كيف ارتفعت ثروة المليارديرات 126 ألف دولار في الثانية في عام 2025
ازداد الأغنياء ثراءً خلال عام 2025 في اقتصاد عالمي لا يزال يكافئ الملكية على حساب العمل. ويكشف تقرير مشترك صادر عن أوكسفام والاتحاد الدولي لنقابات العمال بعنوان «العمل لدى الأثرياء: الفجوة المتزايدة بين العمال وأصحاب النفوذ» عن اتساع غير مسبوق في فجوة تراكم الثروة بين الأغنياء والفقراء.
فقد ارتفعت ثروات المليارديرات بمعدل 126 ألف دولار في الثانية خلال عام 2025، في وقتٍ شهد فيه العمال تآكلاً في القيمة الحقيقية لأجورهم، وضعفاً في الحد الأدنى للأجور، وتراجعاً في حصتهم من الدخل العالمي. وفي المقابل، واصلت الشركات ضخ مليارات الدولارات في جيوب المساهمين، بينما حصد الرؤساء التنفيذيون زيادات كبيرة في أجورهم، في حين تحمّل العمال وحدهم كلفة التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، إلى جانب سياسات كبح الأجور.
1. الأغنياء يزدادون ثراءً لأنهم يملكون الأصول
شكّلت ملكية الأصول المحرّك الرئيسي لتضخّم الثروات في عام 2025، إذ راكم المليارديرات مكاسبهم أساساً من ارتفاع قيمة الأسهم. ويُظهر تقرير أوكسفام أن دخلهم جاء من 3 قنوات: مكافآت التنفيذيين، توزيعات الأرباح، والمكاسب الرأسمالية—والأخيرة كانت الأهم.
وخلال عام واحد، زادت ثرواتهم بنحو 4 تريليونات دولار، ليصبح 4 من كل 5 مليارديرات أكثر ثراءً، متجاوزين بثرواتهم أفقر نصف سكان العالم بفارق 1.5 تريليون دولار. كما أُضيف 400 ملياردير جديد (+13%)، بينهم 45 في قطاع الذكاء الاصطناعي، ما يعكس سرعة تحوّل الطفرات التكنولوجية، حين تقترن بالمضاربات، إلى ثروات مركّزة.
2. أرباح الشركات تُنقل إلى المساهمين
في عام 2025، استفاد كبار المساهمين من ارتفاع الأصول، بينما بقي العمال خارج دائرة المكاسب. وتمثّلت الآلية الثانية لتراكم الثروة في تحويل أرباح الشركات مباشرة إلى المالكين، حيث بلغت توزيعات الأرباح مستوى قياسياً عند 2.1 تريليون دولار (+7%).
وبدل أن تُوجَّه هذه الأرباح إلى الأجور أو الاستثمار أو تحسين ظروف العمل، تحوّلت إلى دخل إضافي للأثرياء، ما عمّق تركّز الثروة. ووفقاً لأوكسفام، حصل المليارديرات على 79 مليار دولار (نحو 2,500 دولار في الثانية)، فيما يجني الملياردير خلال أقل من ساعتين ما يفوق دخل عامل طوال عام.
ويزداد التفاوت حدّة مع امتلاك أغنى 1% نحو 43% من الأصول المالية، ما منحهم أكثر من 900 مليار دولار من التوزيعات، في حين يُحرم 85% من سكان العالم من أي دخل رأسمالي. النتيجة: تتحوّل ملكية الشركات إلى آلية مستمرة لإثراء القلة وتعميق الفجوة بين العمل ورأس المال.
3. الرؤساء التنفيذيون يستحوذون على المزيد
بلغ متوسط أجر أعلى 1,500 رئيس تنفيذي في العالم 8.4 ملايين دولار عام 2025، بزيادة 11% عن 2024 و54% مقارنة بعام 2019، في وقت تراجعت فيه القيمة الحقيقية لأجور العمال.
ارتفعت أجور الرؤساء التنفيذيين بمعدل يفوق نمو أجور العمال بـ20 مرة، حيث تجاوزت مكافآت أعلى 10 رؤساء تنفيذيين مليار دولار مجتمعين، وحصل 4 منهم على أكثر من 100 مليون دولار لكل منهم. في المقابل، لم تتجاوز زيادة الأجور الحقيقية للعمال عالمياً 0.5% بين 2024 و2025، بينما تراجعت بنحو 12% مقارنة بعام 2019 بفعل التضخم.
