معاينة لا مستقبل اجتماعي داخل هذا الحاضر

ملاحظات افتتاحية: لا مستقبل اجتماعي داخل هذا الحاضر

كنتُ أفضّل أن أسمّي هذه المداخلة «التنمية في زمن الوحوش»، لكن اقتباس غرامشي صار مثيراً للريبة بعدما ظهر في تغريدة السفير السعودي في لبنان (تشرين الثاني/نوفمبر 2021). ومع ذلك يأتي معه أيضاً شعار «تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة»، وأحتفظ بالباقي لغرامشي لنفسي.

مهمّتي غير محبّبة، إذ عليّ أن أتحدّث عن قضيتين معقّدتين وأن أربط بينهما. تبدوان متباعدتين، لكنهما تلتقيان على نحو غريب، كما سأحاول أن أبيّن. أعني بذلك الحروب والتحوّلات الكبرى، مع محاولة في الوقت نفسه، تخيّل مستقبل اجتماعي للمنطقة.

في آذار/مارس 2024، وصفتُ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 في محاضرة في «مسرح المدينة» في بيروت بأنه أنجح عملية حرب عصابات في مسار التحرّر الوطني منذ معركة مدينة الجزائر في العام 1957. نعرف ما تبع ذلك.

ما كان مطلوباً هو قوى وأشخاص يترجمون فلسطين إلى شؤون الداخل، يترجمونها إلى سؤال السلطة، وإلى قضايا المعيشة، وإلى رفض القمع الداخلي والاستغلال الداخلي

ظنّ كثيرون أن العملية ستنتهي في خلال بضعة أشهر، وأنا من بينهم، مع قدر كبير من القتل والدمار، ثم يُفرض وقف إطلاق نار بعد ذلك وتتبعُه صفقة تبادل رهائن، كما حصل في حروب غزة السابقة. لكننا اصطدمنا بمفاجأتين.

أولاً، على الجانب الإسرائيلي، أُطلق العنان لبرنامج اليمين المتطرّف بلا مواربة وبلا سقف. ونادراً ما نربط عناصره ضمن لوحة واحدة، مع أنّها امتدادٌ طويل لبرنامج «الليكود» واليمين المتطرّف، الذي عارض ثلاث محطّات مفصلية في الملف الفلسطيني: الانسحاب من غزّة، والانسحاب من لبنان، واتفاق أوسلو. تحوّل هذا الانفلات إلى حرب إبادة قُتل فيها عشرات آلاف المدنيين، وغالبيتهم من النساء والأطفال. لم يكتفِ بإحياء الدعوات إلى إعادة الاحتلال والتطهير العرقي، بل ألهم دعوات إلى إلقاء قنبلة نووية على غزة، وأفضى إلى عمليات نقل متكررة لمئات الآلاف داخل القطاع، ومشروع لترحيل ما لا يقل عن نصف مليون من سكانه في نكبة جديدة، وبلغ ذروته في نقاش داخل الكنيست عن احتلال الضفة الغربية كلها، وعودة الدعوات إلى قيام «إسرائيل الكبرى».

ثانياً، استعداد المقاومة الفلسطينية لخوض نضال ممتد ومتعدّد الأوجه، والمقاومة الملحمية والبطولية للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، وصولاً إلى العام الثاني من الحرب.

ماذا عن المواقف العربية والدولية؟ الحدث الأكثر إيلاماً، ونادراً ما يُناقَش، هو انقسام الشعب الفلسطيني. أدان رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس مقاومة غزة، ودعا «حماس» إلى إطلاق الرهائن وتسليم سلاحها، وأعلن استعداد السلطة لتولّي إدارة القطاع بعد هزيمة المقاومة. لزمت سلطة عباس الصمت فيما كانت القوات الإسرائيلية تهدم المخيمات وأحياء المدن وتُفرغها من سكانها. كوفئ عباس على مواقفه؛ إذ نفّذت القوات الإسرائيلية عمليات عسكرية داخل عاصمته رام الله، ومنعه دونالد ترامب من دخول نيويورك لحضور اجتماع الأمم المتحدة.

ساهمت مصر في حصار غزة، فيما أدّت في الوقت نفسه دور الوسيط في وقف إطلاق النار وإطلاق الرهائن. ومارست قطر دور الوساطة في أكثر من نزاع. وكلتاهما، المصرية والقطرية، كانتا تدركان، وهما تتعاملان مع نتنياهو، أن السلطة الفعلية والقرار النهائي في مآلات الوساطة ليسا بيدهما، بل في يد دونالد ترامب. أما السعودية فنجحت في حجب موقفها خلف الدعوات إلى قيام دولة فلسطينية. انهار النظام السوري في خلال الحرب، واتضح أنه رفض في البداية طلباً إيرانياً بالانضمام إلى محور المقاومة والقيام بعمليّة عسكرية مساندةً لغزّة.

