tripoli, lebanon

لماذا تفشل المساعدات النقدية في معالجة الفقر؟ طرابلس نموذجاً

ارتفع الفقر في لبنان من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022، فيما تحولت المساعدات النقدية إلى إحدى الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها وزارة الشؤون الاجتماعية لمواجهة الأزمة. لكن مراجعة لبرنامج نفذته أوكسفام في طرابلس، استهدف 475 أسرة هشّة و150 امرأة في التدريب المهني و50 امرأة في التعلّم القائم على العمل، تُظهر مفارقة واضحة: المساعدات ساعدت الأسر على البقاء، لكنها لم تفتح طريقاً فعلياً للخروج من الفقر في اقتصاد يعاني أصلاً من بطالة مرتفعة وضعف الاستثمار وغياب النقل العام وهشاشة العمل وانهيار الخدمات العامة. 

فكيف حصل ذلك؟ وما الذي تكشفه التجربة عن حدود سياسات الحماية الاجتماعية في لبنان في ظل غياب إصلاح اقتصادي يخلق فرص عمل ويؤمن الحماية الاجتماعية الشاملة؟

1. المساعدات النقدية منعت الانهيار، لكنها لم تغيّر الواقع المالي

90% من المشاركات في برنامج «أوكسفام» قلن إن المساعدات حسّنت قدرتهن على التكيّف مع الصدمات، لكن 5% فقط قالوا إنهن أصبحن قادرات بالكامل على تأمين حاجاتهن الأساسية.

في الواقع، استخدمت الأسر الأموال لتغطية الغذاء والإيجار والديون والنفقات اليومية، أي لتأجيل الانهيار المالي لا لتغييره، وبالفعل، وصفها كثيرون بأنها الدعم الذي سمح لهم «بتدبير الشهر». ومع توقف المساعدات، عادت الأسر إلى الحلقة نفسها: الاستدانة، وتأجيل المدفوعات، والعمل غير المستقر.

تكشف النتائج أن التحويلات النقدية تعمل كأداة «إدارة أزمة»، لا كسياسة للخروج من الفقر. فهي تشتري الوقت للأسر، لكنها لا تغيّر البنية الاقتصادية التي تنتج الفقر أصلاً. 

1

2. التدريب المهني حسّن المهارات، لكن الوظائف بقيت غير موجودة

شاركت 150 امرأة في التدريب المهني ولم يُسجَّل أي انسحاب من البرنامج على عكس الاعتقاد السائد بأن المساعدات النقدية تجعل المستفيدين كسالى ومعتمدين عليها، لكن 1% فقط حققن تحسناً فعلياً في شروط العمل.

في الواقع، اكتسبت المشاركات مهارات في الطبخ والرعاية الصحية وتصنيع الأغذية، لكن الوظائف المتاحة بقيت منخفضة الأجر، وغير مستقرة، وبعيدة عن أماكن السكن، وغير نطامية، وغالباً لا تغطي حتى كلفة النقل ولا تتوافق مع مسؤوليات الرعاية المنزلية التي تقع على عاتق النساء. إذ أفادت 76% من المشاركات بتحسن ما في الوصول إلى شروط عمل أفضل، لكن 1% فقط حققن هذا الهدف فعليّاً.

عملياً، لم تكن المشكلة في «قابلية النساء للعمل»، بل في سوق العمل نفسه. إذ أظهر البرنامج أن النساء مستعدات للتدريب والعمل، لكن الاقتصاد اللبناني لا ينتج وظائف لائقة قادرة على استيعاب المهارات الجديدة. 

2

3. «التحسن الاقتصادي» كان يعني أحياناً إنفاقاً أقل لا دخلاً أعلى

أفادت 68% من المشاركات في التدريب المهني أن أوضاعهن الاقتصادية تحسنت بعد التدريب.

لكن جزءاً كبيراً من هذا «التحسن» لم ينتج من زيادة الدخل، بل من خفض النفقات. فقد استخدمت بعض النساء مهارات الطبخ لإنتاج الطعام منزلياً بدل شرائه، بينما استخدمت أخريات مهارات الرعاية الصحية لتخفيف كلفة العلاج داخل الأسرة.

يعكس ذلك انتقال الأسر من اقتصاد العمل إلى «اقتصاد التكيّف»، حيث يصبح البقاء قائماً على تقليل الإنفاق وتعويض غياب الخدمات العامة والعمل المستقر بالمجهود المنزلي غير المدفوع. 

3

تُظهر تجربة طرابلس أن المساعدات النقدية تستطيع تخفيف آثار الانهيار، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير شروطه. فالفقر في لبنان لا ينتج فقط من نقص الدخل، بل من اقتصاد عاجز عن إنتاج وظائف مستقرة وخدمات عامة وحماية اجتماعية فعلية. لذلك تبدو سياسة «التخرّج من الفقر» أقرب إلى إدارة دائمة للأزمة، لا إلى مسار فعلي للخروج منها.

    أنيس الجرماني

    طبيب متخصّص في الطبّ الداخلي وباحث في سياسات الأنظمة الصحّية