنسيق أيضاً أنها، على الرغم من منافعها البيئية التي لا يمكن إنكارها في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وزّعت منافعها الأخرى بصورة غير متكافئة، فيما بدأت تلوح تبعات صحية وبيئية جديدة.

يستند هذا التقرير إلى أكثر من 10 أعوام من البحث في قطاع الطاقة اللبناني، بما في ذلك ما وُصف بـ«ثورة» الطاقة الشمسية في لبنان، ليجادل بأن الطاقة الشمسية على مستوى المنازل حازت معظم الاهتمام في لبنان، في حين ترتبط الفرص الأكبر لبناء مستقبل شمسي أكثر إنصافاً بالتنظيم على مستوى المباني. ويقوم البحث المعروض هنا على اجتماعات ونقاشات مع مسؤولين لبنانيين، ورواد أعمال في قطاع الكهرباء، ومستخدمين للطاقة، مع تركيز خاص على دراسة حالة مبنى واحد في بيروت نظّم سكانه تركيب منظومات الطاقة الشمسية جماعياً. ويسعى التحليل أولاً إلى فهم كيف ولماذا حلّت العتمة وانقطاعات الكهرباء باللبنانيين3، ثم إلى فهم كيف شهد البلد تحوّلاً سريعاً وغير متوقع إلى حد بعيد. ويبيّن كذلك أنه، على الرغم من العقبات التي تعترض تعميم المقاربة الجماعية للطاقة الشمسية على مستوى المباني، تبقى هناك مسارات يستطيع صنّاع السياسات اعتمادها لتحقيق انتقال أوسع من الحلول الفردية إلى الحلول الجماعية.

طفرة لافتة لكنها مشوبة بالثغرات

ازداد تركيب أنظمة الطاقة الشمسية السكنية في لبنان على نحو كبير. ففي عام 2018، لم يسجّل المركز اللبناني لحفظ الطاقة سوى 1,807 أنظمة للطاقة الشمسية الكهروضوئية في البلاد. أما اليوم، فيوجد أكثر من 250,000 نظام للطاقة الشمسية تغطي 20–25% من الأسر، بحسب المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان4. وفي مواجهة ظروف استثنائية وتقاعس الدولة، اضطرت الأسر إلى تحمّل معظم العبء المالي والتنظيمي لهذا التحوّل. فلا تؤمّن الشبكة العامة إلا قدراً ضئيلاً جداً من الكهرباء، فيما ارتفعت تعرفة المولدات الخاصة كثيراً، من دون أن تمثّل بديلاً موثوقاً وشاملاً. وحتى عام 2020، حتى عام 2020، كانت معظم القدرة المركّبة للطاقة الشمسية في يد الشركات والمؤسسات العامة5. لكن منذ ذلك الحين، صارت الأسر المصدر الرئيس للاستثمار في الطاقة الشمسية. وتتخذ أنظمة الطاقة الشمسية السكنية في لبنان طابعاً فردياً وخارج الشبكة، وتصمَّم لدعم استقلالية الأسر. ويتشارك سكان الأبنية السكنية، مثل مبنى رولا، الأسطح والمساحات الفارغة الأخرى حيث يركّبون الألواح، لكن العاكسات والبطاريات وأجهزة التحكّم اللازمة لتشغيل النظام توجد داخل كل منزل. وينطوي هذا النوع من الحلول على نقاش جماعي، لكنه يتيح تشاركاً محدوداً نسبياً للموارد. إذ ينبغي للمالكين الاتفاق على كيفية استخدام السطح وتقاسمه، لكن الألواح تبقى فردية وموصولة مباشرة بمعدّات كل أسرة الخاصة. وفي معظم الحالات، لا يركّب هذه المعدّات إلا بعض سكان المبنى، ما يعني أنه حتى لو استضاف مبنى مشترك ألواحاً شمسية على مساحة سطحه المحدودة، لا يستفيد منها سوى من بادروا إلى تركيب الأنظمة أولاً، وهم عادة الأسر الأكثر ثراءً في المبنى.

