من المناجم إلى الشوارع: بنية الاستخراجية وديناميات الاحتجاج في إرث شركة فسفاط قفصة
«يتعلّق الأهالي بأرضهم، ولو أوردتهم موارد الهلاك» - المقيم العام، تونس، 31 كانون الثاني/يناير 1912
تشكّل تجربة شركة الفوسفات والسكك الحديدية بقفصة (Compagnie des phosphates et du chemin de fer de Gafsa)، التي تأسّست في العام 1897 في ظل الحكم الاستعماري الفرنسي، مخبراً فريداً يبيّن كيف نظّمت الرأسمالية الاستخراجية الاستعمارية ليس فقط المشهد الاقتصادي في تونس، بل أيضاً أنماط تنظيم العمل والتراتب الاجتماعي والصراعات السياسية.
تهدف هذه الورقة إلى إعادة تناول تاريخ شركة الفوسفات والسكك الحديدية بقفصة، بوصفها في قلب القوى الاقتصادية والسياسية التي صاغت بنية الرأسمالية الاستخراجية الاستعمارية الفرنسية في تونس، ووفّرت الإطار البنيوي المؤسِّس لمسار تونس الاقتصادي والسياسي بعد الاستقلال. تستكشف هذه المقالة بالاعتماد أساساً على الأرشيف الشركة الاستعماري، الذي يوثّق الانتقال من الزراعة والترحال إلى عالم عمّال المناجم، إضافة إلى الصراعات النقابية، كيف شكّلت المؤسسة الاستعمارية كلاً من الاقتصاد السياسي في تونس وتنظيم العمل. أرسى نظام الإدارة في الشركة، بوصفه استخراجياً وقائماً على الفصل العنصري، أسس التفاوتات الإقليمية طويلة الأمد وأشكالاً من الهيمنة الاجتماعية، واستمرار الحوكمة الزبائنية في تونس ما بعد الاستعمار.
تتتبّع هذه المقالة، من خلال ثلاث حركات تحليلية، التشكّل الاستعماري للرأسمالية الاستخراجية والتنظيم العنصري والقبلي للعمل ثم إعادة إنتاج التباينات والتفاوتات الإقليمية بعد الاستقلال، وصولاً إلى انتفاضة قفصة في العام 2008، لتبيّن كيف شكّلت المؤسسة الاستعمارية كلاً من الاقتصاد السياسي في تونس وتنظيم العمل.
الرأسمالية الاستعمارية وأُسُس الإدارة الاستخراجية
1. الاقتصاد السياسي للاستخراج الاستعماري. مثّل إنشاء شركة CPG في العام 1897 ترسيخاً للسيطرة الاقتصادية الفرنسية على تونس. ففي أعقاب اتفاقية الحماية للعام 1881، عملت السلطة الاستعمارية على إعادة توجيه الاقتصاد التونسي ليصبح مزوّداً للمواد الخام اللازمة لتوسّع الصناعة في المتروبول. ووفق ما توضحه يوسفي (2017)، تحوّلت الشركة إلى نموذج مكثّف للرأسمالية الاستخراجية، أي نظام يقوم على الاستخراج واسع النطاق للموارد الطبيعية من أجل التصدير، مع حدّ أدنى من التحويل المحلي أو إعادة الاستثمار (أكوستا، 2013).
وفي خلال الفترة الاستعمارية، صُدِّر ما بين 90 و100 مليون طن من الفوسفات التونسي بصورة مجحفة إلى دول أوروبية
تزامن اكتشاف طبقات الفوسفات في حوض قفصة على يد الجيولوجي فيليب توماس في العام 1885 مع لحظة تشكّل الشرعنة الإيديولوجية للمشروع الإمبراطوري الفرنسي. أضفت عبارة جول فيري الشهيرة: «واجب الأعراق المتفوّقة تمدين الأعراق الدنيا»، مشروعية أخلاقية على ما لم يكن في حقيقته سوى مشروع افتراس اقتصادي. ضمنت CPG بتمويل من مؤسسات مصرفية باريسية كبرى مثل ميراباود وهوتّينغر، وبمشاركة مجموعات صناعية من بينها شركة «موكتا الحديد»، امتيازاً لستين عاماً لاستغلال مساحة تبلغ 500 كم²، وإنشاء شبكة سكة حديد تربط المناجم بميناء صفاقس.
