عين على الصندوق
التقشف للدول الفقيرة والمرونة للدول الغنية
صندوق النقد يقيّم سياساته
يكشف تقرير حديث لمكتب التقييم المستقل كيف يتعامل الصندوق بمرونة مع ديون الدول الغنية، وبقسوة تقشفية مع الاقتصادات النامية، متجاهلاً الدورة الاقتصادية، ومخفياً آثار سياساته الحقيقية.
أصدر مكتب التقييم المستقل التابع لصندوق النقد الدولي تقريراً جديداً يقيّم التوصيات والسياسات الإرشادية التي قدّمها الصندوق في مجال السياسات المالية، أي سياسات الإنفاق العام والإيرادات، في خلال الفترة الممتدة بين عامي 2008 و2023. يتركّز هذا التقييم على الدور الرقابي للصندوق، ما يعني استبعاد السياسات التي يفرضها أو يروّج لها عبر مشروطيات الإقراض، والاكتفاء بتحليل التوصيات الواردة في التقارير العالمية، مثل تقرير الراصد المالي وآفاق الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تقارير «المادة الرابعة» التي تتناول كل دولة على حدة. وسأركّز هنا تحديداً على الخلاصات المتعلّقة بهذه التوصيات الثنائية الأخيرة.
من أبرز ما يكشفه التقرير الهوّة الواسعة بين توصيات صندوق النقد الدولي في ما يخصّ السياسات المالية للدول ذات الاقتصادات المتقدمة، وتلك التي يقدّمها لبقية الاقتصادات. للوهلة الأولى، قد يخيّل للقارئ - وهو استنتاج خاطئ - أن الصندوق يكيّف توصياته تبعاً لاختلاف الأوضاع الاقتصادية بين البلدان، بما من شأنه أن ينفي عنه التهمة المزمنة بتقديم «وصفة واحدة» لجميع الدول على الرغم من تباين ظروفها وبُناها الاقتصادية. غير أن التمعّن في نتائج التقرير يُظهر أن هذا التباين في المقاربة بين البلدان الغنية وغيرها لا يمكن تفسيره إلا بأحد ثلاثة أمور: إما التعنّت الإيديولوجي للصندوق، أو استخفافه بالاقتصادات النامية، أو إخلاله بمبدأ الإنصاف في معاملة الدول، وهو أحد المبادئ الأساسية التي يفترض أن تحكم عمله. أما التفسير الأرجح، فهو أنه يتكوّن من هذه العوامل مجتمعة.
خلص التقرير إلى أن نصائح صندوق النقد الدولي في مجال السياسات المالية «تميل إلى أن تكون معاكسة للدورة الاقتصادية في البلدان ذات الاقتصادات المتقدمة، مع تراجع واضح في قوة هذه الاستجابة لدى البلدان ذات الدخل الأدنى»، مضيفاً أن استجابة التوصيات للدورة الاقتصادية في البلدان منخفضة الدخل إما ضعيفة جداً أو منعدمة كلياً. وبعبارة أخرى، لا ترتبط التوصيات التي يقدّمها الصندوق للدول النامية بحركة الاقتصاد الدورية أو باتجاهاته، وإنما بعوامل أخرى.
ويكتسب هذا الاستنتاج أهميته إذا ما وُضع في سياق أحد الأعمدة الأساسية للسياسات الكينزية، التي لا تزال الكثير من الدول تعتمدها، والمتمثّل في السياسات المالية المعاكسة للدورة الاقتصادية. فحين يتجه الاقتصاد نحو التوسّع ويحقق نمواً ملحوظاً، تلجأ الحكومات إلى سياسات مالية انكماشية لضبط الاستهلاك وتفادي الضغوط التضخمية، كرفع الضرائب وتعزيز الجباية بما يساهم في تحصين المالية العامة. في المقابل، وعند الدخول في مرحلة ركود أو انكماش اقتصادي، تعتمد الحكومات سياسات مالية توسّعية، تزيد فيها الإنفاق العام لدعم الطلب وتحفيز النشاط الاقتصادي والخروج من الركود.
لا يقدّم الصندوق بدائل أو مسارات مختلفة لتحقيق الأهداف نفسها تتيح نقاشاً سيادياً حول الخيارات الممكنة، بل يفرض اتجاهاً واحداً بوصفه الخيار الوحيد المتاح
غير أن التقرير يبيّن أن نصائح الصندوق الموجّهة إلى الدول النامية لا تُعير هذا المنطق أي أهمية تُذكر، إذ تتركّز بصورة شبه حصرية على مؤشّر واحد هو نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وعلى ضرورة خفضها. ونتيجة ذلك، تميل السياسات المالية في البلدان النامية إلى الاستمرار في نهج تقشّفي بغضّ النظر عن موقع الاقتصاد في دورته، لتصبح السياسة المالية متمحورة أساساً حول تأمين خدمة الدين وسداده.