فضلاً عن ذلك، أضعفت الأزمة الاقتصادية قدرة الأسر على الاستثمار، ما جعل هذه الأنظمة الفردية تعجز غالباً عن تلبية حاجات الأسرة كلها. لذلك، خفّضت حتى الأسر التي تتوفر لها الطاقة الشمسية في الأبنية السكنية المشتركة استهلاكها للكهرباء. وبسبب السعة المحدودة للبطاريات، تواصل هذه الأسر الاعتماد على المولدات الخاصة.

على الرغم من أن الطاقة الشمسية لا تسبّب تلوّثاً للهواء على غرار مولدات الديزل الخاصة، فإن لها مع ذلك آثاراً صحية وبيئية كبيرة6. فقد واجهت أسر كثيرة أعطالاً، بل حوادث أيضاً، بينها حرائق، بسبب بطاريات رديئة النوعية أو مركّبة بطريقة سيئة. وتتميّز بطاريات الرصاص الحمضية، وهي أقل كلفة ويفضّلها كثير من المستخدمين، بعمر تشغيلي محدود، ويجب استبدالها بعد نحو 3 أعوام. ولم تعالج الدولة اللبنانية مسألة إعادة تدوير البطاريات، خصوصاً بطاريات الليثيوم، فيما يبقى خطر التلوّث الناجم عن المواد السامة التي تحتوي عليها مرتفعاً جداً7. ومن وجهة نظر بيئية، تنطوي هذه الأنظمة أيضاً على مساوئ وقيود: إذ تضطر الأسر إلى استهداف قدرة نظام ملائمة لـذروة الاستهلاك لديها، في أبرد فترات الشتاء وأشد فترات الصيف حرارة. ونتيجة لذلك، تنتج هذه الأنظمة في معظم أوقات العام طاقة تفوق ما تستهلكه الأسر. لكن بما أن هذه الأنظمة لا تستطيع ضخ الكهرباء الفائضة في الشبكة، يضيع فائض الكهرباء كله متى بلغ تخزين الطاقة في البطاريات حدّه الأقصى.

لم يسجّل المركز اللبناني لحفظ الطاقة سوى 1,807 أنظمة للطاقة الشمسية الكهروضوئية في البلاد. أما اليوم، فيوجد أكثر من 250,000 نظام للطاقة الشمسية تغطي 20–25% من الأسر، بحسب المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان

تبرز مشكلة كبرى أخرى في طفرة الطاقة الشمسية، هي طابعها الإقصائي اجتماعياً8. فالأسر التي ركّبت ألواحاً شمسية، ونسبتها 20–25%، تمثّل زيادة كبيرة مقارنة بالماضي، لكن 75–80% من السكان لا يستفيدون منها9. ويعود السبب الرئيس إلى الكلفة، إذ يبلغ سعر نظام صغير للطاقة الشمسية 4,000–5,000 دولار في الأقل، ما يجعله خارج متناول كثيرين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في لبنان10. كذلك، يعجز معظم مستأجري الشقق عن تركيب أنظمة للطاقة الشمسية، إما لأنهم لا يملكون حق استخدام السطح، أو لأن استثماراً كهذا لا يكون مجدياً إلا إذا ضمن المرء استخدامه على المدى الطويل، وهو ضمان لا يتوافر لكثير من المستأجرين. أخيراً، تشكّل مساحة السطح قيداً أساسياً، خصوصاً في المناطق الحضرية الأكثر كثافة سكانية. ولا يصلح كل سطح لتركيب الألواح الشمسية، إذ إن تركيبها يحول دون استخدامه لأغراض أخرى، كما يرفض بعض مالكي الأبنية السماح للمستأجرين باستخدام الأسطح لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية.