كان المنطق الاقتصادي للمشروع واضح: تعظيم الأرباح عبر الحد الأدنى من الاستثمار والعمل الرخيص وبنية تحتية مدعومة من الدولة. بين عامَي 1897 و1956، صُدِّر ما بين 90 و100 مليون طن من الفوسفات التونسي، أساساً إلى فرنسا وقوى أوروبية أخرى، ما راكم أرباحاً ضخمة للمستثمرين، فيما خلّف فقراً واسعاً وتدهوراً بيئياً (ديبون، 1952). تمثّل دور الإدارة الاستعمارية في ضمان هذه الربحية عبر نزع الملكية وضبط العمل والحفاظ على النظام بالقسر. وفي خلال الفترة الاستعمارية، صُدِّر ما بين 90 و100 مليون طن من الفوسفات التونسي بصورة مجحفة إلى دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والمملكة المتحدة وألمانيا. يوضّح هذا المقتطف من مقال لـموريس ديبون في العام 1952 آليات الاقتصاد الأحفوري الاستعماري الذي ترسّخ في تونس:
«كشف الاستعمار في شمال أفريقيا عن مسار انتهى إلى تجريد المسلمين من ملكية أراضيهم ودفعهم نحو الأراضي الأقل خصوبة، بينما اتخذت المضاربة الزراعية اتجاهاً جعل الإنتاج المعاشي في منزلة هامشية ساخرة. أمّا استغلال ما تحت السطح، على الرغم من قِدَمه—وخصوصا مناجم الرصاص—فقد أُهمل في زمن الاستيلاء. استولى الأوروبيون على باطن الأرض من دون مقاومة، وقبل كل شيء من دون تقاسم. إن الصناعة المنجمية بأسرها ملكية استعمارية. تخضع صناعة المناجم لهيمنة التمويل الكبير بدرجة أشد مباشرة من الزراعة. نجحت شركات مالية محددة في فرض احتكار شبه كامل على سلع باطن الأرض. وهي سلع لأن تنظيم الصناعة المنجمية تمّ، كما في كل مرة، على حساب دافعي الضرائب. يتكوّن التعدين من عمليات متعددة متفاوتة الربحية. ففي بلد كانت جيولوجيته غير مفهومة في البداية، تكون أعمال البحث والتنقيب مكلفة وغالباً غير قابلة للتنبؤ. كذلك فإن الاستثمارات الأساسية، مثل إنشاء السكك والطرق والموانئ لنقل المعادن، مرتفعة الكلفة ولا تُجدي إلا على المدى الطويل. غير أنه، ما إن تُحدِّد الأبحاث الجيولوجية والتنقيب بعض المكامن وتُنجز الطرق والموانئ، حتى يصبح استخراج السلع ممكناً من دون قلق. في شمال أفريقيا، فوّضت الشركات الكبرى الدولة بـ«العمليتين الأوليين»، واحتفظت لنفسها بالثالثة. وهنا يتصادم الإنفاق العام مع الربح الخاص عند بدء الأنشطة التعدينية، ويقود المسار المعتمد إلى وأد أي أمل في تحسين مستوى عيش السكان. وغالباً ما يُصدَّر الخام من دون معالجة، ومن دون إثراء، فتُحرم شمال أفريقيا من الأجور التي كان سيولّدها الإثراء، ومن رأس المال الذي كان يمكن أن يبقى داخل البلد. لن نخوض في تاريخ ترسيخ هذه «المصالح» في باطن الأرض، ولا في المضاربات التي بدا أن قوانين التعدين المحلية صُمّمت لتشجيعها. سنكتفي بتحليل الراهن.»
