هكذا دواليك
مانيفستو Palantir: شركات التكنولوجيا كأدوات للهيمنة الأميركية
يشكّل المانيفستو المختصر لفلسفة كتاب «الجمهورية التكنولوجية» عن القوة الصلبة ومستقبل الغرب لمديرها التنفيذي آلكس كارب، المؤلف من 22 بنداً، والذي نشره حساب شركة «بالانتير تكنولوجيز» (Palantir Technologies) على منصة «إكس» في 18 نيسان/أبريل الماضي، إعلاناً مباشراً عن انتقال قسم من شركات التكنولوجيا من موقع مزوّدي الخدمات التقنية إلى موقع الفاعل السياسي ـ الأيديولوجي المنخرط في صياغة رأي عام أميركي داعم لاستراتيجيات الأمن القومي التي تسعى إدارة دونالد ترامب إلى تكريسها. ويأتي هذا الإعلان في خضمّ الحرب الكبرى التي تخوضها الولايات المتحدة مع الصين حول السيطرة على سلاسل السلع العالمية، والسباق المحموم نحو عسكرة برمجيات الذكاء الاصطناعي بوصفها أداة مركزية في حروب المستقبل وأسلحة الدمار الشامل الجديدة.
تأسست شركة «بالانتير تكنولوجيز» عام 2003، في ذروة النقاش الأميركي حول الفشل الأمني والاستخباري الذي حال دون تمكّن المؤسسات الأمنية الأميركية ومجتمع الاستخبارات الغربي، بصورة عامة، من توقّع أو كشف مراحل الإعداد والتنفيذ لهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. يومها، بدا واضحاً أن الولايات المتحدة تحتاج إلى ذراع معلوماتية قادرة على معالجة الكمّ الهائل من البيانات وربطها وتحويلها إلى أداة استباقية لمواجهة مختلف أشكال التهديدات. في هذا السياق، جاء تأسيس الشركة على يد بيتر ثايل وآلكس كارب وشركاء آخرين، تعبيراً مباشراً عن هذه الحاجة الاستراتيجية.
كشفت التسريبات التي نشرها إدوارد سنودن حجم الدور الذي تؤديه «بالانتير» في دعم وتطوير وتمكين شبكات التجسّس العالمية التابعة للولايات المتحدة وبريطانيا، إضافة إلى تقديم خدمات لحلفائهما
ويبدو اليوم أن نفوذ الشركة بلغ ذروته، مع وجود نحو 17 مسؤولاً وموظفاً سابقاً في «بالانتير» أو الشركات المتفرعة عنها في مواقع مختلفة داخل الإدارة الأميركية، فيما يأتي نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في مقدّمة هذه الشبكة السياسية ـ الاقتصادية المرتبطة بعالم «بالانتير».
ومنذ البدايات، بدا ارتباط الشركة بالمؤسسة الأمنية الأميركية شديد الوضوح، حين استثمرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، عبر ذراعها الاستثمارية «إن ـ كيو ـ تل» المتخصصة في التكنولوجيا الأمنية، بصورة مباشرة في تطوير الشركة. وهكذا برزت «بالانتير» لاعباً أساسياً في مجال الشراكة بين القطاع الخاص والمؤسسات الأمنية الغربية خلال العقدين الماضيين.
ميدانياً، تكاد برمجيات «بالانتير» لا تغيب عن أيّ من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة أو إسرائيل أو دول أوروبا الغربية خلال السنوات العشرين الأخيرة. وقد أدّت دوراً محورياً في الحرب الروسية ـ الأوكرانية، كما ساهمت تقنياتها في تعزيز قدرات المراقبة والاستهداف والفتك، من أفغانستان والعراق وصولاً إلى الحرب على قطاع غزة ولبنان مؤخراً.
وفي عام 2013، كشفت التسريبات التي نشرها إدوارد سنودن حجم الدور الذي تؤديه «بالانتير» في دعم وتطوير وتمكين شبكات التجسّس العالمية التابعة للولايات المتحدة وبريطانيا، إضافة إلى تقديم خدمات لحلفائهما ضمن إطار التعاون الاستخباري المعروف باسم «تحالف العيون الخمس»، الذي يضم أيضاً الأجهزة الأمنية في كلّ من كندا وأستراليا ونيوزيلندا.
