كيف حال العمّال؟ يأس وقلق واكتئاب 

كيف حال العمّال؟ يأس وقلق واكتئاب 

أصبحت المخاطر النفسية الاجتماعية في مقدمة قضايا الصحة المهنية في القرن الحادي والعشرين، إلى جانب مخاطر الموت والعجز والمرض في مكان العمل. فما زال العمّال والعاملات يضطرون للعمل ساعات طويلة، ويعانون من انعدام الأمان، وانعدام الاستقلالية، ونقص الطواقم، والأهداف المستحيلة، والتنّمر، والتحرش، والمراقبة الرقمية، والتعرض لمواد صادمة… وغالباً ما تُوصَف هذه المخاطر بأنها قضايا صحة نفسية، لكن آثارها نفسية وجسدية معاً. فالمخاطر النفسية الاجتماعية تُنتج الاكتئاب والقلق واليأس، لكنها تزيد أيضاً خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والإدمان، والانتحار، واضطرابات النوم، وحوادث العمل، والموت المبكر. فيما يكمن الخطر في الطريقة التي يُصمَّم بها العمل، ويُدار ويُوقَّت ويُراقَب ويُكثَّف.

يشير تقرير جديد للاتحاد الدولي لنقابات العمال أن حجم هذه الأزمة بات أكبر من أن يُعامَل بوصفه عارضا ثانوياً في الصحة المهنية. كيف؟

1. أزمة صحة مهنية هائلة

تقدّر منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية أن 11% من حالات الاكتئاب في العالم تُعزى إلى مخاطر مهنية. ويتسبب الاكتئاب والقلق في فقدان 12 مليار يوم عمل سنوياً على مستوى العالم، مع خسارة إنتاجية تُقدّر بتريليون دولار أميركي كل عام. تُظهر هذه الأرقام أن المخاطر النفسية الاجتماعية مشكلة عالمية بحيث أنها تقوّض ربحية النظام الذي يتسبّب بها.

تُعد ساعات العمل الطويلة أكثر أشكال التعرض المهني فتكاً، إذ توفي 745,000 شخص في العالم عام 2016 بسبب ساعات العمل الطويلة وحدها. وجاءت معظم هذه الوفيات عبر أمراض القلب والأوعية الدموية الناتجة عن الضغوط النفسية. تشير التقديرات إلى أن العوامل النفسية والاجتماعية المتعلقة بالعمل مسؤولة عن 5% إلى 11% من حالات أمراض القلب بين العمال.

كما تتحمل المخاطر النفسية المهنية مسؤولية تتراوح بين 10% و13% من حالات الانتحار في العالم. وهذا يعادل ما لا يقل عن 70,000 حالة انتحار مرتبطة بالعمل سنوياً. وتشمل العوامل المرتبطة بالانتحار انعدام الاستقلالية في العمل، والضغط، وساعات العمل الطويلة، وانعدام الأمان، وضعف الدعم، والعمل بنظام الورديات، والعنف في مكان العمل، والتحرش، والتنمر.

يُظهر حجم الأزمة أن هذه ليست نتائج نفسية مرتبطة بظروف فردية، بل بظروف العمل. لقد أصبح مكان العمل موقعاً رئيسياً لإنتاج المرض، حيث يؤدي الضغط المفروض على العمال إلى الاكتئاب، وأمراض القلب، والموت.

كيف حال العمّال؟ يأس وقلق واكتئاب 

2. التصميم السيئ للعمل يُنتج الضغط والمرض

الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه المخاطر النفسية الاجتماعية تنشأ من النمط الشائع لتنظيم العمل. فإجهاد العمل، وساعات العمل الطويلة، واختلال التوازن بين الجهد والمكافأة، وانعدام الأمان الوظيفي، واللاعدالة التنظيمية، والتحرش، والتنمر، وارتفاع المتطلبات، وضعف هامش القرار، وضعف الدعم، والعمل بنظام الورديات، وتعارض وقت العمل مع حاجات الأسرة، كلها مخاطر يواجهها الجميع في أماكن العمل. وهذه هي المحركات التي تولّد الأذى النفسي والجسدي المرتبط بالعمل. في الواقع، تُصمَّم معظم الوظائف اليوم وتُدار وفق هذه التكتيكات القسرية نفسها، وهي تكتيكات تنتج أذى نفسياً وجسدياً.

ترفع المتطلبات المهنيّة العالية منسوب الضغط النفسي على العمال. وينزع انعدام الاستقلالية من العمال قدرتهم على تعديل وتيرة العمل أو توقيته أو أولوياته أو أساليبه. ويعزل ضعف الدعم العمال تحت الضغط. ويؤدي العمل بنظام الورديات وساعات العمل الطويلة إلى تعطيل النوم وتقليص فرص التعافي. كما تعاقب تقييمات الأداء المرض والتغيّب. وتُبقي المراقبة المؤسسية وأهداف الأداء العمال في حالة توتر دائمة.

