ما هي استراتيجية هيئة تحرير الشام لترسيخ سلطتها على سوريا؟
أثار سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأوّل/ديسمبر 2024، ومسار رفع العقوبات الأميركية اللاحق توقّعات إيجابية لمستقبل سوريا. غير أنّه، بعد قرابة عام، بدأت صعوبات متزايدة تطفو إلى السطح أو تتكرّس بشكل أوضح. تشمل هذه الصعوبات التفكّك الإقليمي والتجزئة السياسية، والنفوذ الخارجي والاحتلالات الأجنبية، والتوترات الطائفية، ولا سيما بعد مجازر آذار/مارس بحقّ العلويين في المناطق الساحلية، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 1,000 شخص، إضافة إلى هجمات ضدّ الدروز في نيسان/أبريل وأيار/مايو وتموز/يوليو، وتفجير انتحاري استهدف كنيسة في دمشق في حزيران/يونيو. وفي منتصف تموز/يوليو، زادت الأحداث الدراماتيكية في السويداء الوضع سوءاً، مع انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان ارتكبتها خصوصاً مجموعات مسلّحة مرتبطة بالسلطات المركزية في دمشق ومساندة لها.
منذ سقوط نظام الأسد، شهدت مناطق شمال وشمال شرق سوريا اشتباكات متكررة بين قوات سوريا الديمقراطية، التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب الكردية، والسلطات الحاكمة الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام، وذلك على الرغم من الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في آذار/مارس 2025 بين دمشق والإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، والذي نصّ على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية ذات القيادة الكردية ضمن مؤسسات الدولة الوطنية. إلا أنّ مطلع عام 2026 شهد تجدّداً للاشتباكات بين الجانبين. فقد شنّت القوات المسلحة الحكومية هجوماً للسيطرة على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، وهما من الأحياء ذات الغالبية الكردية، ما أدى إلى نزوح قسري لعشرات الآلاف من المدنيين. ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ واصلت القوات الحكومية عملياتها العسكرية، وسيطرت على أجزاء واسعة من محافظتَي دير الزور والرقة عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية منها.
عملت السلطات الحاكمة بقيادة الهيئة على تطوير إستراتيجية تقوم على ثلاثة عوامل رئيسة: تحالفات دولية جديدة، والهيمنة على مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وتوظيف الطائفية كأداة
وعقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في 20 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة الانتقالية السورية وقوات سوريا الديمقراطية، أُعلن في 30 كانون الثاني/يناير عن اتفاق جديد ينص على تثبيت وقف إطلاق النار والبدء بعملية دمج تدريجي لقوات سوريا الديمقراطية، عسكرياً وإدارياً، ضمن مؤسسات الدولة. ويتضمن الاتفاق سحب القوات العسكرية من نقاط التماس، ونشر قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية في مدينتي الحسكة والقامشلي، في خطوة تُعدّ بداية لدمج المنظومة الأمنية في المنطقة. كما ينص على تشكيل فرقة عسكرية مؤلفة من ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى لواء من قوات كوباني (عين العرب) يُلحق بإحدى الفرق العسكرية في محافظة حلب. ومن المقرر تنفيذ الدمج العسكري والأمني على أساس كل حالة على حدة داخل كل لواء، مع فرض سيطرة الدولة الكاملة على جميع المؤسسات المدنية ومؤسسات الحكومة الانتقالية. ومع ذلك، لا تزال الكثير من القضايا العالقة والمتعلقة بآليات التنفيذ الفعلي.
يجري كل ذلك في ظلّ غياب مستمر لمرحلة انتقالية شاملة سياسياً وديمقراطية. تؤثر هذه التحديات سلباً في إمكانات التعافي الاقتصادي وفي مسار إعادة الإعمار في المستقبل، فيما الحاجة إليهما ملحّة. يأتي هذا من دون إغفال أن أكثر من نصف السوريين ما زالوا نازحين، داخل البلاد أو خارجها. وفق الأمم المتحدة، تجاوزت نسبة السوريين تحت خط الفقر الـ90%، بينما بلغ عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية 16.5 مليوناً، أي 3 من كل 4 أشخاص، في العام 2025.
في هذا الوضع الصعب، بدت النخبة الجديدة الحاكمة بقيادة هيئة تحرير الشام أكثر اهتماماً بـترسيخ سلطتها على البلاد من العمل على تحقيق انتقال سياسي يعزّز مشاركة أوسع وأشمل من جانب المجتمع السوري. لتحقيق ذلك، عملت السلطات الحاكمة بقيادة الهيئة على تطوير إستراتيجية تقوم على ثلاثة عوامل رئيسة: تحالفات دولية جديدة، والهيمنة على مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وتوظيف الطائفية كأداة.