2. الدولة بوصفها ضامناً للاستغلال. أدّت الدولة الاستعمارية دوراً حاسماً في إضفاء الشرعية على عمليات شركة CPG وحمايتها. من خلال أدوات قانونية مثل مرسوم العام 1893 الذي صنّف مكامن الفوسفات بوصفها «محاجر» تعود ملكيتها إلى مالك الأرض، أي عملياً الدولة الاستعمارية، جرى تسهيل نقل أراضي السكان الأصليين إلى مستثمرين أجانب. كما نُشر الجيش من أجل قمع المقاومة المحلية وتأمين مناطق التعدين (دوقي، 1982).
عكس هذا الأسلوب من الحكم منطق «النفقات العامة في مقابل الأرباح الخاصة»، حيث موّل دافعو الضرائب في تونس الاستثمارات التحتية مثل السكك الحديدية والموانئ، في حين تسرّبت الأرباح إلى الخارج. وبذلك، أرسى النموذج الاستعماري اقتصاد الجيب بوصفه اقتصاداً مفصولاً عن التنمية المحلية. وكما يشير بادويل (1981)، قضت الشركة على الأنظمة الزراعية–الرعوية التقليدية من دون إنشاء بدائل صناعية، ما أدخل التبعية البنيوية في صميم الاقتصاد الإقليمي.
3. الاستخراجية بوصفها إدارة استعمارية. جسّدت ممارسات الإدارة في CPG العقلانية الاستعمارية للضبط والكفاءة. فقد عكست التراتبية الإدارية فيها النظام العنصري للإمبراطورية: احتلّ المهندسون والمديرون الأوروبيون المستويات العليا، فيما اضطلع العمّال «المحليين» بالأعمال اليدوية في ظروف قاسية. أعطى تنظيم العمل الأولوية للانضباط على حساب تطوير المهارات وفضّل الكفاءة على الرفاه. واقتلعت القوة العاملة التونسية من الزراعة وتحولت إلى بروليتاريا بلا حقوق ولا تمثيل، وهي عملية ستطبع لاحقاً نشأة الحركة العمالية.
على هذا النحو، تحوّلت الشركة إلى مختبر للحكم الاستعماري وإلى نموذج تمهيدي لمسار التنمية في تونس ما بعد الاستعمار—مسار مُمركَز، قائم على الريع، ومرتهن لرأس المال الأجنبي.
العمل المُعنصَر وصناعة «أهل المناجم»
1. العزل والوصاية الأبوية. أنتجت CPG فضاءً اجتماعياً يقوم على التمييز المكاني والعرقي. سكن العاملون الأوروبيون في مجمّعات سكنية مجهّزة بالكهرباء والخدمات الصحية ومرافق الترفيه، في مقابل إقامة العمّال التونسيين واليد العاملة المهاجرة من الجزائر وليبيا والمغرب في مناطق مكتظّة ومتخلّفة عمرانياً. لم يقتصر التمييز على البعد الاجتماعي، بل امتد إلى تنظيم العمل نفسه: إذ انسجم تقسيم المهام مع الهرمية الاستعمارية القائمة على العرق والمنشأ. تولّى الأوروبيون مناصب رقابية، فيما شغل التونسيون وسائر شمال الأفارقة مواقع العمل غير الماهر.
من خلال التحكّم بالسكن والرعاية الصحية والتعليم، أدّت CPG وظيفة صاحب العمل والدولة المحلية في آنٍ واحد، بوصفها صورةً مصغّرةً للحكم الاستعماري حيث يتطابق «الراعي» مع «المستعمِر». وقد أفضى ذلك إلى شكل من الضبط المؤسسي
عزّزت البنية الإدارية الأبوية للشركة علاقات التبعية. فمن خلال التحكّم بالسكن والرعاية الصحية والتعليم، أدّت CPG وظيفة صاحب العمل والدولة المحلية في آنٍ واحد، بوصفها صورةً مصغّرةً للحكم الاستعماري حيث يتطابق «الراعي» مع «المستعمِر». وقد أفضى ذلك إلى شكل من الضبط المؤسسي الكلّي يطمس الحدود بين الاستغلال الاقتصادي والهيمنة السياسية.
