معاينة gas egypt

كيف ستورّد مصر الغاز إلى لبنان وسوريا في ظل النقص الذي تعاني منه؟

شهد عام 2025 إعلان توقيع مذكّرة تفاهم بين لبنان ومصر تقضي باستجرار الغاز الطبيعي المصري لتوليد الكهرباء وتلبية جزء من حاجات لبنان الطاقوية. وتلا ذلك، مطلع العام الحالي، توقيع مذكرتَي تفاهم مماثلتين بين مصر وسوريا للتعاون في مجالات استيراد الغاز والمشتقات النفطية.

غير أنّ المعطيات الملموسة تشير إلى صعوبة تصدير أي غاز مصري في المدى المنظور. فقد تحوّلت مصر في خلال السنوات الأخيرة من دولة مصدّرة للغاز إلى دولة مستورِدة له، مع اعتماد متزايد على استيراد الغاز من إسرائيل، إضافة إلى تصاعد الطلب على واردات الغاز الطبيعي المسال منذ عام 2024، وهو اتجاه يُتوقّع أنّ يستمر لما بعد عام 2030.

وليست هذه السابقة الأولى من نوعها، إذ سبق للبنان أن وقّع عام 2022 اتفاقاً مماثلاً جرى خلاله التوافق على الأسعار والكميات، فضلاً عن حصة سوريا مقابل بدل عبور، من دون أن يترجم ذلك إلى تنفيذ فعلي يُذكر.

فكيف يمكن لدولة تستورد الغاز بكثافة أن تعد بتصديره؟ فلماذا يُعاد طرح هذه الاتفاقيات اليوم؟ وما هو الواقع الفعلي لقطاع الغاز الطبيعي في مصر؟ 

1. إنتاج الغاز في مصر في تناقصٍ مستمرّ

يمكن تشبيه مسار إنتاج الغاز في مصر في خلال العقد المنصرم (2015–2025) برياحٍ معاكسة بدأت بالهبوب ثم اشتدّت من دون انقطاع. ففي العام الماضي، سجّل الإنتاج أدنى مستوياته خلال 9 سنوات، وبلغ نحو 4.2 مليار قدم مكعّب يومياً، في مقابل طلب محلّي متزايد قارب 6 مليارات قدم مكعّب يومياً.

وعلى الرغم من هذا التراجع، لم تتخلَّ مصر عن طموحها في التحوّل إلى مركزٍ إقليمي للغاز، سواء عبر استخدام منشآت تسييل الغاز الطبيعي لإعادة تصدير الغاز الإسرائيلي، وربما القبرصي مستقبلاً، أو عبر توظيف شبكة الأنابيب التي تربطها بالدول المجاورة، ولا سيما الأردن وسوريا ولبنان. في هذا السياق يمكن فهم مذكرات التفاهم التي وقّعتها مصر أخيراً مع كلٍّ من لبنان وسوريا، والتي تحمل أبعاداً ورسائل سياسية تتقدّم على الجدوى التجارية المباشرة.

علياً، شهد قطاع الغاز المصري طفرة سريعة عقب اكتشاف حقل «ظهر» في آب/أغسطس 2015، والذي عُدّ حينها الأكبر في المنطقة، باحتياطات تقديرية قاربت 30 تريليون قدم مكعّب. بدأ الإنتاج الفعلي من الحقل أواخر عام 2017، وسرعان ما أسهم تدريجياً بنحو 40% من إجمالي الإنتاج المصري. واصل الإنتاج الوطني ارتفاعه حتى بلغ ذروته عام 2021 عند نحو 6.6 مليارات قدم مكعّب يومياً.