لا أرى وصفاً للموقف الأوروبي من حلّ الدولتين سوى النفاق. فعرقلة اتفاقات أوسلو منذ لحظاتها الأولى خرجت من سياسة مزدوجة: الولايات المتحدة بصفة «الوسيط» الأميركي «المهتمّ»، وأوروبا تُثبّت بيروقراطية السلطة الفلسطينية وتؤمّن لها المال، مع شبكة المنظمات غير الحكومية وسائر أدواتها.

في المقابل، يفرض غياب فاعلين آخرين نفسه على النقاش، هما روسيا والصين. لا يكفي التذرّع بانشغال روسيا بحرب أوكرانيا، إذ إن المواقف المطلوبة حيال غزة، ثم لاحقاً حيال الحرب على إيران، لم تكن تستدعي أي تبعات عسكرية. ومع ذلك، وبحسب ما نعرف، ما زال فلاديمير بوتين بعيداً جداً عن أي صفقة مع الولايات المتحدة.

يمكن النظر إلى الموقف الصيني من زاوية غاز ونفط دول الخليج. غير أنّ الصين بادرت، في خطوة فريدة، إلى جمع مختلف الفصائل الفلسطينية في بكين، على أمل التوصّل إلى موقف موحّد إزاء الحرب، وإلى رؤية مشتركة لإدارة غزة. على الأقل، سواء وعى الصينيون الأمر أم لا، فقد أظهروا مدى خطورة الانقسام الفلسطيني.

ثم يجيء سؤال شديد الحساسية: أين كانت الجماهير العربية؟ إن مشهد الشوارع والجامعات الخالية في معظم البلدان العربية، إذا ما قورن بما شهدته بلدان غربية كثيرة، باستثناءات محدودة في المغرب العربي وتونس، يستدعي تفسيراً. ثمة تفسيرات عديدة ومثيرة للاهتمام. إليكم بعضاً منها:

أولاً، الخوف من القمع. ليست مسألة بسيطة، لكنها تفسير ممكن، ويمكن الرد عليه بسهولة: الجماهير العربية تجرّأت قبل وقت غير بعيد على مواجهة الجيش بصدور عارية. سقط شهداء وامتلأت السجون، ومع ذلك لم يختفِ الخوف تماماً. من شعارات الربيع العربي: «كسرنا الخوف».

ثانياً، الإحباط بعد الربيع العربي. يمكن القول إن الإحباط غالباً فردي، ومن الصعب الحديث عن جماهير «محبطة». الناس تواصل العمل والعيش وإنجاب الأطفال… إلخ. ومع ذلك يمكن قبول المصطلح، لكنه لا يصلح سبباً أساسياً.

لا يعني أن إيران تخلّت ببساطة عن حلفائها، بل إن الحلفاء أُضعفوا، وأن الأولوية داخل إيران أُعطيت، ولا تزال تُعطى، للملف النووي. عند هذا الحد، على الأقل، تستقرّ الأمور

ثمة تفسير أكثر إثارة للاهتمام وربما أكثر صلة: أن الناس جلست خلف الشاشات، تفرغ غضبها وإحباطها على الإنترنت ووسائل التواصل. وهذا، بالمناسبة، أدّى دوراً مهماً يتجاوز مجرد «عدم التحرك»؛ أسهم أيضاً في إضعاف التعبئة لدى قطاعات واسعة من الشباب، وفي تقديم صورة مختلفة عمّا تدور حوله الحرب. سنعود إلى ذلك.

وأريد أن أضيف عنصراً آخر: فلسطين والصراع العربي–الإسرائيلي لا يترجمان، بالضرورة وبشكل تلقائي، إلى مصالح داخلية ومطالب وتطلّعات. هذا درس من عقود سابقة: هل تكفي فلسطين بذاتها لتقود إلى معاداة الإمبريالية، وإلى تغيير اجتماعي، وإلى ثورة؟ أم يمكن أن يحدث العكس؟ سنعود إلى ذلك. لكن المهم أن ما كان مطلوباً هو قوى وأشخاص يترجمون فلسطين إلى شؤون الداخل، يترجمونها إلى سؤال السلطة، وإلى قضايا المعيشة، وإلى رفض القمع الداخلي والاستغلال الداخلي. لا تحصل هذه العملية فوراً ولا تسير بصورة مباشرة. ما نعرفه من الخبرة أن منظمة التحرير نجحت في تأدية هذا الدور في حالتين قبل أوسلو، لبنان والأردن، وهما البلدان اللذان وُجدت فيهما معارضة محلية قوية تحالفت مع الفدائيين الفلسطينيين، واستجابت للمعاني الأعمق لرسالة فلسطين الشاملة.