تسعى هذه المقالة إلى تحليل الكيفية التي تُسهم بها سياسات هيئة تحرير الشام في تعزيز سيطرتها وهيمنتها على السكان، بما يناقض على نحوٍ كامل المطالب الأولى للانتفاضة السورية في آذار/مارس 2011، ويجعلها تمارس دور فاعلٍ مضادّ للثورة. كما تُظهر الممارسات المضادّة للثورة لدى السلطات بقيادة الهيئة أن مساراً ثورياً لا يواجه تهديداً واحداً محصوراً بـ«النظام القديم» أو بالعناصر المتصلة به؛ إذ قد تنشأ أقطاب مضادّة للثورة من خارج هذا المدار أيضاً، بما يهدّد مصالح الطبقات الشعبية.
ترسيخ سوريا داخل تحالف دولي جديد
تُرسّخ السلطات الجديدة الحاكمة بقيادة هيئة تحرير الشام في دمشق تموضعها داخل تحالف تقوده الولايات المتحدة، ويضمّ دولاً إقليمية مثل تركيا وقطر والسعودية. وبينما خرجت أنقرة والدوحة أكبر الرابحين من سقوط نظام الأسد، وحافظتا على علاقات مع هيئة تحرير الشام لسنوات، حرصت السلطات السورية الحاكمة على تنويع علاقاتها مع دول إقليمية أخرى، ولا سيما المملكة العربية السعودية. صرّح الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع في أواخر كانون الأوّل/ديسمبر 2024 بأن «تحرير سوريا يضمن أمن المنطقة والخليج وسوريا لـ50 سنة مقبلة»، فيما جاءت أولى زياراته الخارجية إلى السعودية في شباط/فبراير 2025، حيث التقى ولي العهد محمد بن سلمان. تبرز الرياض بالفعل بوصفها الفاعل الأساس القادر على تسريع الاعتراف والقبول إقليمياً ودولياً. وفي المملكة السعودية، أعلن الرئيس دونالد ترامب في منتصف أيار/مايو 2025 رفع العقوبات الأميركية، ثم التقى الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع في الرياض، في اجتماع استضافه محمد بن سلمان.
تبع اعتراف القوى الدولية والإقليمية بالسلطات السورية الحاكمة الجديدة سلسلةُ أحداث رمزية أخرى في الأشهر اللاحقة، من بينها مشاركة دمشق في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول/سبتمبر 2025. كذلك أصبح الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أول قائد سوري يشارك في اجتماع رفيع المستوى للأمم المتحدة منذ قرابة 60 عاماً، وألقى خطاباً أمام الجمعية العامة. كانت آخر مرة شارك فيها رئيس سوري في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1967، قبل حكم سلالة الأسد الممتدّ 50 عاماً. وإضافة إلى ذلك، استُقبل الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في البيت الأبيض من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سابقة لرئيس سوري. وأشاد ترامب بالشرع بوصفه قائداً قوياً، وأبدى ثقة به، مع تعهّد ببذل كل ما يستطيع لإنجاح سوريا. وقبل الزيارة، أزالت واشنطن اسم الزعيم السوري من قائمتها للإرهاب، خصوصاً بعد طلبات من تركيا وإسرائيل. وقبل ذلك أيضاً، رفع مجلس الأمن في الأمم المتحدة العقوبات عن الشرع ووزير داخليته أنس خطاب، بإيعاز من الولايات المتحدة. في نهاية كانون الأوّل/ديسمبر 2025، رفعت الولايات المتحدة بشكل نهائي العقوبات المفروضة على سوريا، مع إلغاء قانون يُعرف باسم «قيصر».
أتاحت هذه السياسة بدء مسار رفع العقوبات عن سوريا، وفتحت الطريق أمام تخفيف القيود على التبادلات المالية وإعادة إدماج الاقتصاد السوري في السوق المالية العالمية، بما يسهّل ديناميات التجارة ويهيّئ شروط جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وأعمال الاغتراب السوري، وهي جميعاً أهداف أساسية لدى السلطات الحاكمة الجديدة. في هذا السياق، حاولت دمشق التواصل مع شركات إقليمية ودولية واستقطابها للاستثمار في البلاد، ولا سيما من أجل تحديث البنى التحتية وتوليد إيرادات. وبعد الإعلان عن بدء مسار رفع العقوبات، كثّفت الحكومة السورية توقيع مذكرات تفاهم مع شركات إقليمية ودولية. وبلغ إجمالي مبلغ الاستثمارات الأجنبية المتعهد بها في سوريا لعام 2025 حوالي 56 مليار دولار.
تأتي هذه الوجهة الجيوسياسية وهذا التحالف أيضاً بهدف استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر من الدول الغربية، وكذلك من حلفائها الإقليميين، أي الملكيات الخليجية وتركيا، ضمن سياق تعميق التوجه النيوليبرالي لدى السلطات السورية الحاكمة الجديدة.