حدث هذا التحوّل في لبنان بسرعة شديدة وفي فراغ قانوني. ولم يُقرّ قانون إنتاج الطاقة المتجدّدة الموزّعة، الذي ظلّ موضع نقاش لأعوام طويلة، إلا في نهاية عام 202311. ويسمح هذا القانون للجهات الخاصة بتركيب أنظمة للطاقة المتجدّدة وبيع الكهرباء إلى مستهلكين آخرين عبر الشبكة، من خلال نظام التعداد الصافي الذي تشتري بموجبه الشبكة فائض الكهرباء المنتجة من جهات خاصة. غير أن هذا النظام لا يزال يحتاج إلى سلسلة من الإجراءات التقنية وتدابير تحديد التعرفة، ينبغي أن تتخذها الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، التي أُنشئت في أيلول/سبتمبر 2025 بعد أعوام من الجدل، وتواجه في الوقت نفسه تحديات كبيرة أخرى12. وفوق ذلك، يحتاج التعداد الصافي إلى شبكة تعمل فعلياً، وهو ما لا يتوافر في لبنان، على الرغم من بعض التحسّن الطفيف أخيراً. وفي هذه الأثناء، لا يستطيع مالكو أنظمة الطاقة الشمسية الخاصة بيع الطاقة المتجدّدة مباشرة إلا إلى مستخدمين مجاورين، من دون المرور بالشبكة العامة.

يناقش صنّاع السياسات اللبنانيون تدابير أخرى لزيادة مساهمة الطاقات المتجدّدة في مزيج الكهرباء في لبنان، منها تعاونيات الطاقة على مستوى القرى وعلى النطاق الصناعي13. لكن هذه التدابير تتطلّب تعديلات تشريعية لا تبدو أولوية لدى الحكومة الحالية.

أنظمة طاقة شمسية مشتركة على مستوى المبنى

يجدر استكشاف إمكان آخر لإدارة الطاقة الشمسية: إنشاء أنظمة طاقة شمسية مشتركة على مستوى المبنى.

في رأس بيروت، يوجد مبنى يضم 11 شقة ومصعدين، وتشغل كل شقة فيه طابقاً كاملاً. ينتمي سكان هذا المبنى إلى الطبقتين العليا والوسطى العليا. قبل الأزمة، استخدم المبنى مولدَي ديزل بقدرة 40 كيلوواط و70 كيلوواط على التوالي، وتولّت لجنة المبنى إدارة كلفتهما ولوجستياتهما. يرأس اللجنة زياد بستاني، وهو مهندس شغوف بالإلكترونيات والبيئة، ويرأس أيضاً مجلس إدارة شركة متخصصة في أجهزة التحكّم الإلكترونية المتقدّمة، وسبق أن جهّز منشآت شركته بنظام كبير للطاقة الشمسية. وحتى قبل الأزمة الاقتصادية في لبنان، حاول إقناع جيرانه بتركيب نظام مشابه، لكنهم لم يقتنعوا في النهاية إلا بعد عام 2021 والتوقف شبه الكامل لخدمات مؤسسة كهرباء لبنان.

رُكّب النظام في نهاية عام 2022، بقدرة 56 كيلوواط على سطح المبنى، مع عاكسات هجينة بقدرة 45 كيلوواط، وبطارية بسعة 100 كيلوواط/ساعة، تستطيع تأمين قدر من الكهرباء خارج الشبكة بعد غروب الشمس. ولا يزال المبنى يستخدم مولدات الديزل أحياناً ليلاً، لمدة تراوح بين 30 دقيقة وساعة، لإعادة شحن البطاريات حين تنخفض دون مستوى شحن معيّن. ويستفيد النظام من عدّاد ثنائي الاتجاه يعمل وفق نظام التعداد الصافي: إذ يتيح الاتصال بمؤسسة كهرباء لبنان إعادة شحن البطاريات ليلاً عند الحاجة، وبشرط توافر التغذية من شبكتها، بدلاً من استخدام المولدات، أو ضخ فائض الكهرباء غير المستهلكة من الألواح الشمسية في الشبكة في خلال النهار. وعلى الرغم من أن الخلل الحالي في شبكة مؤسسة كهرباء لبنان يعني أن كميات محدودة جداً فقط من الكهرباء المولّدة من الطاقة الشمسية تُضخ فعلياً في الشبكة، يمكن لهذا النظام أن يصبح أجدى بكثير مع شبكة أكثر استقراراً. وتؤمّن المضخّات الحرارية التدفئة شتاءً، فيما يؤمّن التكييف التبريد صيفاً. وعلى الرغم من أن التدفئة والتبريد قد يتجاوزان أحياناً قدرة النظام الشمسي ويتطلّبان استخدام مولّد احتياطي يعمل بالديزل، فإن ذلك لا يحدث كثيراً14.