وفي عام 2008، حصلت الشركة على عقد مباشر مع إحدى الوكالات الأمنية البريطانية، وهي تدير اليوم جزءاً من البنية التحتية المعلوماتية التابعة للنظام الصحي البريطاني. أما داخل الولايات المتحدة، فتقدّم الشركة خدماتها لمختلف المؤسسات الأمنية، إضافة إلى البنتاغون، ووكالة الضرائب، ووكالة الهجرة والجمارك الأميركية، فضلاً عن عدد كبير من أجهزة الشرطة والمؤسسات الحكومية الأخرى. وفي عام 2024، أعلنت الشركة عن «شراكة استراتيجية» مع الجيش الإسرائيلي دعماً لمجهوده العسكري.
التكنولوجيا في خدمة الأمن القومي الأميركي
لم نكن بحاجة إلى هذا المانيفستو لفهم التموضع المباشر لشركة «بالانتير» ومؤسسيها في صفّ النزعات اليمينية الشعبوية التي تهيمن اليوم على جزء واسع من الحياة السياسية الغربية عموماً، والأميركية خصوصاً. لذلك، لا ينبغي التعامل مع هذا النص بوصفه مجرد بيان صادر عن مجموعة من المبرمجين أو التقنيين المؤمنين بالدور المحوري للتكنولوجيا في المجتمع، بقدر ما هو إعلان سياسي ـ أيديولوجي مباشر عن تيار متجذّر داخل بيئة الأعمال والنخب في وادي السيليكون، قرّر الانتقال من ادّعاء الحياد التقني إلى موقع الشراكة الكاملة في مشروع إعادة إنتاج الإمبراطورية الأميركية وفق التصور السياسي الذي يمثله دونالد ترامب.
وهذا التيار ليس مستجداً. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، برزت النزعات اليمينية المحافظة داخل وادي السيليكون، وكان المستثمر والاقتصادي المحافظ جورج غيلدر أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في ترسيخ ما سُمّي آنذاك بـ«أسطورة رائد الأعمال الذكر» بوصفه محرّك الابتكار والقوة الاقتصادية. ويُنظر إلى غيلدر باعتباره أحد المنظّرين الفكريين الذين أثّروا بعمق في شخصيات مثل بيتر ثايل وغيره من قادة شركات التكنولوجيا الأميركية.
المانيفستو هو إعلان سياسي ـ أيديولوجي مباشر عن تيار متجذّر داخل بيئة الأعمال والنخب في وادي السيليكون، قرّر الانتقال من ادّعاء الحياد التقني إلى موقع الشراكة الكاملة في مشروع إعادة إنتاج الإمبراطورية الأميركية
وحين تخاطب «بالانتير» مجتمع التكنولوجيا الأميركي لتذكّره بـ«الدَّين الأخلاقي» تجاه الدولة الأميركية، فهي في الواقع لا تبتعد كثيراً عن الجذور التاريخية لنشأة هذا القطاع. فالتعاون الوثيق بين البنتاغون ومراكز الأبحاث في كبرى الجامعات الأميركية، وخصوصاً جامعة ستانفورد خلال خمسينيات القرن الماضي، أدّى دوراً حاسماً في تأسيس مجتمع التكنولوجيا في وادي السيليكون. كما أن القفزة التكنولوجية الكبرى التي شهدتها مجالات الاتصالات وأشباه الموصلات والحوسبة لم تكن منفصلة عن متطلبات الحرب الباردة، بل ارتبطت إلى حدّ كبير بالسعي إلى تطوير القدرات العسكرية والأمنية الأميركية. وقد نشأت أجزاء واسعة من البنية الصناعية والتقنية لوادي السيليكون داخل شبكة التمويل العسكري والعقود الدفاعية والأبحاث المرتبطة بالأمن القومي الأميركي.
