ماذا يريد أحمد الشرع من الاقتصاد السوري؟
يتوقّف نجاح الإدارة السورية الجديدة، التي نشأت فوق أنقاض 15 عاماً من الحرب الأهلية والثورة المضادّة، على التعافي الاقتصادي. تُظهر مجمل تحرّكات النظام الجديد في دمشق على المستويين الدولي والإقليمي أنّها تصبّ في خدمة هذا الهدف، من العمل على تخفيف العقوبات الأميركية عبر القنوات السعودية إلى السعي لاستقطاب الاستثمارات الخليجية والتركية، وصولاً إلى التلميح بإمكان المضيّ في مسار التطبيع مع إسرائيل، في وقت تواصل فيه الأخيرة توسيع احتلالها لأراضٍ سورية سيادية.
لا يثير هذا التركيز أيّ مفاجأة، إذ تعيش سوريا حالة دمار اقتصادي عميق، ينعكس في عيش 90% من السكّان تحت خط الفقر، فيما يحتاج 69% منهم إلى مساعدات إنسانية. فقدت العملة الوطنية ما يقارب 99% من قيمتها مقابل الدولار الأميركي مقارنة بمستواها في العام 2011. بين عامي 2011 و2023، انخفض عدد السكّان وانكمش الناتج المحلي الإجمالي إلى النصف على الأقل، ما خفّض الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى ربع مستواه في العام 2011. كما تراجع الإنتاج الزراعي إلى ربع مستواه قبل الحرب، في حين بقيت الاحتياطات النفطية المحدودة خارج سيطرة دمشق في مناطق الإدارة الذاتية في روجافا. ومع اقتراب سقوطه، بات استمرار النظام السابق قائماً على الدعم الخارجي والابتزاز وتجارة الكبتاغون. تتحمّل البلاد ديوناً تقدَّر بـ 30 مليار دولار لروسيا وإيران، راعيتي النظام السابق، ما يوضح حجم التحدّي الاقتصادي الذي تواجهه الإدارة الانتقالية.
المزيد من الأمر نفسه؟ استمرار المراحل المتأخرة من حكم الأسد
مع ذلك، تُعيد السياسات التي اعتمدها أحمد الشرع وحكومته إنتاج خيارات المراحل المتأخّرة من النظام السابق. بخلاف والده، الاقتصادي الذي خدم الدولة السورية في عهد حافظ الأسد في خلال ذروة النزعة التنموية في بلدان العالم الثالث، يتبنّى الشرع الابن سياسات الخصخصة وتحرير الأسواق وتقليص التوظيف العام، وهي مقاربات سائدة إقليمياً وعالمياً، وصفها الشرع الأب نفسه بأنّها «خطأ جسيم». وقد أعلن الشرع أنّ سوريا ستتخلّى عن «اقتصاد السوق الاجتماعي» الذي طبع سنوات البعث المتأخّرة، ولا سيّما بعيداً عن «الاشتراكية» المعلَنة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لتتحوّل إلى «اقتصاد سوق تنافسي حرّ ». وفي هذا السياق، جرى صرف أو وضع نحو 250,000 موظف في القطاع العام في إجازات قسرية، من بينهم عاملون في القطاع الصحي وخدمات الطوارئ. بلغ الأمر حدّ تباين تصريحات مسؤولي الإدارة الانتقالية حول حجم التقليص، إذ رأى وزير المالية أنّ الحاجة تقتصر على 900,000 موظف من أصل 1.3 مليون، فيما خفّض وزير التنمية العدد إلى نحو 600,000.
فكرة أن ثروة البلد سوف تنتعش بفعل المبادرة الخاصة، مع تأمين سبل عيش مئات آلاف العاملين المفصولين من القطاع العام، إضافةً إلى تعميق مخاوف الأقليات الدينية المُمثَّلة بنسبة مرتفعة في هذا القطاع، تبدو خيالية
لا شكّ في أنّ القطاع العام في سوريا شكّل إحدى أدوات المحسوبية في عهد النظام السابق، وأنّ جزءاً من الرواتب كان يُدفَع لموظفين لا وجود لهم فعلياً. لكن فكرة أن ثروة البلد سوف تنتعش بفعل المبادرة الخاصة، مع تأمين سبل عيش مئات آلاف العاملين المفصولين من القطاع العام، إضافةً إلى تعميق مخاوف الأقليات الدينية المُمثَّلة بنسبة مرتفعة في هذا القطاع، تبدو خيالية بالقدر نفسه. قبل أيّ شيء، من سيتولّى تعليم ورعاية قوّة عمل خضعت لـ15 عاماً من العنف والنزوح على نحو يفوق الوصف، في بلد دُمّرت أو تضرّرت فيه ثلث المدارس، ولا يستطيع سوى أقلية من الأطفال في سنّ 13 عاماً قراءة قصة عربية بسيطة من فقرة واحدة؟ وكما في غزّة، وفي اليمن أو السودان، وكما في سائر مناطق الإقليم التي خلّفت فيها الإبادة والثورة المضادّة والحرب الأهلية دماراً واسعاً، يتطلّب التعافي مزيداً من الاستثمار العام لا تقليصه.
