معاينة trump & administration

يد خفيّة
فنزويلا: صراع نقد وليس نفط

ليست أزمة فنزويلا في جوهرها أزمة نفط بوصفه مورداً للطاقة، بل بوصفه مورداً مركزياً لأرباح نظام مالي عالمي ما زالت الولايات المتحدة تقوده، على الرغم مما يواجهه من تهديدات متزايدة. تنبع الأزمة من تداخل النفط مع نظام مالي ربط الدولار الأميركي بالنفط عقب فكّ ارتباطه بقاعدة الذهب في مطلع سبعينيات القرن الماضي. ومن هنا، لا يمكن فهم التطوّرات الأخيرة بمعزل عن الصراع الدائر حول موقع الدولار في النظام المالي العالمي.

تكشف التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، هذا البعد بوضوح، إذ أكّد أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى النفط الفنزويلي، لأنها تمتلك ما يكفيها من النفط، لكنها في المقابل لن تسمح لخصومها بالسيطرة على نفط فنزويلا، مسمياً على وجه التحديد الصين وروسيا وإيران. وفي السياق نفسه، أعلنت المتحدّثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن جميع عائدات بيع النفط الفنزويلي ستودَع في مصارف تخضع للسيطرة الأميركية «لصالح الشعب الأميركي والفنزويلي».

وفق هذا المنطق، لا تكمن أهمّية النفط الفنزويلي من كونه مورداً لتأمين الطاقة الأميركية، بل في موقعه كعنصر حاسم ضمن صراع أوسع على هيمنة الدولار، في مواجهة قوى تسعى إلى تحدّي هذه الهيمنة، وفي مقدّمتها الصين وروسيا وإيران. 

لا تكمن أهمّية النفط الفنزويلي من كونه مورداً لتأمين الطاقة الأميركية، بل في موقعه كعنصر حاسم ضمن صراع أوسع على هيمنة الدولار، في مواجهة قوى تسعى إلى تحدّي هذه الهيمنة

وبناءً عليه، لا يمكن فهم هذا التصعيد غير المسبوق، المتمثّل في اختطاف رئيس دولة، إلا بوصفه جزءاً من إستراتيجية أشمل تهدف إلى الحفاظ على نظام البترودولار، وضمان استمرار إعادة تدوير فوائض النفط داخل المنظومة المالية الأميركية، بالتوازي مع منع أي محاولة جدّية لفكّ الارتباط بين النفط والدولار، وقد يفسّر ذلك أيضاً معارضة إدارة ترامب لاستمرار الحرب في أوكرانيا، التي فتحت المجال أمام تداول النفط الروسي باليوان الصيني والروبية الهندية، في محاولة للالتفاف على العقوبات المفروضة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في العام 2022. 

ويأتي الدعم الأخير، الذي قدّمه الرئيس ترامب لمشروع قانون طرحه السيناتور ليندسي غراهام، ويقضي بفرض رسوم جمركية تصل إلى 500% على الدول التي تشتري النفط الروسي بعملات غير الدولار، مثل الصين والهند والبرازيل، بمؤشراً واضحاً على أن جوهر الصراع لا يتعلّق بإمدادات النفط بقدر ما يتعلّق بتداوله خارج آليات منظومة البترودولار. فمن خلال استهداف الدول المشترية لا المصدِّرة فقط، تسعى واشنطن إلى كبح تشكّل منظومة تجارية آخذة في التوسّع تتجاوز السيادة النقدية للدولار، وتحدّ من قدرته على فرض نفسه كعملة تسعير وتسوية عالمية.

نشأة نظام البترودولار

يعود نظام البترودولار إلى التحوّلات الكبرى التي شهدها النظام الاقتصادي العالمي في أعقاب صدمة النفط في تشرين الأول/أكتوبر 1973. ففي تلك اللحظة، واجهت الولايات المتحدة تحدّياً غير مسبوق تمثّل في استخدام الدول الخليجية النفط سلاحاً سياسياً خلال حرب أكتوبر، ما أدّى إلى ارتفاع أسعاره إلى نحو أربعة أضعاف في خلال بضعة أشهر. وقد أدخل هذا الارتفاع الحادّ الاقتصاد العالمي بأسره في حالة ركود كبير تزامن مع تضخّم مرتفع ناتج عن زيادة تكاليف الإنتاج بفعل صعود أسعار الطاقة. 

شكّلت هذه الأزمة السياق الذي ظهر فيه مفهوم «الركود التضخمي» ٍ(Stagflation)، وهو وضع غير مألوف في النظرية الاقتصادية السائدة آنذاك، إذ كان التضخّم يُفهم تقليدياً بوصفه نتيجة لرواج اقتصادي وارتفاع في الطلب، بينما كان الركود يقترن، في العادة، بانخفاض الأسعار.