يعتمد حسن عمل النظام، في جزء أساسي منه، على تجهيز كل وحدة سكنية بعدّاد فردي يتيح مراقبة كمية الطاقة التي تستهلكها كل أسرة. ويشجّع قياس الاستهلاك على مستوى كل وحدة الأسر على ترشيد استهلاكها، إذ تتحمّل الأسرة المعنية تحديداً كلفة أي استهلاك زائد يتطلب تشغيل المولّد. وكما شرح بستاني على حسابه في «إكس»: «بعد حسم استهلاك الأقسام المشتركة، تُقسَّم الطاقة الشمسية بالتساوي بين المقيمين مجاناً. وتُحمَّل كلفة الديزل على الاستهلاك الإضافي لكل من استهلك أكثر مما وفّرته الشمس»15. ولخفض الاستهلاك، قال إنه شجّع جيرانه على استبدال الأجهزة المنزلية كثيفة الاستهلاك للطاقة، ولا سيما أجهزة التكييف والبرادات القديمة16.

نحو طاقة شمسية أكثر إنصافاً في لبنان

تمرّ امرأتان بجانب لوحة كهربائية في أحد شوارع بيروت، حيث باتت البنية التحتية للطاقة جزءاً من المشهد اليومي للمدينة. (تصوير: نونو البيرتو) 

في الإجمال، لم تعد مولدات المبنى تعمل سوى 800 ساعة في العام، مقارنة بإجمالي 12,000 ساعة تشغيل سنوياً قبل هذا التحوّل. وانخفضت تكاليف المبنى، ولا سيما الوقود، من 45,000 دولار سنوياً إلى 10,000 دولار سنوياً، ما يعني وفراً سنوياً إجمالياً قدره 35,000 دولار. وإذا توزّع هذا الوفر على 11 أسرة، يبلغ متوسطه 3,180 دولاراً سنوياً لكل أسرة. وبما أن كل أسرة دفعت 7,200 دولار لتركيب النظام، يُستردّ الاستثمار في أقل من 3 أعوام. ولو استثمرت كل أسرة هذا المبلغ على نحو فردي ومن دون تنسيق، كما فعل سكان مبنى رولا في نظامهم الشمسي، لما تمكّنت أي أسرة من شراء نظام تتجاوز قدرته 4 كيلوواط، وهي قدرة لا تكفي لتلبية حاجاتها. ويتيح الاستثمار المشترك تجميع استخدام السطح والبطاريات والمعدّات المشتركة. وقد حققت هذه المقاربة وفورات كبيرة، يقدّرها بستاني بنحو 25%، من دون احتساب التكاليف المرتبطة بالمصاعد والمضخّات الحرارية. ويشكّل توزيع الكهرباء على المبنى كله عنصراً أساسياً، لأن اختلاف إيقاعات استهلاك الكهرباء وأنماطه بين الأسر يسمح باستخدام معظم الطاقة الشمسية المنتجة بدلاً من هدرها17.

حلّ متأخر وأقل من المطلوب؟

بقدر ما تبدو تجربة بستاني ناجحة، ثمة أسباب تجعل تكرارها في أماكن أخرى أمراً صعباً.