ثمة أمر تكشّف في هذه الحروب، لا يحتاج تفصيلاً مطوّلاً، لكنه يحتاج إلى قول واضح: إسرائيل مستعمرة استيطانية، تقوم من جهة على أكثرية تقهر أقلية، وهي من جهة أخرى دولة أقلية في الإقليم، تتغذّى برؤية اسمها الصهيونية، تقوم على الاعتقاد بأن الأقليات لا يمكنها العيش مع الأكثريات. هذه هي، في جوهرها، فلسفة الدولة اليهودية، ومن الضروري التذكير بها.

ثانياً، لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لإدراك مدى كون إسرائيل جزءاً عضوياً، لا من الولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً من ما يُسمّى التحالف الأطلسي، على الرغم مما يعتريه من تصدّعات ومشكلات راهنة.

لكنني أودّ التوقّف عند مسألة أكثر آنية، هي دلالة مشاركة إدارة ترامب في الحرب. فلا يكفي الحديث عن الروابط العضوية بين إسرائيل والإمبريالية الأميركية، ولا اختزال هذا التأثير بنفوذ «اللوبي اليهودي» في واشنطن، وهو تفسير شائع اليوم.

الأفضل أن نبدأ من البداية. مع ترامب الأوّل، قطعت الإدارة الأميركية شوطاً بعيداً في إنجاز مهمّتها الإمبريالية التاريخية، أي جمع ركيزتي هيمنتها معاً: أوليغارشيات النفط في السعودية والخليج، وإسرائيل. وعلى مستوى أكثر مباشرة، صُمّمت اتفاقيات إبراهيم لخدمة الولايات المتحدة. يومها، سحبت قوات من منطقة الخليج السعودي كي تحشد قدرة عسكرية أكبر في مواجهة الصين، وتُسند أمن تلك المنطقة و«الحماية» من إيران إلى إسرائيل بوصفها قوة شبه إمبريالية إقليمية. والأمر نفسه يُجرَّب مع ترامب الثاني، لكن بوسائل عسكرية، خصوصاً بعد انكشاف أن إيران قطعت شوطاً بعيداً نحو إنتاج سلاح نووي. لم تنجرّ الإدارة الأميركية خلف إسرائيل إلى حربها على منشآت إيران النووية؛ بل إن الضربات الاستباقية التي نفّذها سلاح الجو الإسرائيلي ضد دفاعات إيران الجوية النووية وبناها العسكرية مهّدت الطريق للضربات النهائية التي نفذتها قاذفات B-2.

أودّ التوقّف الآن عند ما أطلقت عليه حركات محور المقاومة اسم حرب الإسناد. لم تشارك سوريا في الأنشطة العسكرية، ومع انهيار النظام تبيّن أن السلطة هناك لم تُبدِ أصلاً أي رغبة في الانخراط في الحرب دعماً لغزة. أمّا دور العراق فبقي محدوداً؛ اتخذ تبادل الصواريخ طابعاً رمزياً، وخسر العراق موقعه الأساسي في مسار نقل السلاح إلى لبنان بعد سقوط النظام السوري. في المقابل، نجح الضغط العسكري والسياسي الأميركي في إدراج نزع سلاح «الحشد الشعبي» والتنظيمات الجهادية الشيعية المختلفة على جدول الأعمال. تمكّن الضغط العسكري والسياسي الأميركي من وضع نزع سلاح «الحشد الشعبي» وسائر التنظيمات الجهادية الشيعية على جدول الأعمال.

أما في اليمن، فالحوثيون حركة هامشية انتزعت قيادة شمال اليمن بالقوة، مؤكِّدةً انقسام البلاد إلى شطرين: شمال خاضع لنفوذ إيران، وجنوب تديره حكومة «شرعية» تحت نفوذ السعودية والإمارات. سيطر الحوثيون على قطاعات واسعة من سواحل البحر الأحمر، ويحصرون تحركاتهم حالياً بإطلاق صواريخ بالستية نحو مطار بن غوريون وباستهداف السفن الإسرائيلية، بعد تفاهم مع الإدارة الأميركية، فيما يواجهون حرباً جوية إسرائيلية مدمّرة. يتعلّق جوهر الأسئلة بمصير اليمن: إلى أي مدى يمكن للحوثيين الاستمرار، بمعزل عن ضرباتهم الحالية ضد إسرائيل؟ هل تتّجه البلاد إلى تسوية بين السعودية والإمارات وإيران، أم إلى حملة ضغوط واسعة للتخلّص من هذا النظام؟

فتح التطبيع باب المنافسة بين ثلاث أوليغارشيات نفطية: السعودية والإمارات وقطر، وكلّها تتنافس على النفوذ الإقليمي