2. العمل والقبيلة والطبقة. بينما اعتاد المسؤولون الاستعماريون النظر إلى العمّال التونسيين بوصفهم «متخلّفين» أو «قبليين»، تحوّلت هذه الروابط التضامنية الاجتماعية ركيزة أساسية في استمرار المقاومة. وكما يشير كلّ من يوسفي (2017) وعمّامي (2008)، تشابك تنظيم العمل في CPG بين علاقات الأجر الرأسمالية والبُنى القبلية والإقليمية السابقة. غالباً ما عاش وعمل العمّال المنتمون إلى القبيلة أو المنطقة نفسها معاً، ما أسهم في إنتاج هويات جمعية تخطّت التراتبيات العرقية. لقد ولّد هذا التكوين الاجتماعي الهجين شكلاً من البروليتاريا المحلية، حيث تتقاطع علاقات العمل مع روابط القرابة لتشكّل هوية طبقية خاصة. وعلى النقيض من الأحكام الاستعمارية المسبقة التي عدّت القبلية نقيضاً للتحديث، أفسحت هذه الشبكات التضامنية المجال أمام تنظيم العمّال جماعياً، ما أفضى إلى تشكّل البدايات النقابية. بحلول العشرينيات، ومع تهميش التونسيين داخل النقابات الفرنسية من قبيل CGT المرتبطة بالحزب الشيوعي، اتجه العمّال إلى إنشاء تنظيمات مستقلة مثل الكنفدرالية العامة التونسية للشغل، ثم الاتحاد العام التونسي للشغل ، التي ستغدو لاحقاً دعامة أساسية للتحرر الوطني (يوسفي، 2017).
3. التمرّد والقمع. شكّل القمع العنيف لإضراب عمّال المناجم في العام 1937 نقطة تحوّل في تاريخ العمل في تونس. فعندما دخل 6,000 عامل مناجم في إضراب للمطالبة بأجور أفضل وشروط عمل محسّنة، ردّت القوات الاستعمارية بقوة قاتلة، ما أسفر عن مقتل 17 وجرح 29. كشفت المجزرة عدم قابلية الفصل بين الصراع العمالي والمقاومة المناهضة للاستعمار. وكما كتبت سيمون فايل في (Le Sang Coule en Tunisie 1937)، عرّى سفك الدماء الانهيار الأخلاقي للمشروع الاستعماري، واستبق صعود «الانتقام الكبير للشعوب المستعمَرة».
صاغت هذه الأحداث أسطورة «أهل المناجم»، مجموعة تتحدّد بالمعاناة والكرامة والتحدّي. وغدت الذاكرة الجمعية للمقاومة في قفصة عنصراً تأسيسياً في الوعي السياسي التونسي، يعود للظهور في موجات احتجاج لاحقة طوال القرن العشرين.
الاستمرارية بعد الاستقلال وانتفاضة قفصة في العام 2008
1. تأميم بلا تغيير. في أعقاب الاستقلال في العام 1956، عمدت الدولة التونسية إلى «تونسة» شركة CPG، فحصلت على حصة قدرها 51% عام 1959. غير أنّ هذا التحوّل السياسي، كما تبيّن يوسفي (2017)، لم يُحدِث تغييراً جوهرياً في النموذج الاستخراجي. إذ استبدلت الدولة رأس المال الاستعماري بسيطرة بيروقراطية، لكنها حافظت على المنطق نفسه للتراكم المركزي. وظلّت صناعة الفسفاط تشكّل مصدراً رئيسياً للإيرادات الوطنية، غير أنّ الأرباح بقيت متركّزة في المناطق الساحلية، فيما تُرك الحوض المنجمي في حالة فقر.