على الرغم من المنافع المالية والبيئية لهذا النظام، تطلّب إقناع سكان المبنى باعتماده جهداً كبيراً. فقد احتاج تنفيذه إلى استثمار شخصي كبير من جانب بستاني، الذي أجرى اختبارات على نطاق واسع عبر تركيب نظام شمسي تجريبي بقدرة 24 كيلوواط على نفقته الخاصة، لتقييم جدواه في ضوء الظل الذي يلقيه مبنى مجاور. وينبغي الإشارة أيضاً إلى أن بستاني امتلك خبرة سابقة ومعرفة واسعة وعلاقات مع جهات التركيب مكّنته من إجراء هذه الاختبارات. فقد خصّص وقتاً ومالاً للمشروع، مع أنه استطاع استرداد استثماره لاحقاً. كذلك، منحه استعداده لخوض هذا الاستثمار وسجله السابق في إدارة اشتراكات مولدات المبنى ثقة جيرانه. وحتى مع هذه الثقة، استغرق الحصول على موافقة السكان الآخرين على المشروع وقتاً18.

تشكّل الثقة والخبرة والقدرة على الاستثمار في النظام، فضلاً عن استبدال الأجهزة المنزلية، شروطاً أساسية قد لا تتوافر في كل مكان، خصوصاً في سياق اقتصادي واجتماعي تطبعه الأزمة والهجرة. ويضاف إلى ذلك ضعف الثقة بجهات التركيب الخاصة، التي تفتقر غالباً إلى الخبرة وتلهث وراء الربح. وقد حاول بستاني تشجيع جيرانه في أبنية أخرى على تكرار مبادرته، فدعاهم إلى زيارة المبنى وشرح لهم هذا الإنجاز الجماعي. لكن حتى معارفه قابلوا طرحه بشيء من الارتياب19.

ينبغي عدم المبالغة في قدرة هذه الأنظمة على شمول الجميع. فحتى إذا كانت كلفتها أدنى من كلفة أنظمة الطاقة الشمسية المعتادة في لبنان، ستبقى خارج متناول شرائح واسعة من المجتمع لأسباب مالية ومادية

لهذه الأسباب مجتمعة، قد يصعب تعميم نظام بستاني أو تكراره بسهولة في كل مكان، ولا سيما في الأبنية التي تضم مستأجرين، أو حيث يتفاوت الوصول إلى رأس المال والقدرة على الاستثمار والرغبة فيه تفاوتاً كبيراً، أو حيث تضعف الثقة بين الجيران في الشؤون المشتركة، من إدارة المصاعد وإنارة الأقسام المشتركة إلى التنظيف ومواقف السيارات وغيرها. وفي الأبنية التي تضم عدداً أكبر من الشقق وكثافة سكنية أعلى، قد تفرض الحاجة إلى الكهرباء تركيب قدرة تفوق ما تسمح به مساحة السطح. وتبرز مسألة أخرى: لا تملك جهات التركيب الوقت أو الرغبة أو حتى الحافز للترويج لهذا النوع من المشاريع، لأنه يتطلب منها وقتاً أطول وجهداً أكبر، في مقابل بيع عدد أقل من الأنظمة في النهاية. وبعد 5 أعوام على ذروة الأزمة في لبنان، ركّبت معظم الأسر القادرة أنظمة الطاقة الشمسية بالفعل، فيما بقيت الأسر الأخرى عاجزة عن ذلك بفعل الفقر. وقد استقرت واردات الألواح الشمسية والبطاريات والعاكسات في عامي 2023 و202420.