عملياً، خسر العامل المتوسط 2,326 دولاراً من قدرته الشرائية سنوياً مقارنة بعام 2019، ما يعادل نحو 31 يوم عمل غير مدفوع في عام 2025 وحده، و108 أيام منذ 2019. ونتيجة لهذا التفاوت الحاد، يحتاج العامل المتوسط إلى نحو 490 عاماً ليكسب ما حققه أعلى رئيس تنفيذي أجراً في سنة واحدة.
الخلاصة: بينما استفاد المساهمون وكبار التنفيذيين من تعافي الشركات بعد الجائحة، تحمّل العمال كلفة تآكل الأجور، ما عمّق فجوة اللامساواة بين العمل ورأس المال.
4. العمال ينتجون أكثر، والمالكون ينعمون بالمكاسب
مع أن العمّال ينتجون قيمة أكبر، لكن نصيبهم منها يتقلّص. فمنذ عام 2019، ارتفعت الإنتاجية بنسبة 9%، مقابل تراجع الأجور الحقيقية بنحو 12%، ما خفّض حصة العمل من الناتج. وتقدّر أوكسفام أنه لو بقيت هذه الحصة عند مستواها السابق، لحصل العمال على 469 مليار دولار إضافية في عام 2025.
وعلى المدى الأطول، ارتفع الناتج لكل عامل بنسبة 51% منذ 2004، بينما تراجعت حصة العمل بنحو 2%، ما يعني أن القيمة الإضافية التي ينتجها العمال تُعاد توجيهها نحو رأس المال. ويعود هذا التحوّل إلى عوامل بنيوية، أبرزها كبح الأجور، ضعف النقابات، الأتمتة، سوء تصنيف العمال، وهيمنة الشركات، وكلها تقلّص القدرة التفاوضية للعمل وتعزّز تدفّق الأرباح إلى المالكين.
5. فشل الحد الأدنى للأجور في حماية العمال من التضخم
تعزّز الضغط على الأجور بفعل ضعف سياسات الحد الأدنى، إذ فشلت 43% من الدول بين 2019 و2025 في ملاءمته مع التضخم. وعملياً، تراجعت الأجور الدنيا الحقيقية في 66 دولة، مقابل ارتفاعها في 89 دولة، ما يعني أن جزءاً كبيراً من العمال فقدوا قدرتهم الشرائية.
ولا يؤثر التضخم بالتساوي: فالعمال يتضررون مع ارتفاع الأسعار، بينما يستفيد مالكو الأصول من زيادة أرباح الشركات وقيم الأسهم والتوزيعات. وخلال الفترة نفسها، ارتفعت أسعار الغذاء 15% والبنزين 14%، فيما واجه ربع سكان العالم الجوع، وعاش 48% تحت خط فقر يبلغ 8.30 دولارات يومياً.
في عام 2025، كان 8% من العاملين يعيشون في فقر، ما يعكس تآكل دور العمل كوسيلة للحماية الاجتماعية. ومع التوقعات بتداعيات اقتصادية إضافية للصراعات الدولية، يُرجّح أن تتسع هذه الفجوة أكثر، مع استمرار انفصال الأجور عن كلفة المعيشة.
6. الثروة تحمي من استحوذ عليها
تتدفق ثروات المليارديرات بشكل متزايد إلى المجال العام للتأثير في الإعلام وصنع السياسات وعلاقات العمل. فقد توسّع حضورهم في قطاع الإعلام عبر الاستحواذ على منصات كبرى، وأصبح هذا النفوذ أكثر وضوحاً، إذ أشار استطلاع عالمي لأوكسفام إلى أن نصف المستجيبين يرون أن «الأغنياء يشترون الانتخابات»، فيما تفوق فرص وصول المليارديرات إلى المناصب السياسية نظيرتها لدى الأفراد العاديين بنحو 4,000 مرة.
ويعمل هذا النفوذ على حماية النموذج الاقتصادي الذي راكم هذه الثروات، من خلال سياسات مثل خفض الضرائب على الأغنياء، وإضعاف النقابات، وسنّ تشريعات أقل حماية للعمال، إلى جانب تساهل الحوكمة وضعف القيود على توزيعات الأرباح، وكلها تعزّز إعادة توجيه الدخل نحو القمة.
كما تمتد هذه السلطة إلى داخل الشركات نفسها، حيث تُستخدم مؤسسات كبرى مثل أمازون ووولمارت كنماذج لفرض أنماط رقابة صارمة وانتهاكات منهجية لحقوق العمال، يجري تعميمها لاحقاً عبر السوق.