لم يعد النفط مجرّد مادة خام تُستخرج وتُستهلك لتوفير الطاقة، بل أصبح بنية تحتية أساسية للنظام المالي والنقدي العالمي بقيادة الولايات المتحدة وأداة مركزية لترسيخ هيمنة الدولار

أدّت هذه الأزمة إلى تقويض نموذج دولة الرفاه الكينزية، الذي كان يعالج فترات الركود عبر تحفيز الطلب والحفاظ على النمو من خلال ضخّ السيولة ورفع أجور فئات الدخل الدنيا والمتوسّطة. غير أنّ الارتفاع الحادّ في أسعار النفط خلق وضعًا غير مسبوق، إذ بات صانعو القرار يخشون أنّ يؤدّي أي تحفيز اقتصادي إلى تعميق معدّلات التضخّم المرتفعة أصلاً. وهكذا بدت الأدوات الكينزية التقليدية عاجزة عن التعامل مع أزمة اجتمع فيها الركود وغلاء الأسعار في آنٍ واحد، ما فتح المجال لصعود السياسات النيوليبرالية التقشّفية.

 في خضم هذه الأزمة الرأسمالية المشحونة، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارين إستراتيجيين: إمّا اللجوء إلى القوّة العسكرية المباشرة للسيطرة على منابع النفط في الخليج، أو إعادة هندسة النظام المالي العالمي بما يضمن السيطرة غير المباشرة على هذه الموارد عبر النظام النقدي والمصرفي. وقد اختارت الولايات المتّحدة المسار الثاني، من خلال إبرام اتفاق إستراتيجي مع الدول الخليجية يقوم على حصر مبيعات النفط بالدولار الأميركي، في مقابل ضمانات أمنية وسياسية، وإعادة تدوير الفوائض المالية الضخمة المتأتية من النفط داخل المصارف والأسواق الأميركية.

أدّى هذا الترتيب إلى تحوّل جوهري في طبيعة الاقتصاد النفطي. فلم يعد النفط مجرّد مادة خام تُستخرج وتُستهلك لتوفير الطاقة، بل أصبح بنية تحتية أساسية للنظام المالي والنقدي العالمي بقيادة الولايات المتحدة وأداة مركزية لترسيخ هيمنة الدولار. وبعبارة أخرى، بات التدوير المالي للفوائض النفطية يوازي، بل يشارك، عمليات الاستخراج المادي في استخلاص فوائض قيمة ضخمة من قطاع النفط، وأصبحت حركة الأموال الناتجة عنه لا تقل أهمّية وربحية عن إنتاج الطاقة نفسه، إن لم تتجاوزه.

يكتسب هذا التحوّل أهمّية خاصّة في ضوء قرار إدارة نيكسون في العام 1971 فكّ الارتباط بين الدولار والذهب، وهو قرار مثّل لحظة مفصلية هدّدت أسس الهيمنة النقدية الأميركية. فحتى ذلك الحين، استمدّ الدولار مكانته العالمية من قابليته للتحويل إلى ذهب، وهو ما وفّر له عنصر الاستقرار الضروري لأي عملة مهيمنة. ومع انهيار هذه القاعدة، بات الدولار مهدّداً بفقدان الثقة الدولية وبانخفاض حادّ في قيمته. وللحفاظ على هيمنته، كان لا بد من إيجاد بديل يعوّض غياب الغطاء الذهبي ويضمن استمرار الطلب العالمي على الدولار. من هنا، برز النفط بوصفه الركيزة الجديدة التي أُعيد من خلالها تثبيت موقع الدولار في النظام المالي الدولي، عبر تحويل الحاجة العالمية للطاقة إلى حاجة دائمة للعملة الأميركية، ما أتاح لواشنطن إعادة إنتاج هيمنتها النقدية.

هيمنة الدولار وسدّ العجز التجاري الأميركي

مع صعود نظام البترودولار، جرى تدوير الفوائض النفطية على شكل قروض ميسّرة نسبياً لدول الجنوب المستوردة للطاقة، بهدف تمكينها من تغطية عجوزاتها التجارية المتفاقمة، والتي كانت في الأساس نتيجة مباشرة لارتفاع أسعار النفط نفسه. وقد أدّى هذا المسار، في نهاية المطاف، إلى تفجّر أزمة الديون الحادّة التي اجتاحت أميركا اللاتينية ومعظم بلدان الجنوب العالمي في ثمانينيات القرن الماضي.

أسفر هذا الترتيب عن تشكّل انقسام بنيوي داخل الجنوب العالمي، فمن جهة، برزت دول ريعية مصدّرة للنفط راكمت فوائض مالية ضخمة، وفي الوقت نفسه عزّزت موقع الدولار عبر اندماجها العضوي في النظام المالي الأميركي. ومن جهة أخرى، غرقت الدول المستوردة للنفط في دوّامة ديون مقوّمة بالدولار، مقيّدة بشروط مؤسّسات التمويل الدولية والمصارف الأميركية، ما أسهم مجدّداً في ترسيخ الدولار بوصفه عملة الاقتراض وتسديد الديون وبناء الاحتياطيات النقدية على مستوى العالم. 