تبدو الوجهة السياسية–الاقتصادية لدى السلطات الحاكمة الجديدة، على نحو متزايد، منحازة إلى نموذج اقتصادي تجاري يقوم على استثمارات تسعى إلى أرباح قصيرة الأجل، على حساب القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد
تبدو الوجهة السياسية–الاقتصادية لدى السلطات الحاكمة الجديدة، على نحو متزايد، منحازة إلى نموذج اقتصادي تجاري يقوم على استثمارات تسعى إلى أرباح قصيرة الأجل، على حساب القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد. وينعكس ذلك إلى حدّ كبير في طبيعة الاستثمارات الموعودة لسوريا، وفي تركيز سلطات دمشق الحاكمة على استقطاب الاستثمارات في قطاعات مثل السياحة والعقارات والخدمات المالية، التي غالباً ما تُدرّ عائداً ربحياً سريعاً، بدل محاولة تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الإنتاجية مثل التصنيع والقطاعين الصناعي والزراعي.
يشمل هذا المسار أيضاً شكلاً من التطبيع مع إسرائيل، مباشراً كان أم غير مباشر. وقد كرّر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في مناسبات عديدة أنّ حكمه لا يشكّل تهديداً لإسرائيل. وفي هذا السياق، قال إن سوريا يمكنها أن تؤدي دوراً كبيراً في الأمن الإقليمي، مضيفاً أنّ سوريا تشترك مع إسرائيل في أعداء مشترَكين (إيران وحزب الله). ولافتٌ أن دمشق لم تُدن الضربات الإسرائيلية الواسعة ضد إيران، إذ ترى السلطات أنّ أي إضعاف للجمهورية الإسلامية (ولحزب الله في لبنان) أمر إيجابي. لا يرتبط هذا الموقف فقط بالدور العنيف الذي أدّته إيران في دعم الأسد في خلال الانتفاضة السورية، بل يعكس أيضاً التوجّه السياسي للنخبة الحاكمة الجديدة المنسجم مع سياسات الولايات المتحدة. ولهذا السبب أيضاً شدّدت السلطات الحاكمة السيطرة على الحدود السورية–اللبنانية، حيث صودرت أسلحة وأموال نقدية كانت متجهة إلى حزب الله في مناسبات مختلفة منذ بداية العام. ولا شكّ في أن سقوط نظام الأسد في كانون الأوّل/ديسمبر 2024 أحدث أثراً إقليمياً كبيراً في ميزان القوى الجيوسياسي على حساب الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشبكات نفوذها، بما فيها حزب الله في لبنان.
فيما تصاعدت التوترات بين دمشق وتل أبيب في منتصف تموز/يوليو 2025، عقب المجازر التي ارتكبتها ميليشيات مسلّحة مرتبطة بسلطات دمشق أو داعمة لها في محافظة السويداء وما تلاها من غارات جوية إسرائيلية على سوريا، لم تتوقف المحادثات والاجتماعات بين مسؤولي البلدين. بل إن مفاوضات كانت جارية بين الطرفين عبر وساطة أميركية لإبرام اتفاق ذي طابع أمني يهدف إلى استقرار الحدود. كذلك قال الشرع مرة أخرى في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر إن سوريا منخرطة في مفاوضات مستمرة ومباشرة مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق نهائي.
علاوة على ذلك، تتضمّن الخطط الرامية إلى تعزيز السيطرة الأميركية على سوريا والمنطقة (وكذلك حماية حليفها إسرائيل) مشروع إنشاء قاعدة جوية أميركية في دمشق. يهدف هذا المشروع إلى دعم اتفاق أمني يعمل مسؤولون أميركيون على التفاوض بشأنه بوصفهم وسطاء بين سوريا وإسرائيل. وتُقام القاعدة العسكرية في موقع استراتيجي عند بوابة جنوب سوريا، بما يتيح مراقبة هذه المناطق، وضمان أمن إسرائيل، من بين أمور أخرى.
لكن محاولات الرئيس الشرع إحياء اتفاقية فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل عام 1974، قبل المضيّ أعمق في التطبيع السياسي، تتعثر بفعل عاملين: رفض تل أبيب الانسحاب من الأراضي السورية الجديدة التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد، ورفض دمشق الامتثال للمطلب الإسرائيلي القاضي بنزع السلاح من المحافظات الجنوبية الثلاث في البلاد.
عُقدت جولة جديدة من المحادثات برعاية الولايات المتحدة في باريس خلال كانون الثاني/يناير 2026، واستمرت على مدى يومين. وفي ختام هذه الجولة، أصدرت الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا بياناً مشتركاً أكدت فيه التزام كلٍّ من دمشق وتل أبيب بإبرام اتفاقيات أمنية دائمة. كما نصّ البيان على إنشاء «آلية مشتركة – خلية اتصالات خاصة –» تهدف إلى تسهيل التنسيق الفوري والمستمر بين الأطراف، في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، وتعزيز الحوار الدبلوماسي، إضافة إلى استكشاف الفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة.