ما يتبقى لنا هنا، في الأساس، هو لبنان، البلد الحدودي الذي يعيش فيه عشرات الآلاف على بعد كيلومترات قليلة من مستوطنين مسلّحين في أعالي الجليل. وأقترح فرضية: لو أن حزب الله لم يفتح الحرب في 8 تشرين الأول/أكتوبر، لبادرت إسرائيل إلى الهجوم. لا أقصد أن هذا هو ما دفع حزب الله إلى اتخاذ قرار الهجوم، لكن الوقائع تقود إلى هذا الاستنتاج، وترتبط بفشل النقاشات السياسية حول الحدود البرّية. ثم إننا نعرف اليوم، بأثر رجعي، أن إسرائيل كانت تُعدّ منذ 12 عاماً للهجوم على لبنان. لذلك يصعب الاعتقاد أنه كان يمكن في ذلك اليوم الاكتفاء بالقول: «هناك جمود، لا أحد يتحرك». لكن هذا ليس الأهم. يمكن إضافة أمر آخر: كان معروفاً أن حزب الله أعلن خطة للتسلل إلى جزء كبير من أعالي الجليل، أو احتلاله، بما فيه المستوطنات والقرى هناك، عبر ما يُعرف بقوة الرضوان. كان ذلك سراً مكشوفاً. وأظننا نعرف الآن إلى أي حد استُخدم هذا الأمر من الإسرائيليين، لا بوصفه اتهاماً، بل كذريعة؛ أولاً لحشد الحرب الشاملة على لبنان، وثانياً لاتخاذه مبرراً للحرب.

إذاً نحن أمام حرب غير متكافئة بين جيش صغير، حزب الله، يطلق صواريخ على منشآت عسكرية وأمنية في منطقة حيفا وتل أبيب، وبين جيش متفوّق، بقوة جوية ساحقة، يشن حرباً على امتداد الأراضي اللبنانية كلها، في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع. وسرعان ما رافقت هذه الحرب الشاملة حربٌ برّية انتهت، أو توقفت، حين سيطر الجيش الإسرائيلي فعلياً على القسم الأكبر من جنوب نهر الليطاني. دفعت مناطق السكان هناك كلفة ثقيلة، شملت دماراً واسعاً في نحو 30 قرية على خط الجبهة، فيما ما زالت إسرائيل تحتل خمس نقاط استراتيجية. وفي الوقت نفسه استمرت عمليات استهداف قادة وكوادر من المقاومة، وخسر حزب الله قائده الذي لا يُعوّض، وعشرات من قادته العسكريين وكوادره، ومئات من مقاتليه، فضلاً عن الجرحى وضحايا هجوم أجهزة النداء (البيجرز) وتدمير البنى التحتية.

ثم جاءت حكومة جديدة من التكنوقراط، تحت ضغط أميركي وتدخّل سعودي، فتولّت في خلال أشهر دور الدولة، وأقرّت نزع سلاح حزب الله بذريعة حصرية السلاح، على أن يُنجز ذلك قبل نهاية هذا الشهر. الأخطر من ذلك أمرٌ صدر إلى الجيش لإعداد خطة لجمع السلاح. باللغة العسكرية، لا تعني هذه العبارة إلا أمراً واحداً: اذهبوا وابحثوا أين يوجد حزب الله ثم أخبرونا كيف ستهاجمونه. ما لم تكن المسألة لعباً، فهذه خطة حرب. وقد فهم كثيرون من ذلك أنّ هذا المسار آتٍ لا محالة. ويمكن التوقّف هنا عند زلّةٍ إضافية زادت المشهد التباساً: الحكومة اللبنانية قرأت وناقشت ورقة أميركية تتناول آليات نزع السلاح. والأغرب أنّ الحكومة قبلت معظم ما ورد فيها، ولم يُنقذها من تبعات ذلك سوى رفض الإسرائيليين.

إذاً هذه هي الحال التي نعيشها. بعد يومين، سيعرض الجيش خطته لمصادرة سلاح حزب الله. أتحدث عن كل ذلك ليس لأننا في لبنان فقط، بل لأن هذه الحالة هي الوحيدة بين حالات حرب الإسناد الثلاث التي تقوم فيها هذه الخطورة القصوى، بما يلامس احتمال صراعات قاسية بين اللبنانيين. لذلك يمكن التشديد على أن الوحدة الوطنية يجب أن تكون أولوية، وأن مجالاً يظل قائماً لحلّ تفاوضي تُجمع فيه كل إمكانات الجيش والمقاومة ضمن خطة متكاملة للدفاع الوطني، خصوصاً في وقت بات واضحاً أن إسرائيل تخطط لتوسيع الحزام الأمني في سوريا ولبنان، بما يعني مزيداً من الاحتلال ومزيداً من الوجود العسكري.