تمنح هيمنة الدولار الولايات المتّحدة امتيازات اقتصادية استثنائية، إذ يخلق الطلب العالمي الدائم على العملة الأميركية قدرة واسعة على التوسّع النقدي من دون التعرّض لانهيار العملة أو فقدان الثقة الدولية. فالدولار بصفته عملة الاحتياط والتسعير العالمية في التجارة والطاقة والديون، يضمن استمرار الحاجة إليه بغضّ النظر عن أداء الاقتصاد الأميركي نفسه. ونتيجة لذلك، تستطيع الولايات المتحدة تمويل عجزها التجاري والمالي عبر إصدار عملتها الخاصة، وفرض علاقات تبادل غير متكافئة في التجارة الدولية، حيث تحصل على سلع وقيم مادية حقيقية مقابل أوراق نقدية أو أدوات دين مقوّمة بالدولار. ويمنحها هذا الامتياز البنيوي قدرة فريدة على تخفيف أعباء ديونها والتضخّم، ويجعل الهيمنة النقدية أداة مركزية في تكريس نفوذها الاقتصادي والسياسي عالمياً. وتكتسب هذه المسألة أهمّية متجدّدة اليوم، مع عودة معدّلات التضخّم في الولايات المتحدة إلى مستويات لم تشهدها منذ أزمة الركود التضخّمي في سبعينات القرن الماضي، وهي الأزمة نفسها التي مهّدت لولادة نظام البترودولار.

وفي هذا السياق البنيوي، شكّلت فنزويلا حالة تمرّد نادرة على نظام البترودولار. بحسب بيانات منظمة أوبك، تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (أنظر.ي الجدول 3.1 ص 22 من التقرير السنوي لأوبك). وقد سعت الحكومات المتعاقبة منذ مطلع الألفية الجديدة، ولا سيما في عهد هوغو تشافيز، إلى استعادة السيطرة الوطنية على قطاع النفط عبر موجات تأميم بدأت في العام 2007، إلى جانب إعادة توجيه العائدات النفطية نحو الإنفاق الاجتماعي. كما أسّست شبكات تعاون إقليمي مثل «بتروكاريبي»، التي وفّرت النفط بشروط ميسّرة لدول الكاريبي وأميركا اللاتينية، وأحياناً مقابل سلع أو خدمات، متجاوزة في حالات عديدة التبادل بالدولار. 

تكشف التجربة الفنزويلية أن الصراع على الطاقة في عصر الأمولة لم يعد صراعاً على السيطرة على حقول النفط بحد ذاتها، بل على العملة التي يُسعّر بها هذا النفط، وعلى القنوات المالية التي يُعاد عبرها تدوير القيمة المتولّدة من هذا القطاع

عقب الأزمة الاقتصادية الحادّة التي ضربت فنزويلا منذ العام 2014، نتيجة انهيار أسعار النفط واعتماد الاقتصاد الفنزويلي شبه الكامل على عائداته، اتجهت كراكاس إلى الاقتراض الموسّع ولا سيما من الصين. وفي هذا الإطار، سعت إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية والمالية عبر اتفاقات «النفط مقابل القروض» مع بكين، متجاوزة الدولار مجدّداً، لتصبح الصين المشتري الأكبر للنفط الفنزويلي، بينما غدت مصارفها المموّل الرئيس للاقتصاد الفنزويلي. تزامن ذلك مع تعزيز التعاون مع روسيا وإيران، وهما بدورهما دولتان نفطيتان خاضعتان للعقوبات، وتسعيان إلى تقليص الاعتماد على الدولار. كما طرحت فنزويلا في أكثر من مناسبة فكرة تسعير النفط بعملات غير الدولار، بدءاً باليورو، وصولاً إلى البحث في بدائل رقمية.  

يتضاعف هذا التهديد مع تنامي الدور الصيني في فنزويلا. فالتغلغل الاقتصادي الصيني والاستثمارات الواسعة في قطاع الطاقة لا يمكن اختزالها في البحث عن موارد خام لدعم النمو الصناعي الصيني، بل تمثّل خطوة إستراتيجية أوسع تهدف إلى فتح المجال أمام تسويات نفطية بعملات بديلة، وعلى رأسها اليوان. إن نجاح هذا المسار من شأنه تقويض الأساس الذي قام عليه نظام البترودولار منذ سبعينيات القرن الماضي، ويقوض الطلب القسري على الدولار، ما يهدّد قدرة الولايات المتّحدة على تمويل عجزها التجاري المزمن عبر مدخرات الآخرين وكذلك قدرة مصارفها على تدوير فوائض رأس المال المقوّمة بالدولار.

تكشف التجربة الفنزويلية أن الصراع على الطاقة في عصر الأمولة لم يعد صراعاً على السيطرة على حقول النفط بحد ذاتها، بل على العملة التي يُسعّر بها هذا النفط، وعلى القنوات المالية التي يُعاد عبرها تدوير القيمة المتولّدة من هذا القطاع. فالحفاظ على نظام البترودولار يقتضي منع تشكّل أي تحالف إستراتيجي قادر على إنتاج نظام مالي موازٍ، قد يضع حدّاً لما يقارب نصف قرن من الهيمنة النقدية الدولارية المنفردة.