الهيمنة على مؤسسات الدولة والمجتمع والاقتصاد
على قاعدة الشرعنة المتواصلة لحكمها من جانب قوى إقليمية ودولية، مضت سلطات الحكم الجديدة التابعة لهيئة تحرير الشام في تدابير تهدف إلى ترسيخ سيطرتها على الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين. تُحكم هيئة تحرير الشام قبضتها على مواقع أساسية داخل مؤسسات الدولة، وفي الجيش والأجهزة الأمنية. وبالمثل، تتولاها شخصيات قريبة من الشرع في مواقع مفصلية داخل الحكومة الانتقالية. على سبيل المثال، احتفظ أسعد الشيباني وأبو قصرة بمنصبيهما وزيراً للخارجية ووزيراً للدفاع على التوالي، فيما عُيّن أنس خطاب وزيراً للداخلية في حكومة الانتقال السورية التي تأسست في أواخر آذار/مارس لتحل محل حكومة تصريف الأعمال السابقة.
شغل هؤلاء جميعاً مناصب رئيسة في هيكل سلطة هيئة تحرير الشام في إدلب قبل الإطاحة بالنظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024. وقد اتسم حكم هيئة تحرير الشام في إدلب منذ عام 2017 بتركيزٍ شديد للسلطة على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، إلى جانب انتهاج سياسات جمعت بين استمالة الخصوم وقمعهم.
إلى جانب ذلك، أنشأت السلطات الحاكمة الجديدة مؤسسات موازية لمزيد من ترسيخ السلطة، مثل مجلس الأمن القومي في سوريا، الذي يترأسه الشرع ويضمّ مقرّبيه (وزير الخارجية، ووزير الدفاع، ووزير الداخلية، ومدير الاستخبارات العامة). وعلى نحو مماثل، أنشأت وزارة الخارجية في أواخر آذار/مارس 2025 الأمانة العامة للشؤون السياسية للإشراف على الأنشطة السياسية الداخلية، وصوغ السياسات العامة المتصلة بالشأن السياسي، وإدارة أصول حزب البعث المنحلّ. كذلك، في منتصف نيسان/أبريل، جرى تعيين ماهر الشرع، شقيق أحمد الشرع، أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية، وهو منصب يتضمن إدارة الإدارة الرئاسية والعمل بوصفه حلقة وصل بين الرئاسة وهيئات الدولة.
انعكس غياب مسار ديمقراطي جامع داخل السلطة الحاكمة الجديدة في سلسلة مبادرات ومؤتمرات ولجان قُدِّمت بوصفها تشاركية ومكلّفة برسم الخطوات التالية لمستقبل البلاد. ومن أبرزها مؤتمر الحوار الوطني السوري في 25 شباط/فبراير، الذي واجه انتقادات واسعة بسبب ضعف التحضير، وضيق التمثيل، وافتقار جلساته إلى الجدية، في ظل الوقت المحدود المخصّص للنقاش. وطالت الانتقادات أيضاً الدستور المؤقت الذي وقّعه الرئيس السوري الانتقالي، سواء لغياب الشفافية في معايير اختيار لجنة الصياغة أو لمضمون النص نفسه. وإذ يعلن الدستور المؤقت، شكلياً، فصل السلطات، فإن هذا الإعلان يصطدم باتساع الصلاحيات الممنوحة للرئاسة. جاء المثال الأحدث في ما سُمّي انتخابات مجلس الشعب في تشرين الأوّل/أكتوبر، التي أثارت انتقادات واسعة. إذ افتقرت المنهجية والمسار المعتمدان لاختيار أعضاء البرلمان المقبل إلى الشفافية والشمول، وتحولا إلى أداة لترجيح كفة فاعلين مقرّبين من النظام الجديد الحاكم. كذلك عيّن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ثلث أعضاء البرلمان، فيما اختارت لجان فرعية إقليمية الثلثين المتبقيين، وهي لجان تعيّنها بدورها اللجنة العليا لانتخاب مجلس الشعب، التي اختير أعضاؤها من قبل الرئاسة. ويأتي ذلك من دون إغفال أن 21 مقعداً ما زال شاغراً حالياً في محافظات الحسكة والرقة في الشمال الشرقي ذي الغالبية الكردية، والسويداء في الجنوب ذي الغالبية الدرزية، وهي مناطق ما زالت خارج سيطرة الدولة في خلال الانتخابات. وقال متحدّث باسم لجنة الانتخابات إن المقاعد ستبقى شاغرة إلى حين توافر الشروط السياسية والأمنية المناسبة. وعلى نحو أعمّ، توسّعت شبكات غير رسمية تضمّ ما يُسمّى «مشايخ إداريين» ولجاناً سرّية أخرى داخل الوزارات ومؤسسات الدولة لإدارة قطاعات أساسية، من الأمن والمالية إلى السياسة الخارجية والإدارة الداخلية، مع قيود بيروقراطية معدومة أو محدودة. وفي هذه الظروف، كثيراً ما تُهمَل القنوات الرسمية لمؤسسات الدولة، وتُمارَس السلطة الفعلية عبر شبكة صغيرة غير رسمية من أفراد يعملون بقدر كبير من الاستقلالية والسرية.