ومن هنا، يعيد هذا المانيفستو تعريف العلاقة بين شركات التكنولوجيا والدولة والمجتمع الأميركيين، بعيداً من منطق السوق التقليدي الذي قدّم هذه الشركات لعقود بوصفها فاعلين اقتصاديين مستقلين ومحايدين. فإعلان «بالانتير» يحدّد دور شركات التكنولوجيا باعتبارها أدوات سيادية مباشرة تؤدي وظيفة عضوية داخل استراتيجيات الأمن القومي الأميركي، وتشارك في صياغة بنية القوة الأميركية وإعادة إنتاج هيمنتها على المستوى العالمي.
لكن «بالانتير» ومؤسسيها يذهبون أبعد من ذلك في تصورهم «الرؤيوي» لأشكال الحكم المستقبلية، التي تمنح النخب الاقتصادية وروّاد الأعمال والشركات الكبرى أدواراً تقريرية في إدارة المجتمع وحكمه، خارج الأطر التقليدية للنظم الديمقراطية. ويُعدّ بيتر ثايل من أبرز المعبّرين عن هذا التوجّه، إذ أعلن منذ عام 2009 عدم ثقته بقدرة الأنظمة الديمقراطية على ضمان الحريات.
عسكرة الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الردع النووي
أما في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي والسباق المحموم نحو عسكرته، فإن بيان «بالانتير» لا يترك هامشاً فعلياً للتأويل. تدعو الشركة بصورة صريحة إلى انخراط المجتمع التقني الأميركي في دعم جهود الولايات المتحدة لتطوير الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مركزية لإعادة إنتاج قوة الردع الأميركية، في لحظة تاريخية تصفها بالنهاية التدريجية لعصر الردع النووي التقليدي.
وفي هذا السياق، لا ينبغي ـ وفق رؤية الشركة ـ أن يعرقل الجهود الأميركية أيّ انخراط «غير منتج» في ما تعتبره سلسلة من النقاشات المسرحية حول أخلاقيات عسكرة الذكاء الاصطناعي. وهنا تسقط عملياً معايير الحكم الديمقراطي، وحق المساءلة، والمشاركة العامة في صياغة السياسات الوطنية. فلا مكان، في تصور «بالانتير»، للمواطنين العاديين، ولا حتى لممثليهم المنتخبين، داخل عملية اتخاذ القرار المرتبطة بالتكنولوجيا السيادية.
لا مكان، في تصور «بالانتير»، للمواطنين العاديين، ولا حتى لممثليهم المنتخبين، داخل عملية اتخاذ القرار المرتبطة بالتكنولوجيا السيادية
المقاربة هنا عسكرية صرفة؛ إذ يصبح واجب المهندسين والمبرمجين والعاملين في قطاع التكنولوجيا توظيف معارفهم وقدراتهم في خدمة تعزيز القوة العسكرية الأميركية، ورفع مستوى قدرتها على الردع والفتك. أما النقاش الأخلاقي، فيتحول إلى ترفٍ قد يهدد الأمن القومي الأميركي، ويجب بالتالي تحييده أو تفاديه.
فـ«الجمهورية التكنولوجية» التي تنظّر لها «بالانتير» لا تقوم على القيم الديمقراطية بقدر ما ترتكز على شرعية الإنتاجية، وقوة رواد الأعمال، والقدرة على ممارسة القوة الصلبة في أكثر صيغها مباشرة وبدائية.
وفي واحدة من أكثر العبارات دلالة في البيان، تطرح الشركة سؤالاً بسيطاً: ماذا لو طلب أحد جنود المارينز بندقية أفضل؟ ثم تجيب بأن الواجب يقتضي توفيرها، والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي. وبهذه المقاربة، يجري اختزال النقاش بالكامل: لا مكان للأسئلة الأخلاقية أو السياسية أو القانونية، بل الأولوية المطلقة لتطوير التكنولوجيا الأكثر تفوقاً وفعالية، بما يضمن استمرار الهيمنة الأميركية في مواجهة الصعود المتسارع للقوة الصينية.