ثمة أمر لا يُقال في مسألة نزع السلاح، وأجده مثيراً للاستغراب. فالسيد باراك ذهب إلى حد تفصيل أنواع الأسلحة المطلوب تسليمها، من القنابل اليدوية صعوداً. لكننا، على الأقل، لم نُبلَّغ بأنه تطرّق إلى الصواريخ البالستية. وبحسب ما أعرف، وبحسب ما يعرفه الجميع، يوجد بعد حرب 2006، وبمساعدة سوريا وإيران، مستودع ضخم للصواريخ البالستية في شمال البقاع، وفي الجهة المقابلة داخل المنطقة السورية–اللبنانية في القصير. وهنا يطرح السؤال: ما الذي كان عليه وضع هذه الصواريخ خلال الحرب؟

كان الإسرائيليون يتحدثون عن بضعة آلاف. وكنتُ واحداً من السذّج، أو لستُ ساذجاً إلى هذا الحد، الذين صدّقوا ذلك، لأن التقارير العسكرية الإسرائيلية كانت تقول إن هذه الصواريخ لا يمكن تدميرها إلا عبر حرب برّية. ومنذ العام 2006 عشنا في ظل ما سُمّي توازناً عسكرياً بين القوتين المسلحتين، حزب الله من جهة، والطرف الآخر أيّاً تكن تسميته من جهة ثانية. ما نعرفه أن هذه الصواريخ خُصّصت سلاحاً للاستخدام ضد مفاعل ديمونا النووي في النقب، وأنها ما زالت موجودة. تفيد النظرية الوحيدة المطروحة بأن منصّات الإطلاق تعرّضت لضربات من الطيران الإسرائيلي، فطُمِرت الصواريخ تحت الركام. والفكرة أنها تقع على عمق يتراوح بين 30 و40 متراً تحت الأرض.

لستُ أطلق كلاماً عسكرياً للاستعراض؛ أتحدّث عن أنّ إيران، أولاً، معنيّة بالأمر ومُقحَمة فيه. ففي تلك المرحلة كان يُفترض، على نحو شبه بديهي، أن هذه الصواريخ تقع تحت مسؤولية النظام السوري ثم لاحقاً إيران، لا أنها في يد حزب الله. وثمة أمر آخر: إذا نظرتم إلى خريطة البنك الدولي للعمليات العسكرية في لبنان، تجدون مثلثاً أحمر في الشمال الشرقي من لبنان وسوريا، فيما تظهر الغارات الجوية الأخرى باللون البرتقالي ومتناثرة. وهذا يزيد تعقيد مسألة حصرية السلاح بيد الدولة: من الذي سيذهب إلى هناك ليتسلّم هذا السلاح؟ وبأي معنى؟

أظن أن ذلك يقودنا إلى التفكير في مسألة أخرى، هي ما الذي حلّ، وما الذي يحلّ، بما يُسمّى محور المقاومة. بعد ما سبق، لا بدّ من طرح السؤال، مع التعليق عليه في الاتجاه التالي: حين تتلقّى مجموعة من تنظيمات المقاومة دعماً من إيران، يُفترض أن الدولة لا تكتفي بتقديم السلاح والمساندة، بل تسهم أيضاً في إيجاد مخرج لذلك الصراع، طالما أن هذه التنظيمات تُفهم على أنها «أذرع» لها. واللافت، في هذا السياق، أنه حين ردّت إيران على اغتيال إسماعيل هنيّة في ما أُعلن عنه كحرب أو كهجوم مباشر على إسرائيل، جاء الردّ الإسرائيلي، فانتهت المبادرة عند هذا الحد. بعد ذلك انتقلنا إلى إيران بوصفها ضحية الحرب الإسرائيلية–الأميركية. وفي تلك المرحلة، بدا أن الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية سارتا في اتجاه واحد: إضعاف خطوط الجبهة، وكل ما يمكن أن يجعلها ورقة تفاوض محتملة.

ما الذي يجب تغييره؟ وبأي وسائل؟ وبأي خريطة طريق؟ ومن الذي سينفّذ التغيير؟ كل المعاني الفعلية للسياسة محظورة هنا: تكتيك، استراتيجية، هجوم، دفاع، مقاومة، انتقال إلى إصلاح، تغيير جذري، أو ثورة

هذا، في رأيي، هو السياق الذي نمر فيه. وهذا لا يعني أن إيران تخلّت ببساطة عن حلفائها، بل إن الحلفاء أُضعفوا، وأن الأولوية داخل إيران أُعطيت، ولا تزال تُعطى، للملف النووي. عند هذا الحد، على الأقل، تستقرّ الأمور.

وقبل الانتقال إلى المستقبل الاجتماعي، ثمة نقطة إضافية حول التطبيع. يكثر الحديث عنه، لكن الغريب أولاً أنه يُسمّى تطبيعاً، كأن ما عشناه تحت القمع الإسرائيلي–الأميركي والحروب كان هو الاستثناء، وأن الآن هو غير الطبيعي: التطبيع. والأدق في الكلمة أنها ليست طبيعي (normal)، بل تطبيع؛ أي أن أحداً ما يجعلك «طبيعياً»، يفرض عليك أن تُطَبَّع.