خارج مؤسسات الدولة، حاولت السلطات الحاكمة بقيادة هيئة تحرير الشام أيضاً توسيع نطاق هيمنتها على فاعلين سياسيين واجتماعيين آخرين. فعلى سبيل المثال، أعادت هيكلة غرف التجارة والصناعة في البلاد عبر استبدال غالبية الأعضاء بآخرين تم تعيينهم، وخفّضت عدد أعضاء مجالس الإدارة في الغرف الرئيسة، بما فيها دمشق وريف دمشق وحلب وحمص. ويُعرَف عدد من أعضاء مجالس الإدارة الجدد بقربهم من هيئة تحرير الشام، مثل الرئيس الجديد لاتحاد غرف التجارة السورية علاء العلي، الرئيس السابق لغرفة تجارة وصناعة إدلب المرتبطة بـهيئة تحرير الشام. إضافة إلى ذلك، أدخلت السلطات شخصيات جديدة مرتبطة بها لتتولى رئاسة النقابات العمالية والنقابات المهنية، من دون إجراء انتخابات لاختيار قياداتها الجديدة. وتشكل هذه الممارسات، القائمة على التعيين بدل تعزيز الانتخابات الداخلية، امتداداً مباشراً لنهج نظام الأسد السابق.
يتولّى حازم الشرع إعادة تشكيل الاقتصاد السوري عبر استحواذات سرّية على شركات يملكها رجال أعمال مرتبطون بـنظام الأسد السابق
إضافة إلى ذلك، برز شقيق الرئيس السوري الذي نصّب نفسه، حازم الشرع، على نحو متزايد بوصفه شخصية مؤثرة في الشؤون الاقتصادية وفي إدارة نخب الأعمال. وقد رافق، على وجه الخصوص، أحمد الشرع في أولى زياراته الخارجية إلى السعودية وتركيا، وعيّن رسمياً نائباً لرئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية في سوريا. وكشف تحقيق حديث لرويترز أن حازم الشرع، إلى جانب أفراد آخرين يشكّلون لجنة، يتولّى إعادة تشكيل الاقتصاد السوري عبر استحواذات سرّية على شركات يملكها رجال أعمال مرتبطون بـنظام الأسد السابق. ووفقاً لهذا التحقيق، وضعت هذه اللجنة يدها على أصول تتجاوز قيمتها 1.6 مليار دولار، كانت تعود إلى رجال أعمال وشركات ارتبطت سابقاً بالنظام. كذلك تتمثل المهمة المحورية لحازم الشرع في إدارة العلاقات مع رجال الأعمال المحليين واستقطاب آخرين يقيمون خارج البلاد، إلى جانب إدارة الاستثمارات وصناديق التنمية التي أنشأها شقيقه، الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. وفي الوقت نفسه، نجحت بعض الشخصيات البارزة القريبة من قصر الأسد السابق، مثل محمد حمشو—حليف ماهر الأسد تاريخياً—وسليم دعبول، الذي يملك أكثر من 25 شركة وهو ابن السكرتير المخضرم للحاكم السابق حافظ الأسد، في التفاوض على تسويات مع السلطات الحاكمة. وظهر ذلك خصوصاً مع حضور أبناء محمد حمشو في إطلاق صندوق تنمية سوريا في دمشق في 4 أيلول/سبتمبر، حيث قدّموا تبرعاً بقيمة مليون دولار.
الشخصية المحورية الأخرى في إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي السوري هو محمد عمر قديد، الذي يشغل حالياً منصب مدير الهيئة المركزية للرقابة المالية، على الرغم من عدم صدور أي إعلان رسمي مسبق. وقد كان السيد قديد، المعروف سابقاً باسم عبد الرحمن زربة، شخصية مؤثرة داخل هيئة تحرير الشام لسنوات عديدة، وسيطر على جزء كبير من اقتصاد إدلب خلال فترة حكم الهيئة للمنطقة. وكان يُعتبر آنذاك الممثل الاقتصادي لأحمد الشرع. وهو متورط الآن أيضاً في قضايا أخرى منحته فيها السلطات الجديدة عقوداً حكومية، بهدف واضح هو تركيز الثروة والنفوذ في أيدي أفراد مرتبطين بهيئة تحرير الشام. وتتعلق القضية الأهم بشركة طيبة للبترول، المملوكة للسيد قديد، والتي تدرس تولي إدارة جميع محطات الوقود التابعة لشركة محروقات، وهي شركة حكومية مسؤولة عن نقل وتخزين وتوزيع المنتجات البترولية المحلية والمستوردة.