إمكانات البناء على التجربة

مع ذلك، تبرز فرصة لاعتماد بعض جوانب نظام بستاني في أبنية سبق أن شهدت استثمارات، لكنها تحتاج اليوم إلى إصلاحات وتعديلات كبيرة، مثل استبدال بطاريات الرصاص ببطاريات الليثيوم. وفي حالات كهذه، يمكن للحكومة اللبنانية ومنظمات التنمية أن تستخدم الإعانات لتشجيع تشارك الموارد، ليس عبر استبدال البطاريات فقط، بل أيضاً عبر تغيير العاكسات اللازمة لجعل نظام التعداد الصافي ممكناً21.

يتطلب الترويج لهذه الأنظمة تحديد تجارب مشابهة للحالة المعروضة هنا، وتكليف شركات متخصصة في تدقيق الطاقة بإجراء دراسات تقارن بين الخيارات التقنية وكلفها. ثم تُنشر النتائج، إلى جانب مواد إرشادية أو أدلة عملية تشرح أفضل الممارسات، بالتوازي مع وضع آليات الحوافز المالية موضع التنفيذ.

ينبغي عدم المبالغة في قدرة هذه الأنظمة على شمول الجميع. فحتى إذا كانت كلفتها أدنى من كلفة أنظمة الطاقة الشمسية المعتادة في لبنان، ستبقى خارج متناول شرائح واسعة من المجتمع لأسباب مالية ومادية، منها ضيق مساحة السطح، وكذلك بسبب الوضع السكني، إذ يُستبعد المستأجرون بنيوياً من هذه الآليات. لكن قد يصبح إشراك المستأجرين ممكناً في بعض الحالات. ففي الإيجارات المتوسطة الأجل، خصوصاً لدى المغتربين الأعلى دخلاً، قد يجد المالكون مصلحة في الاستثمار في أنظمة مشتركة على مستوى المبنى، ثم بيع الكهرباء بسعر يغطّي تراجع قيمة النظام على مدى عمره التشغيلي. ويمكن أيضاً تشجيع اتفاقات بين المستأجرين والمالكين، تضمن للمستأجرين الذين يستثمرون في نظام مشترك حق بيعه مجدداً إلى المالك بكلفة مضمونة عند انتقالهم من المسكن. وهناك صيغة قائمة على السوق تُعرف بعقود أداء الطاقة، تستأجر بموجبها شركات خاصة السطح، وتركّب نظاماً للطاقة الشمسية، وتبيع الكهرباء للسكان، بما يسمح لها باسترداد استثمارها في بضعة أعوام. وثمة عقود كهذه في الولايات المتّحدة وسويسرا وألمانيا، وبصورة أعم في الاتحاد الأوروبي22. ويمكن لتمويل عام أو تمويل دولي قائم على المساعدات أن يسهّل تمويل هذه المبادرات، إلا أن هذه المقاربة قد تستبعد الأسر غير القادرة على تحمّل كلفة الكهرباء ضمن ترتيب من هذا النوع23.

نحو طاقة شمسية أكثر إنصافاً في لبنان

تشكّل الأسلاك الكهربائية المتشابكة في بيروت مشهداً يومياً يعكس الضغوط المتراكمة على البنية التحتية في العاصمة اللبنانية. (تصوير: ميكال جاديك)

يتمثّل خيار آخر في مأسسة النموذج التعاوني وتطبيقه على الأبنية. فتعاونيات الطاقة جمعيات مستقلة تضم أفراداً يتعاونون طوعاً لتلبية حاجات مجتمعية، وفي هذه الحالة تأمين إمدادات الطاقة. وفي خلال الأعوام الـ20 الماضية، شهدت ألمانيا والنمسا وبريطانيا نمواً قوياً في مبادرات من هذا النوع. ففي عام 2009 مثلاً، عملت 23% من التعاونيات التي تأسست حديثاً في ألمانيا في قطاع الطاقة، ومعظمها في مزارع الرياح والطاقة الحيوية والمزارع الشمسية الكهروضوئية24. وتهدف التعاونيات إلى فصل الوصول إلى الطاقة الشمسية عن ملكية العقار، وفتح المجال أمام وصول متكافئ للمستأجرين والأسر المحرومة. غير أن ترتيبات كهذه تتطلب عادة استثمارات أولية في شكل سندات قد يصعب جمعها في السياق اللبناني الحالي. لذلك، ينبغي أن تؤمّن منظمات المساعدات الدولية أو الاغتراب اللبناني جزءاً من التمويل في الأقل.