يرتبط الضغط المزمن في العمل بسلوكيات تكيّف غير صحية مثل التدخين، والاستهلاك المفرط للكحول، وتعاطي المخدرات، والإفراط في الأكل، والخمول البدني. تتسبّب هذه العادات غير الصحية بأمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات الأيض، واختلالات الجهاز الهضمي والمناعة، واضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي، والأضرار الإنجابية، كما يمكن أن تسبب حوادث جسدية في الصناعات عالية الخطورة.

ويُعد الاحتراق الوظيفي نتيجة شائعة لاجتماع متطلبات العمل المرتفعة المستمرة مع ضعف سيطرة العامل على مسار عملهم وضعف دعم الإدارات. يُعرَّف الاحتراق الوظيفي بأنه شعور بالإنهاك، ونزعة ساخرة تجاه الوظيفة، وضعف الفاعلية المهنية. ومن أشهر الأمثلة على ذلك الاحتراق الوظيفي لدى العاملين في الرعاية الصحية خلال جائحة كوفيد-19، وهو ما لا يزال يؤثر في القوى العاملة الصحية حتّى اليوم، لكن الاحتراق الوظيفي متفشٍ عبر مختلف القطاعات. فواحد من كل 5 عمال تقريباً يختبر إنهاكاً عاطفياً متكرراً. الاحتراق الوظيفي هو فشل بنيوي في تنظيم العمل، وليس عجزاً شخصياً عن التحمّل.

كيف حال العمّال؟ يأس وقلق واكتئاب 

3. العمل الهش يحتّم الضغط في سوق العمل

هذه الأزمة متفشيّة في سوق العمل الأوسع، إذ إن صعود ممارسات معروفة لرفع الهشاشة في أسواق العمل تشكل مصدراً للضغوط: الأجور المنخفضة، والساعات غير المستقرة، والعقود القصيرة الأجل، ونقص العمل، والعمل غير النظامي، والعمل عبر المنصات، وإعادة الهيكلة المستمرة، تجعل الضغط حالة دائمة من حالات التوظيف.

وقد وجدت دراسة تابعت 2.8 مليون كندي أن واجه العمال في الوظائف الهشة خطر وفاة بسبب الانتحار أو التسمم بالمخدرات أو الأسباب المرتبطة بالكحول أعلا من 2 و3 أضعاف عن العمال في الوظائف المستقرة وذات الأجر الجيّد. كانت النساء في الوظائف غير الآمنة أكثر تعرضاً على نحو خاص، إذ ارتفع لديهن خطر الوفاة بجرعة زائدة إلى 3 أضعاف مقارنة بالنساء في الوظائف المعيارية.

وترتبط جودة العمل ارتباطاً وثيقاً «بأمراض اليأس». فالعمل الهش يُنتج ضغطاً مالياً، ودخلاً غير منتظم، ومكانة اجتماعية أضعف، وفقداناً للروتين، وقلقاً من فقدان الوظيفة، وحضوراً مرضياً إلى العمل، وتراجعاً في القدرة على الراحة أو الحصول على الرعاية. على الرغم من توظيف العمّال، شروط توظيفهم تعيد إنتاج المخاطر الصحية المرتبطة عادةً بانعدام الأمان والبطالة.

توصلت مراجعة أُجريت عام 2024 إلى نتيجة مماثلة عبر أدلة نوعية من اقتصادات غربية. فقد أفاد العمال في الوظائف الهشة بأنهم يعيشون ضغطاً، وإنهاكاً، وقلقاً، واكتئاباً، وإحباطاً، وشعوراً بالذنب، وتدنياً في تقدير الذات. وكان القلق الناتج عن غياب القدرة على تنبؤ المستقبل عاملاً لا يقل أهمية عن تدني الأجر. فساعات العمل غير المستقرة تجعل من الأصعب تنظيم الميزانية، وأعمال الرعاية، والتنقل، والنوم، والتعافي، ما يفاقم الضغط بدوره.

يُعد نقص الطواقم عاملاً إضافياً يفاقم الوضع سوءاً. فعندما يخفض أصحاب العمل عدد العاملين، يتحمل من يبقون أعباء عمل أثقل وساعات عمل أطول. ومع ارتفاع الغياب، يرتفع أيضاً تسرب العمال من مكان العمل، ما يزيد عبء العمل أكثر. وبهذه الطريقة، يُعاد توزيع الضغط النفسي الذي دفع بعض العمال إلى المغادرة على أولئك الذين بقوا.