ووفق هذا المنطق، لا يهمّ ما إذا كان الاقتصاد راكداً أو منكمشاً. وبحسب الصندوق، تبقى الأولوية لخفض الدين العام عبر التقشّف، حتى لو أدى ذلك إلى مزيد من إضعاف الطلب والاستهلاك وتعميق الركود. في المقابل، يُظهر التقرير أن هذا التشديد لا ينطبق بالقدر نفسه على الاقتصادات المتقدمة، حيث لا يُعامَل ارتفاع الدين العام إلى الناتج المحلي باعتباره قيداً حاسماً على توجّه السياسة المالية.
ما يزيد الطين بلّة أن التقييم يقرّ صراحةً بأن تقارير «المادة الرابعة» الخاصة بالدول النامية لا توضّح حجم واتجاه التوصيات المالية، أي ما إذا كانت توسّعية أم انكماشية. ويشير التقرير إلى أنه «في الدول منخفضة الدخل، غالباً ما تضمنت نصائح موظفي الصندوق تدابير مفصّلة تتعلق بالإنفاق والإيرادات، بالتوازي مع التوصية بزيادة الإنفاق التنموي وتعزيز تعبئة الموارد الوطنية، إلا أن الأثر الصافي لهذه التوصيات على الموقف المالي كان في معظم الأحيان غير واضح». وبعبارة أخرى، تُقدَّم حزمة من النصائح من دون تحديد صريح لما إذا كان الصندوق يدعو إلى سياسة مالية توسعية أم انكماشية.
هذا الغموض في موقف الصندوق ليس عرضياً، بل يندرج ضمن مقاربة أوسع تميل بوضوح لمصلحة الاقتصادات المتقدمة. فوفق مكتب التقييم المستقل، تتلقى هذه الاقتصادات نصائح مفصّلة، ومتماسكة، وواضحة الاتجاه، في حين تُقدَّم للدول الصاعدة والنامية توصيات مجرّدة تفتقر إلى الشرح والتبرير، ولا يوضَّح فيها منطق حجم الإجراءات المالية أو اتجاهها. أي أن هذه التوصيات تُعرض على أنها تحصيل حاصل أو «حقائق تقنية» لا تحتاج إلى نقاش أو تبرير.
التمعّن في نتائج التقرير يُظهر أن هذا التباين في المقاربة بين البلدان الغنية وغيرها لا يمكن تفسيره إلا بأحد ثلاثة أمور: إما التعنّت الإيديولوجي للصندوق، أو استخفافه بالاقتصادات النامية، أو إخلاله بمبدأ الإنصاف في معاملة الدول
والأسوأ من ذلك، أن الموظفين المكلّفين بإعداد التقارير القطرية غالباً ما يُخفقون في تقييم الأثر المضاعِف للإجراءات المالية التي يوصون بها، ويميلون إلى قدر كبير من التفاؤل في تقدير آثارها. ففي النظرية الكينزية، يشير مفهوم «الأثر المضاعِف» إلى الكيفية التي يمكن فيها لزيادة (أو خفض) أولية في الإنفاق أو الاستثمار أن تؤدي إلى زيادة (أو خفض) أكبر في الدخل القومي أو الناتج المحلي الإجمالي. وبناءً على حجم هذا الأثر، قد يؤدي خفض الإنفاق إلى تراجع يفوق قيمته الاسمية. فعلى سبيل المثال، قد يؤدّي خفض الإنفاق الاستثماري الحكومي بمقدار مليار دولار إلى انكماش الناتج بنحو مليار ونصف مليار دولار.
غير أن مكتب التقييم المستقل لاحظ أن موظفي الصندوق لا يقدّرون هذا الأثر بدقة، ويميلون إلى التقليل من حجمه، ما يؤدي إلى تخفيف تقديراتهم للآثار السلبية المترتبة على خفض الإنفاق. ويُضاف إلى ذلك «غياب أو ندرة القياس الكمّي لتأثير السياسة المالية الموصى بها على الاقتصاد الكلّي في الاقتصادات الصغيرة، والأسواق الناشئة، والدول منخفضة الدخل، في حين كان هذا القياس شائعاً في الاقتصادات المتقدمة».
وعليه، لا يكتفي الصندوق بتقديم توصيات متفائلة من دون أساس تحليلي متين، بل يعمد أيضاً إلى حرمان الحكومات المعنية من تقييم واضح لتأثير هذه التوصيات على اقتصاداتها، كأنه يطالبها بثقة عمياء بجدوى سياساته. ومع ذلك، يُظهر التقييم أن الحكومات حول العالم طبّقت 61% من توصيات الصندوق جزئياً، و16% منها كلياً، في حين لم يُطبَّق سوى 23% من هذه التوصيات إطلاقاً.