إمكانات النموذج وحدوده

غالباً ما يُروَّج لنموذج أنظمة الطاقة الشمسية المشتركة على مستوى المبنى بوصفه نموذجاً ديمقراطياً وبيئياً. ففي بلدان عدة، تُعرف هذه المبادرات باسم تعاونيات الطاقة، بما يبرز طابعها الديمقراطي وشمولها الاجتماعي. وفي الاتحاد الأوروبي، يُشار إليها أيضاً باسم مجتمعات الطاقة، ويمكن تنظيمها على مستوى الحي أو القرية، أي أنها تتجاوز حدود الأبنية السكنية المنفردة25.

لكن لا ينبغي التعامل مع المثال الذي نعرضه في هذا التقرير بوصفه تجربة ديمقراطية. فهو أقرب إلى تعاون بين مجموعة ميسورة وذات امتيازات، تدرك مصالحها جيداً وتتحرّك على أساسها. ففي لبنان، وخلافاً لتعاونيات الطاقة الأوروبية، تفرض الأبنية المنفردة نفسها كخيار افتراضي بفعل اختلال الشبكة. لذلك، لا يمكن اعتبار دراسة الحالة المعروضة هنا شاملة اجتماعياً أيضاً.

لا يعني ذلك أن تنظيم الأبنية المنفردة لأنظمة الطاقة الشمسية لا يترك آثاراً اجتماعية إيجابية. فهذه الأنظمة تحقق منافع بيئية لا يمكن إنكارها، لكنها تظل محدودة بحدود المشروع نفسه.

وبسبب ترسّخ الممارسات الفردية في التعامل مع الطاقة الشمسية في لبنان، وارتفاع كلفة تهيئة الأنظمة القائمة، بات الوقت متأخراً لنشر هذه الأنظمة على نطاق واسع. مع ذلك، لا تزال هناك إمكانات لتهيئة الأنظمة الفردية القائمة ودمجها في أبنية كثيرة في لبنان، خصوصاً عبر الاستفادة من الاستثمارات الضرورية المقبلة لتبديل المكوّنات، ولا سيما البطاريات، ووضع الأساس لتوسيع نظام التعداد الصافي عندما تتعافى الشبكة الوطنية. ويتطلّب ذلك الترويج لمنافع هذه الأنظمة، ونشر أفضل الممارسات، وتقديم آليات حوافز مالية، وتشجيع حوكمة شاملة للجان الأبنية، والإصغاء إلى توقعات المالكين، والسعي إلى إيجاد حلول للمستأجرين كي يتمكنوا من المشاركة في هذه المبادرات والاستفادة منها. ويتمثّل دور الحكومة وأجهزتها المتخصصة، أي الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء والمركز اللبناني لحفظ الطاقة، في الترويج لهذه المشاريع عبر إبراز منافعها، وإرساء البنية القانونية اللازمة لتنفيذها. أما منظمات المساعدات، فينبغي أن تؤمّن الرافعة المالية اللازمة لتشجيع استثمارات جديدة أو إعادة تهيئة الأنظمة القائمة.

نُشر هذا المقال على موقع «ذا سنتشري فاونديشن» في 18 أيار/مايو 2026، وتُرجم إلى العربية ونُشر في «صفر» بموافقة الجهة الناشرة.

إريك فيرداي

أستاذ الجغرافيا والدراسات الحضرية في معهد العلوم السياسية في باريس. عمل في لبنان لأعوام طويلة، ونشر مع المعهد الفرنسي للشرق الأدنى والمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان كتاب أطلس لبنان: تحدّيات جديدة في عام 2019.