غالباً ما تكون النساء، والأصغر سناً، والمهاجرين، والعمال المؤقتين، وعمال المنصات، وعمال الخدمات منخفضة الأجر، أكثر تعرضاً للضغوطات النفسية، لأن سيطرتهم على وظائفهم أضعف، وحمايتهم أقل، واعتمادهم على أصحاب عمل غير مستقرين أكبر. لذلك يتوزع الأذى النفسي الاجتماعي عبر الطبقة، والنوع الاجتماعي، والعمر، ووضع الهجرة، والهرمية المهنية.

كيف حال العمّال؟ يأس وقلق واكتئاب 

4. الذكاء الاصطناعي والمراقبة يؤتمتان الضغط في مكان العمل

تجعل الأنظمة الرقمية الضغط  أكثر شيوعاً واستدامة في العمل، كما تسهّل الاستعانة بمصادر خارجية للعمل.

تُعد الإدارة الخوارزمية للعمال، والمراقبة الرقمية عبر الكاميرات، وأنظمة GPS، والمراقبة عن بُعد، مصادر ناشئة للأذى النفسي الاجتماعي. تستطيع هذه الأنظمة فرض حصص متطلّبة على كلّ عامل، وتتبع أدائهم، ومراقبة موقع العمل، وقياس وتيرة العمل وتكثيفه، وإضعاف الخصوصية. تقلل أدوات المراقبة قدرة العمال على التحكم بمسار عملهم، فيما تفرض متطلبات قاسية، وأحياناً غير واقعية. كما ترفع قدرة أصحاب العمل على مراقبة العمال وترتيبهم وفق معايير هشّة ومعاقبتهم تحت ستار الحياد الخوارزمي.

يقدم عمل مشرفي المحتوى حالة لافتة، إذ يُدفع لهؤلاء العمال مقابل تصفية مقاطع العنف، وخطاب الكراهية، وصور الإساءة إلى الأطفال، لصالح منصات التواصل الاجتماعي. ويعمل كثير من المشرفين تحت أهداف أداء تراقب عدد الثواني التي يقضونها في تقييم كل مقطع، ضمن عقود قصيرة الأجل. تجتمع في هذا العمل صدمة التعرض إلى المحتوى نفسه مع السرعة، والضغط، وانعدام الأمان الوظيفي.

تعمد المنصات الكبرى إلى الاستعانة بمتعهدين خارجيين في الإشراف، غالباً في أسواق عمل منخفضة الأجور في الدول الفقيرة. تُلقى الكلفة النفسية على عاتق العامل، غالباً في بلدان يصعب فيها الوصول إلى خدمات الدعم النفسي، فيما تجني المنصة منفعة الواجهة المنقّحة. في عام 2020، وافقت شركة «ميتا» على دفع 52 مليون دولار أميركي كتعويضات لمشرفين أصيبوا بمشكلات نفسية نتيجة عملهم، مما يبرهن العلاقة المباشرة بين طبيعة وظروف العمل والنتايج النفسية السلبيّة. لكن هذا النجاح القانوني لم يتحوّل إلى ضوابط وقواعد عمل معمّمة.

وتمثل رقمنة العمل مرحلة جديدة من الأذى في مكان العمل. فلم تعد الإدارة بحاجة إلى الاعتماد على مشرفين بشريين. أصبح الضغط الآن مؤتمتاً عبر برمجيات تقيس أداء العامل باستمرار. وكل تأخير، أو توقف، أو حركة، يتحول إلى مؤشر أداء يعاقب عليه العامل. وقد وسّع صعود أدوات مراقبة العمال المخاطر النفسية على العمال، كماً ونوعاً، لأنها أصبحت مدمجة في صميم العمل المعاصر.

لم تعد الصورة القديمة للمخاطر المهنية، بوصفها إصابات جسدية تقع في العمل، تلتقط المشهد بالكامل. فالأنظمة التي تنظم زمن العمل، وسرعته، والأداء المطلوب من العاملين، والعقود، والمراقبة، والتعرض النفسي، أصبحت هي المحركات الرئيسية لوباء الضغط النفسي الناجم عن العمل.

إن الخطر المهني في القرن الحادي والعشرين هو طبيعة تنظيم العمل نفسه.

كان يفترض أن يؤدي ارتفاع إنتاجية العمال وتطوير الأدوات التكنولوجية الجديدة إلى تحرير العمال من أشكال الإكراه المجهدة المدمجة في علاقات العمل. لكن الحتمية القائمة على ضرورة النمو التراكمي الأبدي حوّلت هذه النجاحات إلى أداة تعذيب ديستوبية للعمال، الذين صاروا يضحون بأجسادهم وعقولهم على مذبح الأرباح.

كيف حال العمّال؟ يأس وقلق واكتئاب 

    أنيس الجرماني

    طبيب متخصّص في الطبّ الداخلي وباحث في سياسات الأنظمة الصحّية