غير أنّ مشكلات تقنية وفنية في حقل «ظهر» أدّت إلى تراجع إنتاجه تدريجياً، ما دفع مصر إلى العودة لاستيراد الغاز لتلبية الطلب المحلي، وتزامن ذلك مع بدء تدفّق الغاز الإسرائيلي عبر الأنابيب إلى مصر والأردن عام 2020، لتصل الكميات المصدَّرة إلى نحو 11–13 مليار متر مكعّب سنوياً بحلول عام 2024. وقد كشف انقطاع الإمدادات في تشرين الأول/أكتوبر 2023، على خلفية حرب الإبادة، وكذلك في حزيران/يونيو 2025 نتيجة أعمال صيانة في إسرائيل، هشاشة التوازن في السوق المصرية وزيادة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي

1

2. حقل ظهر «يخسر» ثلث حجمه المتوقع

يقع حقل «ظهر» ضمن منطقة امتياز «شروق» البحرية، بالقرب من الحدود القبرصية، وشكّل عند اكتشافه عام 2015 إنجازاً بارزاً لشركة ENI في شرق البحر الأبيض المتوسط. وتميّز الحقل بسرعة تطويره، إذ لم تستغرق عملية الانتقال من الاكتشاف إلى الإنتاج أكثر من سنتين ونصف، في فترة قياسية قياساً بمشاريع المياه العميقة.

كان يُتوقّع أن يستمر إنتاج الحقل حتى عام 2045 على الأقل، غير أنّ تراجعاً مبكراً وغير متوقّع بدأ منذ عام 2022، نتيجة الانخفاض الحاد في ضغط المكمن وظهور تدفّقات مائية أعلى من التقديرات الأولية. ومع نهاية عام 2023، أُغلقت آبار عدة ارتفعت فيها نسبة المياه، ما أثّر سلباً على القدرة الإنتاجية الإجمالية.

انعكست هذه التطورات على تقديرات الاحتياطات القابلة للاستخراج، إذ جرى تخفيضها من نحو 30 تريليون قدم مكعّب إلى ما يقارب 10 تريليونات قدم مكعّب فقط، في مراجعة جوهرية لحجم الثروة المتوقعة من الحقل.

وعلى الرغم من أن القدرة الإنتاجية التصميمية قاربت 3.2 مليارات قدم مكعّب يومياً، بلغ الإنتاج ذروته عام 2021 عند نحو 2.74 مليار قدم مكعّب يومياً، قبل أن يتراجع تدريجياً في السنوات اللاحقة ليصل إلى نحو 1.38 مليار قدم مكعّب يومياً بحلول عام 2025، ما كرّس مسار الانحدار البنيوي في أداء الحقل.

2

3. محطّات الغاز الطبيعي المسال: من محطة عائمة إلى 5 محطّات 

شهد عام 2025 تحوّلاً لافتاً في ميزان الطاقة المصري، إذ ارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال بنسبة تقارب 188% خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من العام مقارنة بعام 2024، لتبلغ نحو 7.8 ملايين طن. وتوزّعت هذه الواردات على 4 محطّات عائمة داخل مصر — في عين السخنة، والإسكندرية، ودمياط — إضافة إلى محطة عائمة مشتركة في العقبة بالأردن.

بدأ مسار العودة إلى استيراد الغاز المسال عام 2024، مع استمرار تراجع الإنتاج المحلي وتسبّبه بانقطاعات كهربائية خلال ذروة الطلب صيفاً. فجرى اللجوء إلى وحدة التغويز العائمة Hoegh Galleon FSRU (المعروفة بـ«عين السخنة 3» في سوميد) بعقد مؤقت بين 2024 و2026، على أن تُستبدل نهاية العام الجاري بوحدة Hoegh Gandria بعقد إيجار يمتدّ 10 سنوات.

