معاينة نموذج «نوردي» للبنان؟

آفاق وحدود الحركة العمّالية اللبنانية قبل الحرب: نموذج «نوردي» للبنان؟

في مطلع سبعينيات القرن العشرين، طرح خبيران في شؤون العمل، عفيف زيناتي ولوسيان بيروتي، سلسلة مقترحات قد تبدو راديكالية اليوم، لكنها كانت في حينها قابلة للطرح ضمن السائد في المشهد السياسي اللبناني. صاغ هذان الكاتبان، إلى جانب قادة عماليين آخرين، رؤية للبنان تشبه إلى حدّ ما «النموذج النوردي»، الذي تُصاغ ضمنه السياسات الاقتصادية والاجتماعية عبر تفاوض ترعاه الدولة بين ممثّلي العمل ورأس المال على أساس تنظيمٍ جماعي. بحلول منتصف سبعينيات القرن العشرين، حظي هذا التصوّر للاقتصاد السياسي في لبنان بدعم حركة عمالية متنامية، تقاسمه طيف سياسي واسع، يضم القوميين العرب والشيوعيين وإصلاحيين ليبراليين وغير ليبراليين.

شهد لبنان تحوّلات اقتصادية واجتماعية كبرى في مطلع السبعينيات. أول هذه التحوّلات، وغالباً ما يُترك جانباً، كان تسارع التصنيع. ارتفع حجم القوة العاملة الصناعية بين عامي 1970 و1974، من 70,000 إلى 120,000 عامل بحسب التقديرات. في الوقت نفسه، خضع لبنان لموجة تضخّم متسارعة، اشتدت حدّتها بفعل ارتفاع أسعار النفط في مطلع السبعينيات.

لكن لبنان عاش أيضاً مرحلة قوة نقابية لافتة. ففي العام 1964، صدر قانون العقود الجماعية بوصفه أحد آخر قرارات فؤاد شهاب في الحكم، في خلال إضراب وطني لعمّال النفط كان يمكن أن يفتح على اضطراب واسع. أتاح القانون التفاوض على عقود جماعية على مستوى المؤسسة أو القطاع، ومنحها قوة ملزمة عبر نشرها في الجريدة الرسمية. مع تسارع التضخّم وقيام هذا السند القانوني الجديد، شاعت إضرابات المطالبة بالزيادات واتسعت التظاهرات ضد الغلاء في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات. تمكّنت النقابات من انتزاع زيادات وطنية في الأجور شملت جميع العاملين الرسميين في التجارة والصناعة في الأعوام 1965 و1971 و1973 و1974. تعمّق دورها مع الوقت في مفاوضات ثلاثية مع رأس المال والدولة، وشغلت مواقع رسمية داخل هيئات رسم السياسات، بما فيها مجلس العمل الوطني والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

أُقصيت شرائح واسعة من قوة العمل عن قانون العمل والتنظيم النقابي ومّا بقي من أشكال رعاية اجتماعية محدودة وفّرتها الدولة، كما جرى إبعادها عن الزيادات الوطنية في الأجور

لكن قوة العمل المنظَّم في تلك اللحظة لم تكن بلا سقف. فقد أخفقت الإضرابات الدورية في كبح التضخّم، خصوصاً لدى الجزء الأكبر من السكان الذين لا ينتسبون إلى النقابات ولا يعملون في وظائف رسمية ضمن التجارة أو الصناعة. أُقصيت شرائح واسعة من قوة العمل عن قانون العمل اللبناني وعن التنظيم النقابي وعمّا بقي من أشكال رعاية اجتماعية محدودة وفّرتها الدولة، كما جرى إبعادها عن الزيادات الوطنية في الأجور التي حققتها النقابات في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات. من بينهم عمال الزراعة والعاملون في العمل المنزلي وعمال القطاع غير النظامي والعمال السوريون المهاجرون واللاجئون الفلسطينيون، الذين وجدوا أنفسهم على هامش المكاسب، مكشوفين أمام اضطراب اقتصادي آخذ في التفاقم بينما حصد العمال المنظّمون نقابياً انتصارات متكرّرة.