على أيّ حال، المعنى الفعلي للتطبيع بالنسبة إلى شعوب المنطقة هو إدخال إسرائيل قسراً بوصفها قوة إقليمية تتنافس على النفوذ مع إيران وتركيا على القسم الأكبر من العالم العربي. والمقصود اليوم هو إضفاء الشرعية على واقع قيام ثلاث قوى إقليمية تملأ الفراغات في العالم العربي، في المشرق العربي والخليج العربي وسواهما. ومع ذلك، لا يزال هذا المسار موضع مقاومة، في سوريا والعراق ولبنان، فضلاً عن الموقف المستقل للكويت. لذلك لم يتحقّق بعد بصورة كاملة. في المقابل، فتح التطبيع باب المنافسة بين ثلاث أوليغارشيات نفطية: السعودية والإمارات وقطر، وكلّها تتنافس على النفوذ الإقليمي. وقد أعلنت السعودية سعيها إلى إقامة علاقات مميّزة مع الولايات المتحدة في صيغة اتفاق دفاعي، إضافة إلى مفاعل نووي. والمفارقة أن هذا الاتفاق الدفاعي لا يُمنح حتى لإسرائيل، مع أن إسرائيل نفسها تطالب به.

وأضيف أن حركة مقاومة التطبيع تتحرّك بالفعل، لكنها تحتاج إلى ألا تنحصر في فعل تضامن مع فلسطين فقط، بل أن تتعامل معه بوصفه هجوماً على التضامن العربي وعلى سيادة البلدان المعنية. يضاف إلى ذلك أن كثيراً من الاتفاقات التي تربط الدول المُطبِّعة بإسرائيل تتناقض بوضوح مع مصالحها الوطنية والاقتصادية. هذا الشكل الأخير من المقاومة بدأ في البحرين مثلاً، وأعرف أنه يجري التحضير له في المغرب أيضاً.

يمكنني أن أتوقف هنا وأن أنتقل سريعاً إلى المستقبل الاجتماعي. أظن أن أفضل ما أستطيع تقديمه هو الحديث عن الحاضر الاجتماعي الذي نعيشه منذ أربعين عاماً على الأقل، في ظل العولمة والنيوليبرالية.

وأريد التشديد على أن التفكير في المستقبل الاجتماعي والحاضر الاجتماعي يفترض مقارنتهما باتجاهين كبيرين، فكرياً وعلى مستوى القوى الفاعلة في المنطقة: الأحزاب الإسلامية المُسلَّحة التابعة لمحور المقاومة، وحركة المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني الليبرالي. كلاهما، بطريقة أو بأخرى، وسأحاول أن أبيّن ذلك:
• ينفيان ويهمّشان ما يمكن تسميته «الاجتماعي»، إذا أردنا استعمال التعبير الفرنسي le social.
• وليس أيٌّ منهما بلا انتماء اجتماعي؛ يمكن القول إن التيار الليبرالي يرتبط أكثر بالطبقات الوسطى، بينما الإسلامية الراديكالية، بل وحتى الإرهابية، ترتبط أكثر بالشرائح الأفقر من السكان.

أريد فقط أن أقول إن أحداً لا يدرس من هم «الإرهابيون الحقيقيون»، أي جهاديّو داعش. جرى شيطنة هؤلاء الناس، وقيل إنهم «لا وجود لهم»… لكن من هم؟ لماذا يقرّر سوري أو لبناني أو عراقي أو فلسطيني أو تونسي أو جزائري، من مناطق الحدود، أن يذهب ويقبل ارتكاب ما يصح تسميته إرهاباً؟ نحن لا نعرفهم. يوجد عشرات الآلاف منهم. ارتكبت خطأ مرة على تلفزيون معارض سوري حين قلت: هؤلاء أهلنا، فوبّخني الصحافيون. كيف تسميهم أهلنا؟ هؤلاء لديهم كلّ شيء… لكن دعونا نترك هذا جانباً.

ما يجب قوله هو محاولة توصيف الطرفين. في محور المقاومة، تظهر رؤية استعمارية للإمبريالية، بدائية إلى حد ما، وتفتح بسهولة على تفسير ثقافوي: الإسلام في مواجهة الغرب. وترافقها مقاربة جيوستراتيجية تُخرج القضايا الداخلية إلى الخارج: دائماً هناك شيء يُفعل بك. تلاحقها مشاريع مؤامرة؛ أحدثها مشروع الشرق الأوسط الكبير الشهير، الذي يعيش معنا منذ العام 2003. ننتظر تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير، مع أنه، بحسب ما أعرف، اسم استعملته الخارجية الأميركية للمنطقة بعد هجومها على أفغانستان: سمّته الشرق الأوسط الكبير. ثم نحوله نحن إلى مشروع، وعندما تسأل، يقال لك إنه مشروع هيمنة. مشروع لا يتوقف عن الهيمنة علينا. لكن لنكمل.