إعادة تشكيل الذهنيات عبر الاقتصاد: التكنوقراطية كأداة سياسية
تتجلّى الفكرة القائلة إنّ الحلّ الوحيد لأزمات سوريا الاقتصادية يكمن في مزيد من الخصخصة وتعميق اللامساواة في توصيف سياسات النظام الجديد بوصفها «تكنوقراطية». صحيح أنّ وزيري المالية والاقتصاد الجديدين ينحدران من خلفيات غير إسلامية، وأنّ وزير المالية شغل في مرحلة ما موقعاً وزارياً إبّان الانعطافة النيوليبرالية الأولى للنظام السابق. غير أنّ اعتماد سياسات السوق الحرّ ليس خياراً حتمياً ولا يُعدّ «براغماتياً» بالضرورة. في لحظة أزمة أخرى من تاريخ سوريا، التي انبثق منها نظام البعث في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، التقت الأحزاب السياسية والضبّاط العسكريون على إجماع مفاده أنّ الاستجابة البراغماتية للأزمة الاقتصادية في البلاد تمثّلت في تبنّي تنمية تقودها الدولة ضمن إطار «اقتصاد موجَّه».
ليست الخصخصة والأسواق الحرّة، أو ما استقرّ توصيفه بوصفة السياسات «النيوليبرالية»، خياراً تقنياً بل تمثّل اختياراً سياسياً واضحاً. ولا تقتصر السياسة الاقتصادية التي يتبنّاها أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام على مقاربة تكنوقراطية ضيّقة، بل تتجاوزها إلى ما يمكن توصيفه، استعارةً من مارغريت تاتشر، بأنّ «الاقتصاد هو المنهج، أمّا الهدف فهو إعادة تشكيل الذهنيات». تنظر الإدارة الجديدة إلى السياسة الاقتصادية بوصفها جزءاً من مشروع أخلاقي وسياسي أوسع، وتسعى من خلالها إلى تمثيل ما تعتبره الأغلبية السنية «المظلومة» في المجتمع السوري، ولو من خارج إطار الدولة الإسلامية بالمعنى الصريح.
يفضح هذا الاعتقاد استمرارية غير متوقعة مع النظام السابق. حين بحث بشار الأسد في العام 2005 عن مرتكز أيديولوجي يحلّ محلّ التزام الدستور السابق بـ«الاشتراكية»، استبدل هذا المفهوم بـ«اقتصاد السوق الاجتماعي». ولا شكّ في أنّ الشقّ الاجتماعي وفّر آنذاك غطاءً أيديولوجياً لحزب البعث الذي كان يطبّق عملياً ما يشبه إجماع واشنطن السائد في تلك المرحلة. غير أنّ لهذا المصطلح تاريخاً أطول في الفكر الاقتصادي الألماني، وتحديداً في مدرسة فرايبورغ أو ما عُرف بـ«الأوردوليبرالية»، التي سبقت النيوليبراليين المعروفين مثل فريدريش فون هايك وميلتون فريدمان. نظر الأوردوليبراليون، ومنهم من عمل في جمهورية فايمار ثم اضطر إلى المنفى هرباً من النازية، إلى السوق الحرّة بوصفها إنجازاً أخلاقياً هشّاً، لا مجرّد أداة تقنية لتوزيع الموارد. اشترطوا لعملها وجود نظام اجتماعي وأخلاقي متماسك، يُفضَّل أن يستند إلى المسيحية. ومع علمنة أوروبا، رأى مفكّرون أوردوليبراليون مثل فيلهلم روبكه ووالتر أوكن أنّ الناس بدأوا يتعاملون مع «الاقتصاد» بوصفه بديلاً عن الله، فبدل الاتّكال على العناية الإلهية في تأمين سبل العيش، أخذوا يطالبون أصحاب العمل والدولة بحقوقهم. أسهم هذا التحوّل، في نظرهم، في تعزيز الوعي الطبقي البروليتاري، الذي اعتبروه التهديد الأساسي للسوق، وبالتالي للمجتمع ككلّ.
ليست الخصخصة والأسواق الحرّة، أو ما استقرّ توصيفه بوصفة السياسات «النيوليبرالية»، خياراً تقنياً بل تمثّل اختياراً سياسياً واضحاً
أمضى عدد من أبرز منظّري الأوردوليبرالية، ومنهم فيلهلم روبكه، سنوات منفاهم في إسطنبول، حيث ساهموا في بناء الأسس المعرفية والمنهجية لعلم الاقتصاد في الجامعات التركية. كان فتحي صبري أولغنر، أحد تلامذة روبكه، شديد التأثير في ما سمّاه عبد الله غُل «الكالفينية الإسلامية»، وهي مقاربة فكرية تركت بصمتها على حزب العدالة والتنمية الحاكم. انعكس هذا الوسط الأيديولوجي بدوره على هيئة تحرير الشام، وإنْ بطرق غير مباشرة وبعيدة عن أيّ علاقة سببية بسيطة.