في معظم البلدان التي شملها التقييم، غابت عن تقارير «المادة الرابعة» أي تفصيلات جدّية لمكوّنات الحِزَم المالية المقترحة، التي غالباً ما جاءت عامة ومجرّدة، من دون شرح المنطق الذي يقف خلف اختيار حزمة إجراءات مالية بعينها، بدلاً من بدائل أخرى كان من الممكن أن تكون أكثر فاعلية أو واقعية. ونادراً ما يقترح الصندوق، في توصياته، سيناريوهات متعددة أو حِزَماً بديلة تقود إلى النتائج نفسها، بما يتيح للحكومات اختيار المسار الأنسب في ضوء واقعها الاقتصادي–السياسي والقيود التي تواجهها.
ويلفت التقرير في هذا السياق إلى أن التنقّل الدوري لموظفي الصندوق بين البلدان يحدّ من قدرتهم على بناء فهم معمّق للسياقات الوطنية، وهو ما يتعارض جوهرياً مع الهدف المعلن للصندوق بتقديم توصيات «مفصّلة ومصمّمة على قياس» البلدان التي يتعامل معها.
ويشير التقييم كذلك إلى تزايد تناول الآثار التوزيعية للسياسات المالية في التقارير القطرية للصندوق، لكن بشكل غير متكافئ، إذ يظهر هذا النقاش بصورة أوضح في تقارير الاقتصادات المتقدمة. وحتى حين يُدرج هذا البعد في تقارير الدول النامية، غالباً ما يقتصر التحليل على الشريحة الأفقر من المجتمع، من دون الالتفات إلى الطبقات الوسطى، التي تُعدّ لاعباً محورياً في تحديد قابلية تنفيذ الإصلاحات من منظور الاقتصاد السياسي.
لا يكتفي الصندوق بتقديم توصيات متفائلة من دون أساس تحليلي متين، بل يعمد أيضاً إلى حرمان الحكومات المعنية من تقييم واضح لتأثير هذه التوصيات على اقتصاداتها، كأنه يطالبها بثقة عمياء بجدوى سياساته
وإضافة إلى ذلك، ينتقد التقييم لجوء الصندوق إلى التوصية باستثمارات عامة لدعم النمو، من دون تقديم تقديرات كمّية لأثر هذه الاستثمارات، أو مناقشة ما إذا كانت قادرة على تمويل نفسها على المدى المتوسط والطويل، أم أنها ستؤدي إلى تفاقم أعباء الدين العام. ويُفاقم هذا الخلل غياب أي نقاش جدي حول كيفية تنفيذ هذه الاستثمارات في الوقت نفسه الذي يوصي فيه الصندوق بضبط المالية العامة وخفض الإنفاق. وبذلك، يقدّم الصندوق توصيات قصيرة وطويلة الأمد من دون معالجة التوتر أو التناقض القائم بينها.
ما يكشفه تقرير مكتب التقييم المستقل هو جملة من الإشكاليات البنيوية التي تدين منهجية الصندوق في تقديم توصيات السياسات المالية، ولا سيما في البلدان النامية. في مقدّمة هذه الإشكاليات افتقار التقارير إلى نقاشات معمّقة تستند إلى بيانات واضحة وتقديرات دقيقة لآثار السياسات المقترحة، ليس فقط على اللامساواة، بل على الاقتصاد الكلّي ككل، حتى عند عزل الأبعاد الاجتماعية.
وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الجهات الداعمة لتوجّه الصندوق تستند إلى توصياته للدفع نحو سياسات بعينها، وتقدّمها باعتبارها بوابة «الإصلاح»، كما هو الحال في لبنان وعدد من البلدان العربية، وكأن آراء موظفي الصندوق تشكّل حكماً فاصلاً بين السياسات الاقتصادية السليمة وتلك المضرّة. غير أن الواقع يُظهر أن الافتراضات التي تُبنى عليها هذه التوصيات تكون، في كثير من الأحيان، شديدة التفاؤل، ما يسهّل تسويقها سياسياً أمام الحكومات والمجتمعات.
وفي حالات أخرى، لا يقدّم الصندوق بدائل أو مسارات مختلفة لتحقيق الأهداف نفسها تتيح نقاشاً سيادياً حول الخيارات الممكنة، بل يفرض اتجاهاً واحداً بوصفه الخيار الوحيد المتاح، هذا فضلاً عن الغموض الذي يكتنف توصياته في ما يخصّ اتجاه السياسة المالية، كما أشار التقييم بوضوح. وعلى الرغم من ذلك، تُبدي الحكومات حرصاً كبيراً على تطبيق معظم هذه التوصيات، حتى في ظل غياب وضوح بشأن آثارها المتوقعة.
إن مجمل هذه المعطيات تؤكّد، مرة أخرى، أن توصيات الصندوق لا تعكس بالضرورة عمقاً تقنياً أو «حقيقة اقتصادية» موضوعية، بل تنبع في كثير من الأحيان من قناعات أيديولوجية مسبقة، أو - وهو الأسوأ - من استخفاف منهجي بواقع الاقتصادات النامية وتعقيداتها.