وتبع ذلك استقدام عدد من الوحدات العائمة لتعويض النقص في الإمدادات، ولا سيما بعد انقطاع الغاز الإسرائيلي في صيف 2025 بسبب أعمال الصيانة:

  • Energos Eskimo (عين السخنة 4 | سوميد): استأجرتها الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية EGAS لمدة 10 سنوات في كانون الأول/ديسمبر 2024، واستلمت أول شحنة في تموز/يوليو 2025.
  • Energos Power (عين السخنة 1 | سونكر): حصلت عليها مصر من ألمانيا في أيار/مايو 2025 بعقد إيجار لـ 8 سنوات، مع أول شحنة في تموز/يوليو 2025.
  • Energos Force (العقبة | الأردن): استأجرتها EGAS بالشراكة مع شركة الكهرباء الوطنية الأردنية NEPCO في تموز/يوليو 2025 لتلبية حاجات البلدين، واستُقبلت أول شحنة في آب/أغسطس 2025، على أن تغادر في 2026.
  • Energos Winter (دمياط | شركة UGDC): استؤجرت لـ 5 سنوات في تموز/يوليو 2025، واستلمت أول شحنة في تشرين الأول/أكتوبر 2025.

بذلك، انتقلت مصر عملياً من الاعتماد على محطة عائمة واحدة إلى تشغيل 5 وحدات تغويز عائمة خلال فترة قصيرة، في انعكاس مباشر لاتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب.

أما على صعيد تأمين الإمدادات، فقد أبرمت القاهرة خلال عام 2025 صفقات طويلة الأجل تقارب قيمتها 3 مليارات دولار مع Shell، ونحو 8 مليارات دولار مع Saudi Aramco وشركات أخرى. كما وقّعت مطلع العام الحالي مذكرة تفاهم مع QatarEnergy لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، مع تركيز استراتيجي على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال، بما يشمل 24 شحنة مرتقبة خلال صيف 2026.

يعكس هذا المسار تحوّلاً بنيوياً في موقع مصر داخل سوق الغاز: من دولة كانت تطمح إلى تصدير الفائض، إلى مستورد رئيس يسعى لتأمين إمدادات مستقرة وطويلة الأجل لتغطية احتياجاته المحلية.

3

4. الاكتشافات التّجارية الجديدة لن تُبصر النور قريباً

في مواجهة الفجوة المتزايدة بين العرض والطلب، تسعى مصر إلى تسريع وتيرة الاستكشاف ومنح التراخيص البحرية الجديدة بهدف رفع الإنتاج الوطني في السنوات المقبلة. وخلال عام 2025، منحت القاهرة 6 بلوكات بحرية لشركات دولية — 4 في البحر الأبيض المتوسط و2 في دلتا النيل — إضافة إلى توقيع اتفاقيات تطوير وإنتاج جديدة. وتشير الخطط المعلنة إلى حفر أكثر من 100 بئر استكشافي خلال عام 2026 وحده، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الاكتشافات الجديدة وحدها كفيلة بإعادة الاستدامة لصادرات الغاز الطبيعي المسال.

إلا أنّ الأثر الفوري لهذه المشاريع سيبقى محدوداً. فعمليات الاستكشاف والتقييم والتطوير تحتاج إلى سنوات قبل بلوغ مرحلة الإنتاج التجاري، فضلاً عن القيود المرتبطة بسعة خطوط الأنابيب والحاجة إلى استثمارات إضافية في البنية التحتية والمعالجة. وبناءً عليه، يُرجَّح استمرار اعتماد مصر على واردات الغاز الطبيعي المسال حتى ما بعد عام 2030.

في موازاة ذلك، وقّعت مصر في كانون الأول/ديسمبر الماضي اتفاقاً مع إسرائيل لتوريد غاز بقيمة تقارب 35 مليار دولار من تطوير حقل ليفياثان، بما يضمن استمرار تدفّق الغاز الإسرائيلي إلى السوق المصرية حتى عام 2040 على الأقل. وقد يتيح هذا الغاز، إلى جانب كميات محتملة من قبرص في السنوات المقبلة، لمصر استعادة القدرة على إعادة التصدير بحلول عام 2031، ولكن لفترة محدودة، قبل أن تعود ضغوط الطلب الداخلي المرتفع لتفرض واقع الاستيراد مجدداً.

4