وبالمثل، أنشأت السلطات الجديدة الحاكمة مؤسسات اقتصادية تركز السلطة داخل الرئاسة وتضيّق هامش الرقابة المستقلة، بما في ذلك المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية وصندوق الثروة السيادي وصندوق التنمية. وفي كل حالة، تتركز صلاحيات ومسؤوليات واسعة داخل الرئاسة، مع آليات محدودة للرقابة أو المساءلة—ولا سيما أن البرلمان لم يُنشأ بعد. وبالمثل، باتت لجنة الإمداد والتوريد، التي أُنشئت تحت إشراف الأمين العام لرئاسة الجمهورية الخاضع لسيطرة شقيق الرئيس، تشرف الآن على جميع عمليات المشتريات الداخلية والخارجية لمؤسسات الدولة—بما يتيح لها، على الأرجح، ممارسة سيطرة على عقود تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. وعلى نحو مشابه، أدى إنشاء الشركة السورية للبترول في تشرين الأوّل/أكتوبر 2025، التي دمجت جميع مؤسسات النفط المملوكة للدولة في كيان واحد، إلى توسيع التحكم الرئاسي أكثر، بما يشمل التعاقد والاستخراج والتكرير والتوزيع عبر قطاع النفط والغاز.
في سياق متابعة هذا التوجه، أُنشئت في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير بهدف الإشراف على الصادرات والواردات. وتخضع هذه اللجنة أيضاً لسلطة الأمين العام لرئاسة الجمهورية، ويرأسها رئيس الهيئة العامة للمرافئ والجمارك، وتضمّ في عضويتها 5 نوّاب وزراء ومدير الجمارك. وقد عبّر بعض التجّار عن مخاوف من أن تمنح هذه اللجنة أفضلية لتجّار مقرّبين من السلطات الحاكمة الجديدة.
إن خطر احتكار هيئة تحرير الشام وحلفائها للسيطرة على مؤسسات الدولة وتوسيع نفوذهم داخل المجتمع قد يطلق دورات إضافية من العنف والتوترات الطائفية، فيما يفضي إلى انتقال وإعادة إعمار تقودهما النخب، بما يعيد إنتاج اللامساواة الاجتماعية والإفقار وتركّز الثروة في أيدي أقلية، مع استمرار غياب تنمية إنتاجية.
على نحو أعمّ، اتخذت السلطات الحاكمة إجراءات لتعزيز سيطرتها على المجتمع، بما في ذلك السعي إلى تقليص الحقوق الديمقراطية. ولم تتردد السلطات المحلية في خلال الأشهر الماضية في فرض أشكال من القيود على تنظيم المؤتمرات السياسية.
ومع أن هذه الإجراءات اتخذت في البداية طابعاً غير رسمي في الغالب، فإنها اكتسبت في الآونة الأخيرة ديناميات أكثر رسمية. فقد أصدرت وزارة السياحة السورية مثلاً في تشرين الثاني/نوفمبر تعميماً يطلب من المنشآت السياحية الامتناع عن استضافة أي فعاليات أو مؤتمرات ذات طابع سياسي من دون الحصول على موافقة مسبقة من الأمانة العامة للشؤون السياسية، وهي جهة أُنشئت بقرار من وزارة الخارجية عقب سقوط نظام الأسد السابق. يأتي هذا الإجراء ضمن سياق توسيع صلاحيات الأمانة العامة للشؤون السياسية لتشمل مراقبة الأنشطة السياسية.
الطائفية، أداة للهيمنة والسيطرة على المجتمع
أخيراً، ومن أجل ترسيخ سلطتها داخل المجتمع، تستخدم هيئة تحرير الشام الطائفية بوصفها أداة هيمنة وسيطرة على السكان. وبينما كان العنف الطائفي الذي انفجر في آذار/مارس ضدّ مدنيين علويين قد بدأ، وفق النص، بفعل بقايا نظام الأسد الذين نظموا هجمات منسّقة ضدّ عناصر من الأجهزة الأمنية ومدنيين، فإن ردّ الفعل اللاحق شمل جميع العلويين، وفق منطق الكراهية الطائفية والانتقام. وفي نيسان/أبريل وأيار/مايو، شنّت مجموعات مسلّحة مرتبطة بالسلطات أو داعمة لها هجمات ضدّ السكان الدروز، قبل المجازر التي ارتُكبت في السويداء في منتصف تموز/يوليو.
تقع مسؤولية مجازر آذار/مارس وتموز/يوليو، وعمليات القتل والخطف المستمرة بحق مدنيين علويين في المناطق الساحلية، والحصار المتواصل لمحافظة السويداء، على عاتق السلطات السورية الجديدة في الأساس. فقد أخفقت في منعها، بل إن بعض الميليشيات كان متورطاً مباشرة في الهجمات، وكانت القيادات العليا في الدولة على علم بالمجازر وقدّمت موافقتها عليها، وفق ما أفادت به رويترز وهيومن رايتس ووتش. إضافة إلى ذلك، أنتجت السلطات الحاكمة بقيادة هيئة تحرير الشام الشروط السياسية التي جعلت هذه الوقائع ممكنة.