في العقود التي تلت ذلك، تذبذب دور الشركة بين مؤسسة صناعية ومزوّد اجتماعي. فقد موّلت الإسكان والمدارس والمستشفيات، وأدّت وظيفة شبه-دولة في جهة قفصة. غير أنّ الاختلالات البنيوية الموروثة من الحكم الاستعماري—اللامساواة الإقليمية، والاعتماد على تصدير الخام، والإدارة السلطوية—استمرّت تحت خطاب قومي جديد.
مثّلت ثورة/انتفاضة قفصة 2008 أهم حراك اجتماعي في تونس منذ «انتفاضة الخبز» في عام 1984. وقد أشعلتها مزاعم الواسطة والمحاباة في سياسات التوظيف لدى CPG، لكنها ما لبثت أن اتسعت لتغدو مساءلة شاملة للفساد الممنهج والإقصاء والاستبداد
2. الإصلاحات النيوليبرالية والتفكّك الاجتماعي. دشّن الانفتاح الاقتصادي في الثمانينيات طوراً جديداً من تقويض القوة الاجتماعية للفئات المهمّشة. ففي ظل برامج التكييف الهيكلي التي فرضها البنك الدولي، خضعت CPG لإعادة هيكلة واسعة النطاق، ما أدى إلى فقدان أكثر من 10,000 وظيفة بحلول العام 1986 (علّال، 2010). وحلّت الكفاءة والربحية محلّ التشغيل والرعاية الاجتماعية بوصفهما المبادئ الناظمة لسياسة الشركة.
عمّقت هذه الإصلاحات اللامساواة القائمة: ففي الوقت الذي حدّثت فيه CPG عملياتها، واجهت الجماعات المحلية بطالة متصاعدة وتدهوراً بيئياً. وتحول التوظيف إلى ساحة فساد وزبائنية، تُدار عبر شبكات تربط مسؤولي الشركة بالفروع المحلية للحزب الحاكم (التجمع الدستوري الديمقراطي) وبالاتحاد العام التونسي للشغل.
وتحوّل هذا الإحساس العميق بالظلم إلى انتفاضة سنة 2008، عندما نزل شباب الرديّف والعاطلون عن العمل، ومعهم المترشّحون المرفوضون، إلى الشوارع مطالبين بـ«الشغل والكرامة والعدالة».
3. انتفاضة 2008: تمرين تمهيدي لثورة 2011 في تونس. مثّلت ثورة/انتفاضة قفصة 2008 أهم حراك اجتماعي في تونس منذ «انتفاضة الخبز» في عام 1984. وقد أشعلتها مزاعم الواسطة والمحاباة في سياسات التوظيف لدى CPG، لكنها ما لبثت أن اتسعت لتغدو مساءلة شاملة للفساد الممنهج والإقصاء والاستبداد. وفي خلال 6 أشهر من النضال الاحتجاجي المتواصل، واجه المتظاهرون، وقد التحقت بهم نساء وطلاب ونقابيون، مشروعية نظام بن علي (شويخة وجيسر، 2010).
كان ردّ الدولة عنيفاً: اعتقالات جماعية وتعذيب وقتل عدد من المحتجّين. لكن، كما تلاحظ يوسفي (2017)، كانت الانتفاضة قد كشفت بالفعل تصدّعات «المعجزة الاقتصادية» في تونس. فقد أظهرت كيف أعادت عقود من الحوكمة النيوليبرالية والزبائنية إنتاج الديناميات الاستخراجية نفسها التي تأسست في ظل الاستعمار، أي اقتصاداً مرتهناً لريوع الموارد الطبيعية ومحروساً بسلطة دولة قسرية.
وبالنظر إلى ما جرى لاحقاً، يمكن اعتبار حركة قفصة تمهيداً لثورة 2010–2011. فقد استبقت شعاراتها وفاعلوها ومظالمها الانتفاضة التي انطلقت من سيدي بوزيد، وهي بدورها منطقة داخلية مهمّشة، وانتهت بسقوط بن علي. إن هذا التواصُل بين الاستخراج الاستعماري، والريعية ما بعد الاستعمار، والهشاشة النيوليبرالية يبرز الإرث المستمر لشركة فسفاط قفصة بوصفها رمزاً وبنيةً للهيمنة في آن واحد
إعادة قراءة الأثر الاستعماري من منظور المؤسسات العمومية الوطنية
يجسد تاريخ شركة الفوسفات والسكك الحديدية بقفصة مسار الاقتصاد السياسي التونسي من الإخضاع الاستعماري إلى الارتهان ما بعد الاستعمار.