في هذا السياق، شرع قادة النقابات اللبنانية وأعضاء شريحة جديدة من خبراء العمل، المتخرّجين من الجامعات والمرتبطين بمنظمات دولية، في تطوير مقترحات لأساليب «عقلانية» و«علمية» و«لا سياسية» لتجاوز هذه النزاعات العمالية المتكرّرة، تفادياً لما رأوه احتمال انزلاقٍ إلى حرب طبقية مكشوفة.

برز عفيف زيناتي من بين هؤلاء القادة والخبراء، وهو عامل نفط انخرط في الحركة العمالية اللبنانية منذ الخمسينيات، وتولّى رئاسة نقابة موظفي «إسو». مثّل العمل المنظَّم في لبنان في منظمة العمل الدولية منذ الستينيات حتى العام 1973، ثم انتقل في السبعينيات إلى العمل خبيراً لدى المنظمة في قضايا العمل. وكان قد نال دكتوراه في الاقتصاد من جامعة القديس يوسف، حيث تولّى تدريس الاقتصاد والعلاقات الصناعية.

في مطلع سبعينيات، نشر زيناتي كتاباً في مجلدين بعنوان «النقابات العمالية» عبر مؤسسة فريدريش إيبرت الديمقراطية الاجتماعية في ألمانيا الغربية. قدّم الكتاب تشخيصاً لقصور الحركة العمالية في لبنان ورسماً لأفقها الممكن. جادل زيناتي بأن الحركة لم تستوعب ما يكفي من قوة العمل، ولم تُنظَّم بما يتيح لها أن تكون «قوة ضاغطة بالمعنى العصري» أو أن تمتلك «قوة ضاربة». وانتقد ما رآه فردانيةً مفرطة فيها: فهي برأيه تدور حول قيادات عمالية تسعى إلى مصالحها الضيقة، وتتقاسم مع المجتمع اللبناني «روح الفوضى»، وتفتقر، مثله، إلى «الروح الوطنية» و«روح المصلحة العامة». كذلك رأى أن الزبائنية داخل الحركة بقيت عائقاً أساسياً أمام نقابية ديمقراطية فعلية، يمكن أن تساهم في بناء نظام سياسي أكثر ديمقراطية. 

صاغ زيناتي برنامجاً إصلاحياً من نقاط متعددة لتجاوز هذه الاختلالات. دعا إلى إعادة بناء الحركة العمالية وفق خطوط قطاعية وعقلانية ووظيفية ومعيارية قائمة على الجدارة، لكبح الطابع الشخصاني الطاغي على قيادة النقابات. في الوقت نفسه، جعل من التفاوض المؤسسي بين الطبقات المنظّمة، استناداً إلى قانون العقود الجماعية اللبناني، أداةً لصوغ وحدة وطنية وسياسة اقتصادية «عقلانية».

شرع قادة النقابات وأعضاء شريحة جديدة من خبراء العمل في تطوير مقترحات لأساليب «علمية» و«لا سياسية» لتجاوز  النزاعات العمالية المتكرّرة، تفادياً لما رأوه احتمال انزلاقٍ إلى حرب طبقية مكشوفة

هذه الترتيبات الجديدة ستتيح للنقابات أن تؤدّي دورها «الطبيعي» في ديمقراطية ليبرالية: المشاركة في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتنفيذها، والإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع النفوذ السياسي للطبقتين الوسطى والدنيا، بالتوازي مع إعداد العمّال للانخراط في الحياة الديمقراطية الوطنية. وفق هذا التصوّر، تترتّب على الدولة مسؤولية «تأمين الإطار السياسي والقانوني والاقتصادي والاجتماعي الذي يتفاعل في داخله العامل وصاحب العمل على أساس الإنصاف والتوازن والتعاون». هذه العلاقة المُقنّنة بين العمل ورأس المال والدولة تُمكّن الحركة العمالية من تفادي «طريق الصراع الطبقي» وما يُنسب إليه من تبعات غير مرغوبة: «إضرابات طويلة وباهظة الثمن... منافسة سلطة الدولة وأصحاب العمل لمجرد المنافسة، إضرابات ثورية وفوضوية ضد القيادة النقابية، انخفاض في الإنتاجية ناتج عن هزال الضمير المهني لدى بعض النقابات، الخ.» وبذلك، فإن اتخاذ هذه الخطوات وتجنّب الصراع الطبقي يسهم في «بناء وطننا» و«تطوير المجتمع الحديث» على أسس عقلانية وتعاونية.