فالبرمجيات، ومنصات تحليل البيانات، والبنى التحتية الخوارزمية، لم تعد ـ وفق هذا التصور ـ مجرد أدوات تقنية أو اقتصادية، بل تحوّلت إلى السلاح الأكثر حسماً في الصراع الدولي المعاصر. ومن هنا، يصبح تطويرها جزءاً عضوياً من العقيدة الأمنية للدولة، لا مساراً خاضعاً للنقاش العام أو للمساءلة القيمية والسياسية.
رفض التعددية الثقافية الفارغة والجوفاء
لا يقف هذا المانيفستو عند الحدود التقنية أو العسكرية، بل يذهب بعيداً في مساءلة الإرث الليبرالي الذي هيمن على الحياة العامة في الولايات المتحدة خلال العقود الماضية. فهو يرفض بصورة مباشرة فكرة المساواة بين الثقافات، وينظر بعين نقدية إلى التعددية الثقافية في المجتمعات الغربية، واصفاً إياها بأنها سطحية وفارغة، وعاجزة عن إنتاج هوية حضارية متماسكة.
لا يبدو النص مجرد دفاع عن دور التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي، بل أقرب إلى دعوة صريحة لإعادة عسكرة المجتمع الأميركي على أسس قومية ـ حضارية، تربط بين التفوق التكنولوجي، والهوية القومية، واستعادة الهيمنة الأميركية على النظام الدولي
ويدعو البيان إلى إعادة تصنيف الحضارات والثقافات وفقاً لما حققته من نمو اقتصادي، وقوة سياسية، وازدهار تاريخي، واضعاً الحضارة الغربية في موقع التفوق الذي لا ينبغي، وفق منطقه، أن يُقيَّد كثيراً باعتبارات التعددية أو المعايير الأخلاقية التقليدية. فالتراتبية الحضارية تشكّل عنصراً أساسياً في الرؤية التي تسعى «بالانتير» إلى تكريسها.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ـ وفق رؤية الشركة ـ إلى إعادة بناء القوة الصلبة للولايات المتحدة والغرب عموماً، باعتبارها الأداة القادرة على فرض الاستقرار وإدارة العالم وفق المعايير الغربية. أما منطق القوة الناعمة، الذي ساد بعد الحرب الباردة، فيُقدَّم بوصفه أحد مكامن الضعف التي ساهمت، من وجهة نظر هذا التيار، في تآكل الهيمنة الأميركية وتراجع قدرتها على الردع.
وفي أكثر من موضع، يتوجّه المانيفستو إلى المجتمع الأميركي بدعوة واضحة إلى القطيعة مع ثقافة «الصوابية السياسية»، ومع أنماط المحاسبة الأخلاقية والإدارية المرتبطة بالدولة البيروقراطية الليبرالية. كما يدعو إلى إعادة الاعتبار لفكرة الخدمة الوطنية، مع التشكيك في جدوى الاعتماد الحصري على جيش قائم على المتطوعين، بما يوحي بضرورة توسيع الانخراط المجتمعي المباشر في المشروع العسكري والأمني للدولة.
ونحن هنا لا نتحدث عن شركة ناشئة عادية تسعى إلى إثارة إعلامية أو حملة ترويجية عابرة، بل عن منظمة خاصة تجمع، عبر برامجها للتجسس والمراقبة الرقمية ومعالجة البيانات الضخمة، جزءاً كبيراً من البنية المعلوماتية للمؤسسات الأمنية الغربية.
بهذا المعنى، لا يبدو النص مجرد دفاع عن دور التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي، بل أقرب إلى دعوة صريحة لإعادة عسكرة المجتمع الأميركي على أسس قومية ـ حضارية، تربط بين التفوق التكنولوجي، والهوية القومية، واستعادة الهيمنة الأميركية على النظام الدولي.
إنها محاولة لبناء «قومية تكنولوجية» ترى أن إنقاذ التفوق الأميركي يتطلب تحالفاً عضوياً بين الدولة الأمنية، ورأس المال الرقمي، والنخب الهندسية، واليمين الثقافي المحافظ.