وكما أوضح هذا البحث، لم تكن الشركة مجرّد منشأة منجمية، بل مؤسسة اجتماعية أعادت تنظيم العمل والمجال والسلطة وفق منطق الرأسمالية الاستخراجية. وقد شكّل نموذج إدارتها القائم على التمييز العِرقي والتراتب الهرمي نموذجاً تأسيسياً لنظام الحكم الاستعماري الأوسع، بينما حافظ وريثها ما بعد الاستعمار على الهياكل ذاتها، ولكن تحت شعارات أيديولوجية جديد.
يُجسّد «نموذج قفصة» ثلاثة أبعادٍ راسخة للإدارة الاستعمارية. أولها البعد الاقتصادي، حيث أدّى الاستخراج دون تحويلٍ إنتاجي إلى تكريس التبعية واللامساواة. وثانيها البعد التنظيمي، إذ صاغت علاقات العمل الهرمية والمُعرقَنة ملامح الثقافة الإدارية في تونس. أمّا ثالثها فهو البعد السياسي، حيث إن تزاوج السيطرة الاقتصادية مع القهر السلطوي هو ما ضمن استمرارية الهيمنة عبر العصور.
وفي نهاية المطاف، تُظهر استمرارية الاضطرابات الاجتماعية — من مجزرة 1937 إلى انتفاضة 2008 — حدود نماذج التنمية القائمة على الاستخراج والإقصاء. قد تحوّل «أهل المناجم»، الذين كانوا يوماً رعايا للاستغلال الاستعماري، إلى ضمير الأمة، مذكّرين بأن التحديث الحقيقي لا يمكن أن ينبثق من أنظمة تعيد إنتاج اللامساواة والتجريد من الحقوق والموارد.
إن إعادة النظر في تاريخ شركة فسفاط قفصة تفتح الباب لإعادة التفكير في مفهوم الإدارة ذاته، لا بوصفه ممارسة تقنية محايدة، بل مشروعاً اجتماعياً وسياسياً متجذّراً في علاقات الهيمنة. ففهم حاضر تونس يقتضي هذا الإرث الاستعماري، والإقرار بأن الإدارة الاستخراجية لم تُشكّل اقتصادها فحسب، بل صاغت أيضاً تصوّراتها عن العدالة والعمل والانتماء الجماعي.
من ملف «التفكير الاجتماعي في أزمنة التحوّلات الكبرى». أعدّ هذا الملف من قبل برنامج «مقاربات نقدية للتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرت النسخة العربية منه في «صفر».
المراجع
Acosta, A. (2013). Extractivism and neoextractivism: Two sides of the same curse. In Beyond Development: Alternative Visions from Latin America.
Allal, A. (2010). Neoliberal reforms, clientelism, and protest under authoritarianism: The Gafsa mining basin in Tunisia. Politique Africaine, 117, 107–125.
Baduel, P.R. (1981). Gafsa comme enjeu. Annuaire de l’Afrique du Nord, CRESM.
Dougui, N. (1995). Histoire d’une grande entreprise coloniale : la CPG, 1897–1930. Tunis: Faculté des lettres de La Manouba.
Dupont, M. (1952). Les intérêts français contre l’intérêt de la France en Afrique du Nord. Esprit, July.
Yousfi, H. (2017). Trade unions and Arab revolutions, the Tunisian case of UGTT, Routledge.
Chouikha, L., & Geisser, V. (2010). Retour sur la révolte du bassin minier. L’Année du Maghreb, VI, 415–426.
Benjamin, W. (1942/2000). On the Concept of History. In Œuvres III. Paris: Gallimard.