في الواقع، شهدت انتهاكات حقوق الإنسان بحق أفراد وجماعات علوية ارتفاعاً في الأشهر الماضية، بما في ذلك حالات خطف (خصوصاً النساء) وعمليات اغتيال، وقد بدا أن بعض هذه الوقائع—مثل مجزرة فاحل في أواخر كانون الأوّل/ديسمبر 2024 ومجزرة أرزة في مطلع شباط/فبراير 2025—شكّل نوعاً من البروفات قبل مجازر الساحل. ثم وقعت هجمات طائفية ضد الدروز في دمشق وفي الجنوب في السويداء قبل مجازر منتصف تموز/يوليو. وفي المقابل، وصفت السلطات الحاكمة هذه الأفعال بصورة متواصلة بأنها حوادث معزولة، من دون اتخاذ إجراءات جدية بحق أبرز المرتكبين، على الرغم من تشكيل لجان تحقيق للنظر في الجرائم المرتكبة في المناطق الساحلية والسويداء، وبدء محاكمة أولى في حلب في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، لاحقت فيها السلطات كلاً من موالين للنظام القديم وأفراداً من قوى الأمن الجديدة على خلفية انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في آذار/مارس 2025 في المناطق الساحلية.
شكل الطائفية أداة لتثبيت السلطة وتقسيم المجتمع، فهي تصرف الطبقات الشعبية عن القضايا الاجتماعية–الاقتصادية والسياسية عبر تحميل المسؤولية لجماعة بعينها بوصفها أصل مشكلات البلاد
إضافة إلى ذلك، قدّمت هيئة تحرير الشام ومسؤولون سوريون مراراً تصويراً مضلّلاً للجماعة العلوية بوصفها أداةً استخدمها النظام السابق ضد الشعب السوري. فعلى سبيل المثال، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في كلمته في الدورة التاسعة من مؤتمر المانحين بشأن سوريا في بروكسل: «54 عاماً من حكم الأقلية أدّت إلى تهجير 15 مليون سوري...»، وهو تصريح يلمّح ضمنياً إلى أن العلويين كجماعة حكموا البلاد لعقود، بدل الإشارة إلى ديكتاتورية تسيطر عليها عائلة الأسد. ومع أنه لا خلاف على أن شخصيات علوية شغلت مواقع أساسية في النظام السابق، ولا سيما داخل الجهازين العسكري والأمني، فإن اختزال طبيعة الدولة ومؤسساتها المهيمنة إلى هوية علوية، أو تصوير النظام بوصفه منحازاً إلى الأقليات الدينية فيما يميّز بصورة منهجية ضد الأغلبية العربية السنية، أمر مضلّل وبعيد عن الواقع.
أخفقت السلطات أيضاً في إنشاء آلية تعزّز مساراً شاملاً للعدالة الانتقالية يهدف إلى معاقبة جميع الأفراد والمجموعات المتورطة في جرائم حرب خلال النزاع السوري. وكان يمكن لمثل هذه الآلية أن تؤدي دوراً حاسماً في الحدّ من أعمال الانتقام وكبح تصاعد التوترات الطائفية.
إضافة إلى ذلك، يمكن للعدالة الانتقالية أن تتضمن أيضاً بعداً اجتماعياً عبر إدماج جهود استرداد أصول الدولة ومساءلة المسؤولين عن جرائم مالية جسيمة، مثل خصخصة أصول الدولة والملك العام، أو توزيع الأراضي العامة على رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، على حساب الطبقة الشعبية والدولة العامة.
وعلى نحو أعمّ، ثمة ثلاثة أهداف رئيسة في هذه التوترات الطائفية والهجمات. أولاً، توظيف التوترات الطائفية وسردية المظلومية السنّية في محاولة لبناء قبول شعبي وتوحيد شرائح واسعة من المجتمع العربي السني حولهم، على الرغم من تعدد الاختلافات السياسية والاجتماعية داخل هذا المجتمع.
في جوهرها، تشكل الطائفية أداة لتثبيت السلطة وتقسيم المجتمع. فهي تصرف الطبقات الشعبية عن القضايا الاجتماعية–الاقتصادية والسياسية عبر تحميل المسؤولية لجماعة بعينها—تُعرَّف وفق الطائفة أو الإثنية—بوصفها أصل مشكلات البلاد وتهديداً أمنياً، بما يبرر سياسات قمعية وتمييزية بحقها. إضافة إلى ذلك، تعمل الطائفية كآلية قوية للضبط الاجتماعي، إذ تعيد تشكيل مسار الصراع الطبقي عبر إنتاج علاقات اعتمادية بين الطبقات الشعبية وقياداتها النخبوية. نتيجة لذلك، تُجرَّد الطبقات الشعبية من الفاعلية السياسية المستقلة، وتغدو مُعرَّفة—وتنخرط سياسياً—من خلال هويتها الطائفية. وفي هذا المجال أيضاً، تسير السلطة الحاكمة الجديدة على خطى نظام الأسد السابق، عبر مواصلة استخدام سياسات وممارسات طائفية كوسيلة للحكم والتحكم وتقسيم المجتمع.