قدّم لوسيان بيروتي مشروع إصلاح قريباً في خطوطه العامة، لكنّه انحاز بحدّة إلى رؤية غير ليبرالية. كان بيروتي محامٍ حاصل على دكتوراه في الاقتصاد، يعمل منذ منتصف السبعينيات اختصاصيّاً في شؤون القوى العاملة لدى منظمة العمل الدولية. نشر عدداً من الدراسات عن العمل والتنمية الاقتصادية مع منظمة العمل الدولية، ومركز الأبحاث في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، والمكتب الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة.

في كتابه «أزمة العمالة في لبنان»، أشار بيروتي إلى أنه يعتقد أن حرباً طبقية تلوح في الأفق، وأن الحركة العمالية الليبرالية في لبنان والنظام السياسي القائم غير مهيّأين لمنعها. لذلك عرض خطةً لتحقيق عدة أهداف في آن واحد: التشغيل الكامل لـ«القوة العاملة الوطنية»، ومنع تآكل القدرة الشرائية للعمال، و«خفض حدّة النزاعات العمالية ودمقرطة بُنى الإنتاج»، وذلك كله في خدمة «خلق مناخ من السلام الاجتماعي في لبنان، يكون مواتياً لتحسين إنتاجية القوة العاملة، وبالتالي التنمية الاقتصادية للبلد».

انشغل بيروتي على نحو مركزي بسلامة «القوة العاملة الوطنية» وإنتاجيتها. ورأى أن الدولة مُلزَمة بحمايتها من «مخاطر البطالة ونقص التشغيل»، وأن «تضمن لكل لبناني عملاً ملائماً»، وأن تحميها من «التدهور المستمر في القدرة الشرائية». غير أن التهديدات التي حدّدها لـ«القوة العاملة الوطنية» تساعدنا على فهم ما كان يقصده بهذا المصطلح: عمّالٌ ذكور من المواطنين، يعملون في وظائف رسمية، كانوا يشكّلون أصلاً نواة الحركة العمالية. اعتبر بيروتي تشغيل النساء والأطفال مشكلةً لما يخلّفه من أثر على تشغيل الرجال البالغين وعلى مستويات الأجور، ورأى أن العمال غير المواطنين، ولا سيما اللاجئين الفلسطينيين والعمال السوريين المهاجرين، يعرّضون العمال المواطنين لمخاطر أكبر بالبطالة. 

رأى بيروتي أن التعبئة العمالية المُعطِّلة ستستمر، واحتمال صراع طبقي فعلي سيغدو أقرب، ما لم تنجح الدولة في تحويل إحباطات العمال إلى إطارٍ تنظيمي موحّد وفعّال، شرط أن يكون، على نحو حاسم، منزوعَ التسييس. اعتبر أن الحركة العمالية لا تملك أصلاً القدرة على تفادي صراع طبقي حقيقي، بسبب تشرذمها التنظيمي والسياسي، و«خضوعها للأحزاب والشخصيات السياسية»، وتجاهلها حاجات القواعد العمالية، وتصدّر أرستقراطية عمالية ليبرالية الهوى ومتماهية مع مصالح أصحاب العمل. في المقابل، لفت أيضاً إلى قصور الحركة عن ضمّ مجمل قوة العمل المواطِنة، خصوصاً العمال الزراعيين وعمال القطاع العام. 