ثم يجب الحديث عن الوجه الآخر لمحور المقاومة. في اليمن والعراق، انقسم الجيش الوطني أو جرى استبداله. وفي سوريا، باتت البلاد عملياً خاضعة لمنطقٍ عسكريّ. في العراق يوجد الحشد الشعبي، وهو أكبر من الجيش. في لبنان، تعايش صعب مع الجيش اللبناني، وأظل أقول إنه أضعف من المقاومة. وأخيراً الحوثيون في اليمن كسروا الجيش واستبدلوه… إلخ.

ويُضاف إلى ذلك تصوّر جماعاتي للاقتصاد والاجتماع. مثلاً، يقدّم حزب الله في لبنان نفسه مزوّداً للخدمات الاجتماعية والخدمات الصحية والخدمات التعليمية، وهذا ليس حكراً عليه؛ فهذا من عادات البنية الطائفية اللبنانية. لكن يرافق ذلك أيضاً محافظة اجتماعية شديدة، تندمج، بالمناسبة، بسهولة مع قبول غير نقدي للنيوليبرالية. أحياناً يظهر اعتراض على صندوق النقد الدولي بوصفه جهة خارجية تتدخل في شؤوننا، ونادراً ما تجد نقداً فعلياً لما يقترحه الصندوق نفسه. وأذكر هنا أن أول وزير قرّر خصخصة كهرباء لبنان كان وزيراً من حزب الله.

لا أريد المبالغة، لكن في ثلاث أو أربع حالات، ارتبطت هذه الأسلحة بالأنظمة القائمة وببنى السلطة. في العراق ولبنان وقفت ضد الحركات الشعبية في العام 2019. في العراق جرت اغتيالات لناشطين في بغداد والبصرة. وفي لبنان وجّه حزب الله ضربة كبيرة للحركة الشعبية، وقدّم خدمة جليلة للأوليغارشية الطائفية الرأسمالية حين دعا أمينه العام أنصاره إلى إخلاء الساحات والشوارع، ما خفّض بصورة كبيرة الامتداد الشعبي والجغرافي للحركة. وكانت الرسالة: عودوا إلى الطائفة، وسنحلّ مشاكلنا.

وهذا كلام لا بدّ منه، ويمكنني، إن بقي وقت، أن أنتقل سريعاً إلى الطرف الآخر، أي الطرف الليبرالي. أريد أن أشدّد على أننا نعرف القليل جداً عن الثلاثين عاماً من الليبرالية والنيوليبرالية. نعرف بعض الشيء عن الاقتصاد، لكننا لا نعرف كثيراً عن جوانبها السياسية والاجتماعية. وأزعم أن النيوليبرالية عالمياً أنتجت لغة جديدة، لغة نفي وردّ ومعارضة للغة سابقة، أي لغة مرحلة التحرّر الوطني. لنأخذ التنمية مثلاً، بما أننا نتحدث عن التنمية: أُعيد تسميتها بـ«النمو». وهذه التسمية وحدها تحمل برنامجاً اجتماعياً-اقتصادياً كاملاً، من دور الدولة في التخطيط والرفاه والتوزيع الاجتماعي، إلى معجزة اليد الخفية ويد السوق، أو بالأحرى إلى ماكدونالدز والقبضة الحديدية للبنتاغون.

في المخيال النيوليبرالي، لا وجود لمجتمع؛ يوجد الدولة والأفراد: أفراد في مواجهة الدولة في خطاب مناهضة السلطوية، أو دولة في خدمة الأفراد

وفي هذا المنظور الليبرالي تُقدَّم حقوق الإنسان أساساً بوصفها حقوقاً فردية وشخصية، مع اهتمام ضئيل بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ناهيك عن الصمت حيال حق الشعوب في تقرير المصير، وهو في قلب المسألة الفلسطينية، وهو حق جماعي. هل سمع أحد منظمة غير حكومية تدعو إلى تطبيق حق تقرير المصير في فلسطين؟ لافتات تقول: الحق في تقرير المصير الوطني؟ أنا لم أسمع.

أما الأبارتهايد والتمييز العنصري فقد جرى تسطيحهما إلى «فصل عنصري»، أي «فصل» على أساس العِرق. لا تراتبية، لا استغلال؛ مجرد فصل. اتصلت بأصدقاء في الإعلام وقلت لهم: رجاءً استعملوا «تمييز عنصري». ليست المسألة «فصلاً»، ليست مجرد فصل بينهم. لكنها لا تمرّ. المترجمون لا يحبّونها. وبالطبع يمكن فتح نقاش كامل هنا: إذا لم يكن تحرير جنوب أفريقيا عبر حركة المقاطعة BDS، يمكننا بحث ذلك في وقت آخر.