ثانياً، تسعى هذه الهجمات الطائفية والتوترات إلى كسر أي حيّز ديمقراطي أو ديناميات من الأسفل. فمنذ مجازر آذار/مارس 2025، بات الناس يخشون التنظيم. فعلى سبيل المثال، نُظّمت احتجاجات في محافظات مختلفة في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2025 من قبل موظفين عموميين صُرفوا من العمل، كما ظهرت محاولات لتنظيم نقابات عمالية بديلة، أو على الأقل إنشاء هياكل تنسيق. غير أن المجازر الطائفية في المناطق الساحلية خفّضت إلى حدّ كبير فاعلية الحركة الاحتجاجية، بفعل الخوف من أن ترد مجموعات مسلّحة قريبة من السلطات الحاكمة الجديدة أو تابعة لها بعنف. ثم جاءت مجازر السويداء لتكرّس هذا المسار أكثر. وقد وقعت العنف والإجراءات القمعية جديدة ضد المتظاهرين العلويين عقب مظاهرات ديسمبر/كانون الأول التي احتجت على الانتهاكات المستمرة التي يتعرض لها قطاعات واسعة من السكان العلويين منذ سقوط الأسد. وطالبت المظاهرات بتوفير الأمن، لا سيما في مواجهة عمليات القتل والاختطاف المتواصلة (خاصة ضد النساء)، والنظام الفيدرالي، كما نددت بعمليات التسريح التعسفي غير المتناسب التي تعرضوا لها على أيدي إدارات الدولة، فضلاً عن غلاء المعيشة.
ثالثاً، أتاحت هذه الهجمات الطائفية للسلطات الحاكمة الجديدة في دمشق إعادة تقييم هيمنتها في بعض المناطق (المناطق الساحلية) ومحاولة بسطها أيضاً في المناطق ذات الحضور الدرزي الواسع، وإن ظل ذلك غير متحقق، ولا سيما في محافظة السويداء، بما أحبط السلطات المركزية. وبذلك، اندرجت أهداف السلطات الحاكمة في هذه الوقائع ضمن استراتيجية أوسع لـمركزة السلطة وترسيخ الهيمنة في مناطق تقع خارج السيطرة الكاملة لها.
الديمقراطية صراع يومي ينبغي انتزاعه
في حين أن أي حكومة ما بعد الأسد كانت سترث حزمة هائلة من المشكلات السياسية والاقتصادية، فإن السلطات الحاكمة الحالية بقيادة هيئة تحرير الشام تحمل معها بدورها مجموعة خاصة من التحديات. إذ يجعل توجهها السياسي والاقتصادي من الأصعب تأسيس شروط مسار إعادة إعمار ديمقراطي قابل للحياة وشامل. وإضافة إلى ذلك، تفضي سياساتها إلى تزايد فقدان السيادة لصالح فاعلين خارجين. وفي الوقت نفسه، سعت هيئة تحرير الشام إلى ترسيخ سلطتها داخل مؤسسات الدولة والجيش والمجتمع.
لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى سياسات السلطات الحاكمة الجديدة التي تهيمن عليها هيئة تحرير الشام بوصفها ملفات منفصلة؛ فهي مترابطة. إذ إن ترسيخ سوريا الجديدة داخل تحالف كامل مع المحور الذي تقوده القوى الغربية وحلفائه الإقليميين، والسعي إلى أشكال من التطبيع مع إسرائيل، يساعدان على تدعيم الشرعية الخارجية لـالنخبة الحاكمة الجديدة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، بما في ذلك عبر خصخصة أصول الدولة وتحرير الاقتصاد. غير أن تطبيق هذه السياسات—أي التطبيع مع إسرائيل وديناميات نيوليبرالية تزيد إفقار المجتمع وتعمّق اللامساواة الاجتماعية–الاقتصادية—قد يولّد عدم استقرار في البلاد، بما في ذلك عبر حركات احتجاجية وتصاعد المعارضة.
هنا، تصبح الطائفية أداة نافعة لمحاولة بناء ما يُفترض أنه تكتل سنّي متجانس، عبر تجاهل وإخفاء الفوارق الاجتماعية–الاقتصادية والإقليمية، بهدف تحييد الاعتراض داخل البلاد أو تعبئة شرائح من السكان ضد جماعات بعينها لصرفهم عن ديناميات الصراع الطبقي وتقسيم المجتمع.
يجب أن نكون واضحين: لن تغيّر السلطات الحاكمة سياساتها وسلوكها، أو تقدم تنازلات فعلية لمصلحة المصالح السياسية والاجتماعية–الاقتصادية للطبقات الشعبية السورية، من دون تغيّر في ميزان القوى، ومن دون بناء وتطوير قوة مضادّة داخل المجتمع تجمع شبكات وفاعلين ديمقراطيين وتقدميين. الديمقراطية صراع يومي: تُنتزع ولا تُمنَح.
من ملف «التفكير الاجتماعي في أزمنة التحوّلات الكبرى». أعدّ هذا الملف من قبل برنامج «مقاربات نقدية للتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرت النسخة العربية منه في «صفر».