الأوردوليبرالية في التطبيق: إدارة إسلامية للسوق الرأسمالي
تُعد فكرة فصل المجتمع المدني عن الدولة (الإسلامية) خروجاً عن التقليد السلفي الجهادي الذي خرجت منه هيئة تحرير الشام. مالت الجماعات السلفية الجهادية المسلّحة إلى اتّباع إحدى استراتيجيتين: «الدعاية عبر الفعل» الموجّهة ضد «العدو البعيد» المتمثل بالولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموماً؛ أو استغلال انهيار النظام لإقامة شكلها الخاص من الدولة بما لا يتيح وجود مجتمع مدني مستقلّ. حاول تنظيم داعش الجمع بين الأمرين وفشل. أما هيئة تحرير الشام، في طورها السابق بوصفها الفصيل المسلح المهيمن في إدلب، فعملت بطريقة جديدة. فبدل السعي إلى الهيمنة على المجتمع المدني وإدارته على طريقة داعش، عملت الهيئة مع قوة مستقلة جزئياً، هي حكومة الإنقاذ السورية. حصّن هذا الترتيب هيئة تحرير الشام من السخط المباشر، ويظهر ذلك مثلًا في استقالة حكومة الإنقاذ السورية عام 2019 عقب تظاهرات ضد الهيئة (ولا سيّما ضد ضريبتها الزراعية على زيت الزيتون) والتي قمعتها الأخيرة بعنف.
تواصل هذا النهج منذ هزيمة نظام الأسد. وعلى خلاف تنظيم داعش، وخلافاً لتوقعات كثير من خصومها، لا تُظهر الإدارة الانتقالية أي إشارة إلى رغبة في فرض نظام إسلامي متخيَّل على مجتمع مدني مفتّت. بدلاً من ذلك، توحي الأسس الدستورية الآخذة بالتبلور بإدارة إسلامية للسوق الرأسمالي. وردت الإشارة إلى التنمية الاقتصادية في الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025 على نحو محدود، لكنها ذات دلالة. تعدّد المادة 11 «العدالة الاجتماعية» و«التنمية الاقتصادية الشاملة» ورفع مستوى المعيشة بوصفها «أهدافاً» للاقتصاد الوطني. ترتكز هذه الأخيرة على «منافسة حرة وعادلة» و«منع الاحتكار» مع توفير «بيئة قانونية جاذبة» للمستثمرين في الوقت نفسه، وهو شرط غير مألوف لوروده في قانون أساسي مؤقت. بل إن توفير بيئة قانونية جاذبة للاستثمار يحظى في الإعلان الدستوري بمساحة تضاهي مساحة الإسلام. وبما أن الإعلان يُفترض أن يؤدي دور وثيقة انتقالية، تغلق هذه المادة أيضاً احتمال أن يختار السوريون وضع حاجاتهم إلى الاستثمار العام فوق حاجة المستثمرين إلى بيئة قانونية جاذبة. يشكّل هذا التثبيت الصريح لمبادئ السوق داخل البنية الدستورية مكوّناً أساسياً في الممارسة الأوردوليبرالية. ترددت أصداء هذه الأفكار في مداخلتَي وزير المالية محمد يسر برنية ووزير التنمية محمد نضال الشعار في المؤتمر التأسيسي للإدارة الانتقالية في آذار/مارس من هذا العام، إذ ركّزا على دور الدولة بوصفها ضامناً للاستثمار الخاص باعتباره محرك النمو.
بدل السعي إلى الهيمنة على المجتمع المدني وإدارته على طريقة داعش، عملت الهيئة مع قوة مستقلة جزئياً، هي حكومة الإنقاذ السورية. حصّن هذا الترتيب هيئة تحرير الشام من السخط المباشر
نظراً إلى الكابوس الذي خرج منه السوريون وإلى الحال البائسة التي يعيش فيها معظمهم الآن، لا يثير الاستغراب أن كثيرين علّقوا آمالاً كبيرة على محاولة الإدارة الجديدة إنعاش الاقتصاد بوسائل السوق الحرة. لكن نظاماً جديداً تُحصر فيه الديمقراطية—في أفضل الأحوال—في المجال غير الاقتصادي، لا يُرجَّح أن يخفف معاناة السكان ولا أن يحل المشكلات التي قادت إلى الانتفاضة الثورية في العام 2011: وهي الحركة نفسها التي تسعى هيئة تحرير الشام إلى استمداد شرعيتها منها.
من ملف «التفكير الاجتماعي في أزمنة التحوّلات الكبرى». أعدّ هذا الملف من قبل برنامج «مقاربات نقدية للتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرت النسخة العربية منه في «صفر».