الحركة العمالية لا تملك أصلاً القدرة على تفادي صراع طبقي حقيقي، بسبب تشرذمها التنظيمي والسياسي، وتجاهلها حاجات القواعد العمالية، وتصدّر أرستقراطية عمّالية ليبرالية الهوى ومتماهية مع مصالح أصحاب العمل

كان ذلك يشير إلى هدف طموح يقضي بتوسيع العمل المنظّم ليشمل مجمل الطبقة العاملة اللبنانية، كما يتصوّرها على نحو واسع نسبياً، مع أنها ظلّت تستبعد النساء وغير المواطنين. وكان يُفترض أن يقترن هذا بتشديد سياسة الهجرة للحد من عدد العمال غير المواطنين في البلاد. وبالنسبة إلى بيروتي، كانت توسيع العضوية النقابية لتشمل كامل قوة العمل المواطِنة العاملة في وظائف رسمية، وإعادة تنظيم العمل المنظَّم على أسس قطاعية، وتمثيل العمل داخل هيئات التخطيط وصنع السياسات الحكومية، عناصر حاسمة لمواءمة العلاقات بين العمل ورأس المال والدولة وعقلنة هذه العلاقات. ومن شأن ذلك أن يضمن ما سمّاه المفكر التشاركي الفرنسي فرنسوا بيرّو «تكاليف الإنسان: الغذاء والسكن والتعليم والصحة»، وأن يحمي قوة العمل الوطنية من البطالة ونقص التشغيل والتضخّم. 

اقترح بيروتي برنامجاً قريباً من برنامج زيناتي، يقوم على إعادة تنظيم الحركة العمالية وتوسيعها من أجل بلوغ علاقات «منسجمة» عبر إرساء «توازن القوى القائمة». ورأى أن من حق النقابات أن تتشكّل من دون موافقة حكومية، وأن يُسمح لعمال الزراعة وللعاملين في القطاع العام بتنظيم أنفسهم. بعد ذلك، تؤدي العقود الجماعية التي يجري التفاوض عليها قطاعاً قطاعاً إلى توحيد شروط العمل، ومنع التجزئة، وتمكين عمال كل قطاع من تمثيل مصالحهم الخاصة تمثيلاً عقلانياً. واقترح بيروتي أيضاً تعديل قانون العقود الجماعية لتخفيف القيود المفروضة على الإضرابات، بحيث يغدو العمال أكثر استعداداً لطرح المظالم التي يمكن عندها التوسّط فيها والتحكيم رسمياً. 

بعد تنظيم قوة العمل الوطنية بأكملها وتمكينها، يفترض إدماجها في اتحاد عمالي وطني منزوعَ التسييس، منظّم قطاعياً، لتأمين تمثيل عقلاني للمصالح الجماعية للعمال. وبالموازاة، ينبغي إعادة هيكلة جمعيات أصحاب العمل ضمن اتحاد وطني لأصحاب العمل، ليخوض حواراً بوساطة الدولة مع العمل المنظَّم. عندها يُنتِج ميزان القوى بين العمل ورأس المال والدولة إمكانية تجاوز النزاع المُعطِّل، والانتقال إلى تواصل منتج عبر «مأسسة الحوار الجماعي». وهذا، في نظره، يقي العمال من هشاشة عدم اليقين الاقتصادي، ويعيد توزيع نصيب أكثر عدالة من ثروة لبنان لصالح العمل من خلال حزمة من الأنظمة «العقلانية» و«العلمية». ولهذا اعتبر بيروتي أن هذه الترتيبات أقرب إلى الديمقراطية من النظام الليبرالي الفوضوي السائد في لبنان.

كما تقاطع زيناتي وبيروتي عند آلية بدت قادرة، ظاهرياً، على تسوية صراعات التوزيع بصورة آلية. ففي كتابيهما، اقترح كل منهما ما سماه «سُلَّم أجور» يربط الأجور بالتضخّم ويعدّلها تلقائياً على مستوى قوة العمل كلها. وكان هذا الاقتراح الجذري سيؤمّن حماية للمشمولين بقانون العمل اللبناني من وطأة التضخّم، ويؤسس لضمانة مدعومة من الدولة للدخول الحقيقية للعمال.