مفهوم التغيير كلمة مفتاحية في ثورتي 2011 و2019، استولت عليها الحركات الاجتماعية والمدنية أكثر مما صاغتها الأحزاب السياسية. لذلك ستجدونه حاضراً بكثافة في أدبيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. لكن ما الذي يجب تغييره؟ وبأي وسائل؟ وبأي خريطة طريق؟ ومن الذي سينفّذ التغيير؟ كل المعاني الفعلية للسياسة محظورة هنا: تكتيك، استراتيجية، هجوم، دفاع، مقاومة، انتقال إلى إصلاح، تغيير جذري، أو ثورة. ويقابل ذلك شعارات محلية أخرى، مثل «بلدي»، وشعار «يسقط»، حيث يوجد دائماً من ينبغي أن يسقط، وخصوصاً «النظام». وهو شعار قديم وجميل يعود إلى عشرينيات القرن الماضي في مواجهة الإمبرياليتين الفرنسية والبريطانية، لكن قل لي ماذا يعني، إن لم يكن أن النظام يجب أن يسقط، ومعه الأسئلة نفسها.

ويمكن رصد انقلاب جذري في المعنى أيضاً في ما يتعلّق بالعدالة الاجتماعية. في الحرب الباردة، صارت كلمة المساواة محرّمة لأنها أُلحقت بالاشتراكية أو الشيوعية، فاستُبدلت بالإنصاف. للكلمة حياة طويلة. حين كنت أسأل طلابي في صف اللامساواة الاجتماعية في الجامعة الأميركية في بيروت: ما نقيض اللامساواة؟ كنت أتلقى غالباً جواباً واحداً: الإنصاف. أخبروني متى تتلقون جواباً يقول: المساواة. بعد نهاية الحرب الباردة، عاد الحديث عن العدالة الاجتماعية لكن مع عملية تجميل، وغالباً ضمن فهم مستلهم من دولة الرفاه. في معناها القديم، كانت العدالة الاجتماعية تشير إلى الضمانين الاجتماعي والصحي، وخدمات دولة سخية، وتوزيع عادل للموارد والثروة. أما العدالة الاجتماعية الجديدة فشيء آخر: منحة بحث من الاتحاد الأوروبي حول تعزيز العدالة الاجتماعية في لبنان تضع العناوين التالية: تمكين النساء، تعزيز البرلمان، حماية حقوق الإنسان، تشجيع الحوار الاجتماعي، تعزيز الوقاية من المخدرات والعلاج، والدفاع عن الشباب. يمكنكم التقديم، فما زالت هناك منح.

وفي ما تبقّى، تحوّل المناضل إلى ناشط. الأولى تفترض صراعاً ونزاعاً، والثانية تفترض نشاطاً محايداً. وصار وصف مناضل يُلصق بالجهاديين والإرهابيين. والتضامن أصبح مناصرة. وليستا الشيء نفسه: التضامن علاقة بين ناس وحركة تقاتل من أجل قضية مشتركة، أما المناصرة فهي مجموعة تناصر قضية مجموعة أخرى.

وأضيف هنا ما يتصل مباشرة بالسياسي والاجتماعي. المجتمع المدني لا يطابق المجتمع ولا الاجتماعي. إنه الجزء غير الدولتي من المجتمع في مواجهة الدولة، ويشمل القطاع الخاص ويستبعد الأحزاب السياسية. في المخيال النيوليبرالي، لا وجود لمجتمع؛ يوجد الدولة والأفراد: أفراد في مواجهة الدولة في خطاب مناهضة السلطوية، أو دولة في خدمة الأفراد. الدستور الوحيد في العالم الذي ينصّ على ذلك حرفياً هو دستور تشيلي في عهد بينوشيه، إذ يبدأ بالقول إن الدولة في خدمة الأفراد. لا مجتمع، لا جماعات. وفي لبنان، بالمناسبة، من الحالات النادرة التي يُدرج فيها الحق في الملكية الخاصة والمبادرة الخاصة داخل الدستور.

وأخيراً، ما يُسمّى الاقتصاد السياسي في كثير من هذه الأدبيات لا يعني سوى قراءة الاقتصاد بلغة سياسية سطحية. مثلاً، اقترح أستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت مفهوم رأسمالية المحاسيب (crony capitalism)، ليقول إن عضواً من عائلة مصرفية إذا تولّى منصباً سياسياً، تصبح العائلة كلها عائلة سياسية. وهناك معارض سوري يشرح الأمر على النحو الآتي: «ما أهمية الفقر الاقتصادي مقارنة بالفقر السياسي؟ الأول يشمل 37% فقط من السكان السوريين، أما الثاني فقد عاشه 100% منهم لعقود طويلة». وأنا أقتبس هنا في الحالتين.

وأختم بما يلي: لا مستقبل اجتماعي داخل هذا الحاضر. المستقبل الاجتماعي يحتاج إلى اختراع، والمسألة الاجتماعية تحتاج إلى استعادتها عبر الجمع بين الدفاع والمقاومة ضد الإمبريالية والصهيونية، والنضال ضد النيوليبرالية، على طريق الديموقراطية الاجتماعية.

من ملف «التفكير الاجتماعي في أزمنة التحوّلات الكبرى». أعدّ هذا الملف من قبل برنامج  «مقاربات نقدية للتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرت النسخة العربية منه في «صفر».