تبنّي الاتحاد العمالي العام في لبنان هذا المقترح، وحوّله إلى مطلب موجّه للحكومة لتطبيقه. وقبيل اندلاع الحرب الأهلية، بدأت الحكومة تصوغ مشروع قانون لـ«سُلَّم الأجور» بالتشاور مع العمل المنظَّم. وقد راقت هذه الفكرة لأطراف متباينة سياسياً. أيّدها إصلاحيون من طراز زيناتي وبيروتي، وأيّدتها كذلك السفارة الأميركية في بيروت، رغبةً في احتواء اضطراب العمل. وفي الوقت نفسه، أُدرج المقترح في برنامج العام 1975 لاتحاد عمالي شيوعي في لبنان، بوصفه مكسباً للطبقة العاملة.

كانت هذه المقاربة محدودة لأنها تفترض، واهمةً، أن الصراع الطبقي يُحلّ بسلاسة عبر أدوات تقنية «غير سياسية»

غير أن هذا النهج «العقلاني» والتقني كانت له حدود. إذ إنه كان سيُطبَّق فقط على العمال المشمولين بقانون العمل اللبناني، ما يعني أنه كان سيستبعد على الأرجح شرائح واسعة من الطبقات العاملة، ولا سيما العاملين في القطاع غير النظامي والزراعة، والعمال السوريين المهاجرين، واللاجئين الفلسطينيين. وكان من شأن ذلك أن يفاقم التمييز المتنامي بين العمال المنتمين إلى النقابات والمنتفعين بزيادات أجور مفروضة وبحمايات اجتماعية أخرى، وبين من لا ينالون شيئاً من ذلك. لكن القوميين العرب والشيوعيين تحرّكوا لتوسيع العضوية النقابية والحمايات القانونية لتشمل هؤلاء العمال، وتمكّنوا في نهاية المطاف من كسب إصلاحيين مثل زيناتي إلى فكرة توسيع أهلية الانتساب النقابي بصورة جذرية. ولو تكلّل هذا المسعى بالنجاح، لكان التضخّم، على الأرجح، قد كفّ عن تقويض الأجور الحقيقية على امتداد قوة العمل بأكملها.

كانت لآلية «سُلَّم الأجور» قيود متعددة. ففهرسة الأجور تلقائياً قد تنزع من الحركة العمالية إحدى أهم قضايا التعبئة لدى القواعد العمالية، وهي قضية تتجاوز القطاعات، ما قد يقلّص وحدة النقابات وقوتها. ثم إن قدرة ضبط الأسعار والأجور على تثبيت الحياة الاقتصادية داخل دولة صغيرة مثل لبنان تبقى موضع شك.

لكن في نهاية المطاف، كانت هذه المقاربة محدودة لأنها تفترض، واهمةً، أن الصراع الطبقي يُحلّ بسلاسة عبر أدوات تقنية «غير سياسية». لم يكن هذا الأفق ممكناً إلا لأن الحركات الشعبية في لبنان كانت قوية ومناضلة في تلك الفترة ، وفي مقدمتها الحركة العمالية. وعلى الرغم من حساسيتهم من السياسة، لم يكن بوسع خبراء مثل زيناتي وبيروتي أن يتصوّروا عقلنة الصراع الطبقي وتسويته لولا أنهم كانوا يستندون إلى حركة شعبية.

من ملف «التفكير الاجتماعي في أزمنة التحوّلات الكبرى». أعدّ هذا الملف من قبل برنامج  «مقاربات نقدية للتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرت النسخة العربية منه في «صفر». 

    زاكاري كايلر

    أستاذ مساعد وزميل في Century International. يتركّز عمله البحثي على السياسات التاريخية والمعاصرة للبنى التحتية والطاقة والبيئة في المشرق. يتناول مشروع كتابه «لبنان الأحفوري» كيفية إسهام علاقة لبنان بصناعة النفط في تشكيل سياسات البلاد واقتصادها وبيئتها العمرانية خلال منتصف القرن العشرين.